الرئيسية / الافتتاحية / “التجميد بشهر”: خطوة متقدمة في إحكام السيطرة على الفضاء العام وتصفية الحركة الجمعوية
“التجميد بشهر”: خطوة متقدمة في إحكام السيطرة على الفضاء العام وتصفية الحركة الجمعوية

“التجميد بشهر”: خطوة متقدمة في إحكام السيطرة على الفضاء العام وتصفية الحركة الجمعوية

أصبح من المعتاد خلال المدة الأخيرة تلقي منظمات وجمعيات مدنية يجمع بينها تبني مواقف نقدية من سلطة الانقلاب، إعلام من يقضي بـ”تجميد النشاط لمدة شهر” بذرائع إدارية. وكانت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أم الجمعيات الحقوقية في تونس والوطن العربي وإفريقيا، من ضمن المنظمات التي طالها ذلك الإجراء في المدّة الأخيرة. وفيما لازال الرأي العام الديمقراطي منشغلا بالقرار الذي طال الرابطة لما يحمله في طياته من مؤشرات تصعيد خطيرة إزاء المجتمع المدني، صدر أواسط هذا الأسبوع قرار جديد بتجميد جمعية الأطباء الشبان لمدة شهر، بنفس جمل وألفاظ وحيثيات القرار الذي شمل عشرات الجمعيات المدنية (حقوقية، نسائية…) قبلها. وما من أحد يشكّ في أن قرارات جديدة هي الآن بصدد الإعداد لتشمل جمعيات أخرى اعتمادا على نفس الآلية التي أبدعها العقل الاستبدادي الفاشستي لقيس سعيد للتعاطي مع الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الانتظام السياسي والمدني والاجتماعي، بهدف إحكام قبضته على الفضاء العام حتى يتسنّى للدولة الدكتاتورية افتراس الشعب وإخضاعه لأشنع الخيارات الرأسمالية النيوليبرالية، ويلغي واقعيا الفضاء العمومي لصالح سلطة رجعية تحكم وتتحكم دون اعتراض ولا معارضة من مجتمع متفتت.

إنّ عقدة العقد عند قيس سعيد منذ وصوله إلى قصر قرطاج، وخاصة منذ استيلائه على مجمل منظومة الحكم، هو وجود منظمات مدنية وحركات سياسية عريقة نسبيا ومتجذرة في تاريخ البلاد والشعب بما عسّر عليه المرور للسرعة القصوى في تنفيذ برنامجه الشعبوي الفاشي. وقد اعتمد من أجل طريقة التدرج في استهداف تلك المنظمات والحركات. بدأ بالإلغاء الفعلي لأيّ دور للأحزاب السياسية من خلال القانون الانتخابي الهجين الذي يعتمد التصويت على الأفراد في الترشح لكل المواقع، ومن خلال حملة الترذيل والتخوين تكريسا لقاعدة “من تحزب خان”، علاوة على الحملة القمعية التي استهدفت عديد القيادات السياسية. وهو ذات الأمر الذي تتعرّض إليه النقابات والجمعيات التي ألغي فعليا أي تواصل معها، فتمّ تجميد التفاوض مع الاتحاد العام التونسي للشغل مركزيا وقطاعيا، سواء من قبل الحكومة أو من قبل الأعراف ومنظمتهم. ولم تكتف السلطة بذلك بل ألغت آلية الاقتطاع المباشر بما يعني ضرب المورد المالي الأساسي للاتحاد كخطوة متقدمة في تصفية شروط وجوده. ومن جهة أخرