الرئيسية / صوت الوطن / الأمن الغذائي في تونس بين الشّعارات والواقع
الأمن الغذائي في تونس بين الشّعارات والواقع

الأمن الغذائي في تونس بين الشّعارات والواقع

بقلم منور السعيدي

في تونس لم يعد الحديث عن “الأمن الغذائي” مجرد نقاش اقتصادي أو تقنية من تقنيات إدارة السوق، بل صار عنوانًا مكثفًا لأزمة تاريخية تعكس عجز النظام القائم عن ضمان أبسط شروط الحياة للجماهير الشعبية. فكلما اشتدت أزمة الخبز أو الزيت أو السكر، خرجت السلطة ومعها أبواقها الإعلامية لتردد الشعارات نفسها: حماية المقدرة الشرائية، تأمين المخزون الاستراتيجي، محاربة المحتكرين، الدفاع عن السيادة الوطنية. لكن هذه اللغة الشعبوية ليست سوى قناع أيديولوجي يخفي حقيقة أكثر عنفًا: أن الجوع نفسه أصبح أداة من أدوات السيطرة الطبقية، وأن الغذاء في بلد فلاحي كتونس صار خاضعًا بالكامل لمنطق الربح والتبعية الإمبريالية.

إن المعضلة ليست في نقص الموارد كما تروج السلطة، ولا في بعض “المنحرفين” الذين يحتكرون السلع، بل في طبيعة النظام الاجتماعي نفسه. فبلد يمتلك ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، وتاريخًا طويلًا من الإنتاج الفلاحي، لا يمكن أن يعجز عن إطعام سكانه إلا إذا كانت بنيته الاقتصادية مصممة أصلًا لخدمة مصالح طبقة ضيقة مرتبطة بالسوق العالمية. هذه هي الحقيقة التي تحاول الخطابات الرسمية طمسها: أزمة الغذاء في تونس ليست أزمة عرضية، بل هي نتيجة مباشرة للرأسمالية التابعة التي حوّلت الأرض إلى سلعة، والماء إلى امتياز، والفلاح إلى مجرد ملحق بسلسلة الاستغلال.

لقد أُعيد تشكيل الزراعة التونسية منذ الحقبة الاستعمارية لتخدم حاجات التصدير لا حاجات السكان. ولم يتغير هذا الجوهر بعد الاستقلال الشكلي، لأن الدولة التابعة التي قامت لم تكن سوى استمرار لجهاز السيطرة القديم بأيدٍ محلية. فبدل أن تُستعاد الأرض لصالح الجماهير الكادحة، أُعيد توزيعها داخل الكتلة المسيطرة نفسها: كبار الملاّك، البيروقراطية، والبرجوازية الكمبرادورية المرتبطة مباشرة بالمراكز الرأسمالية الأوروبية. وهكذا تحولت أفضل الأراضي إلى فضاءات لإنتاج زيت الزيتون والتمور والخضروات الموجهة للتصدير، بينما تُركت حاجات الشعب الأساسية مرهونة لاستيراد القمح والسكر والزيوت من الخارج.

هذا ليس خطأ في التخطيط، بل جوهر التبعية. الرأسمالية في الأطراف لا تبني اقتصادًا وطنيًا مستقلًا، بل تُبقي البلدان التابعة في موقع تزويد السوق العالمية بالمواد الأولية والمنتجات الفلاحية منخفضة الكلفة، مقابل استيراد السلع الأساسية والتكنولوجيا والديون. لذلك فإن كل حديث رسمي عن “السيادة الغذائية” داخل هذا النظام هو خداع صريح، لأن الدولة نفسها لا تملك قرارها الاقتصادي، وهي خاضعة مباشرة لشروط صندوق النقد الدولي والدائنين والمؤسسات المالية الإمبريالية.

حين يخرج قيس سعيد لاتهام المحتكرين والمضاربين، فهو لا يفعل سوى تحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن مركز الصراع الحقيقي. صحيح أن الاحتكار موجود، لكن المحتكر ليس شذوذًا في السوق، بل التعبير الأكثر تركيزًا عن منطق الرأسمال نفسه. التاجر الكبير، المستورد، الوسيط، شبكة التوزيع، كلهم حلقات طبيعية في آلية تراكم الثروة على حساب من ينتجون الغذاء ومن يستهلكونه. لذلك فإن الحرب الإعلامية على “المضاربة” ليست حربًا على الاستغلال، بل مسرحية سياسية تُستخدم لتبرئة الدولة من مسؤوليتها، ولإيهام الجماهير بأن الأزمة سببها بعض الأفراد الفاسدين لا النظام بأكمله.

إن الفلاح الصغير، الذي ما زال يشكل جزءًا واسعًا من القوى المنتجة في الريف، يعيش اليوم تحت حصار مزدوج. فهو يُستنزف من الأعلى عبر أسعار المدخلات التي يفرضها رأس المال التجاري والمالي: بذور، أعلاف، أسمدة، محروقات، مياه. ويُنهب من الأسفل عبر أسعار شراء مهينة تفرضها شبكات الوسطاء والتجميع. إنه يزرع ولا يملك ثمار عمله، يكدح على أرضه لكنه عاجز عن تقرير مصير إنتاجه. هذا هو الشكل الفلاحي لفائض القيمة: لا مصنع ولا معمل، لكن النهب يتم عبر السوق، عبر الديون، عبر الاحتكار، وعبر إخضاع المنتج الصغير لهيمنة رأس المال الكبير.

والنتيجة أن الريف التونسي يُفرغ تدريجيًا من سكانه. آلاف الفلاحين يُدفعون إلى الهجرة الداخلية، إلى أحزمة البؤس حول المدن، أو إلى البطالة والهجرة السرية. هذه ليست مجرد آثار جانبية للأزمة، بل جزء من عملية تاريخية لتحويل الجماهير الريفية إلى جيش احتياطي للعمل الرخيص، يخدم مصالح البرجوازية في المدن ويُستخدم لكسر أي مقاومة اجتماعية.

الدولة في هذه المعادلة ليست حكمًا محايدًا كما تزعم الليبرالية، بل جهاز منظم لهيمنة الطبقة السائدة. دعم الخبز ليس كرمًا اجتماعيًا، بل ضرورة سياسية لمنع الانفجار. واستيراد الحبوب ليس إجراءً تقنيًا، بل آلية لإدامة التبعية. وحين ترفع الحكومة أسعار المواد الأساسية أو تقلص الدعم، فهي لا “تصلح الاقتصاد”، بل تنقل عبء الأزمة من الطبقات المالكة إلى الجماهير الكادحة. الدولة هنا تلعب دور مدير الأزمة لصالح الرأسمال: تمنح الحد الأدنى للبقاء حين تخشى التمرد، وتسحب هذا الحد الأدنى حين تضمن احتواء الغضب.

وسط هذه الأزمة، تلعب البرجوازية الصغيرة دورًا خطيرًا في تشويش الوعي الطبقي. فهي ترفع شعارات وطنية غاضبة، وتتحدث عن الفساد والسيادة والمؤامرة، لكنها ترفض المساس بجذر المشكلة: الملكية الطبقية لوسائل الإنتاج. هذه الفئة، بحكم موقعها المتذبذب، تنتج باستمرار وعيًا عفويًا مرتبكًا. فهي تتظاهر بالراديكالية، لكنها في الواقع عاجزة عن تصور قطيعة فعلية مع النظام القائم. لذلك نراها تدفع نحو انفجارات غضب غير منظمة، وتتبنى خطابًا أخلاقيًا بدل التحليل الطبقي، وتروج لنقاوة ثورية مزيفة تعتبر التنظيم والانضباط السياسي “بيروقراطية”، بينما تمجد العفوية كأنها بديل للثورة.

هذا السلوك البرجوازي الصغير يضرّ بالحركة الثورية لأنه يفكك الجماهير بدل تنظيمها. إنه يحوّل الصراع الطبقي إلى غضب مشتت، ويستبدل بناء القوة التاريخية للطبقة العاملة والفلاحين الفقراء بشعارات فضفاضة عن “الشعب” و”الإرادة الوطنية”. لكن السياسة، كما قيل، تبدأ حيث تبدأ الملايين. أي أن الصراع الحقيقي لا تمارسه الأفراد المعزولة ولا الفئات الصغيرة المتحمسة، بل الطبقات المنظمة القادرة على تحويل معاناتها اليومية إلى مشروع سياسي ثوري. ومن دون هذا التنظيم، يبقى الجوع مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الخضوع.

إن الحديث عن الأمن الغذائي داخل الرأسمالية التابعة هو تضليل متعمد. لا أمن غذائي في ظل اقتصاد تُقرر فيه الشركات العابرة للقارات ماذا يُزرع، ويُحدد فيه الدائنون ماذا يُستورد، وتُصاغ فيه السياسات الزراعية وفق شروط السوق الأوروبية. ما يوجد هو إدارة دائمة لنقص الغذاء، بحيث يبقى الشعب في حالة هشاشة مزمنة: لا يموت جوعًا بالكامل، ولا يتحرر من الخوف من الجوع. وهذه الهشاشة هي شرط الاستقرار السياسي للنظام.

الأمن الغذائي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تحطيم هذه البنية. ليس عبر إصلاحات تقنية، ولا عبر حملات ضد المحتكرين، ولا عبر خطابات السيادة الزائفة، بل عبر قلب علاقات الملكية نفسها. الأرض يجب أن تنتزع من كبار الملاّك والشركات، المياه يجب أن تُخضع للملكية الجماعية، الإنتاج يجب أن يُخطط وفق حاجات المجتمع لا وفق طلب الأسواق الخارجية، والتجارة الخارجية للغذاء يجب أن تُنتزع من أيدي الكمبرادور والمضاربين.

هذه ليست مطالب إصلاحية، بل مهام ثورية. لأن قضية الغذاء ليست قضية زراعة فقط؛ إنها قضية سلطة. من يملك الأرض يملك الخبز، ومن يملك الخبز يملك القدرة على إخضاع الملايين. لذلك فإن معركة الأمن الغذائي في تونس ليست معركة من أجل تحسين الإدارة، بل معركة ضد الدولة الطبقية نفسها وضد التبعية الإمبريالية التي تحرسها.

إن الجماهير الكادحة في الريف والمدينة تدفع ثمن هذه الأزمة مرتين: مرة حين تنتج الغذاء ولا تنتفع به، ومرة حين تشتريه بأسعار تفوق قدرتها. والسلطة تعرف جيدًا أن الجوع يمكن أن يشعل الثورة، لذلك تحاول باستمرار شراء الوقت: شحنات قمح مستوردة، وعود بدعم، حملات اعتقال لبعض التجار، وخطابات شعبوية عن المؤامرة. لكنها لا تستطيع إلغاء التناقض الأساسي: شعب يزداد فقرًا، وطبقة طفيلية تزداد ثراءً.

في النهاية، يكشف ملف الغذاء بوضوح أن المسألة في تونس ليست نقص خبز بل فائض استغلال. ليست ندرة موارد بل هيمنة طبقة. وليست أزمة عابرة بل تعبير عن مأزق تاريخي للرأسمالية التابعة. ما دام الإنتاج الزراعي خاضعًا للربح، وما دام الفلاح والعامل منفصلين عن السيطرة على وسائل الإنتاج، وما دامت الدولة تحرس هذا النظام باسم الاستقرار، فإن كل شعار عن الأمن الغذائي لن يكون سوى كذبة أخرى تُقال للجياع بينما يُنهب خبزهم أمام أعينهم.

إلى الأعلى
×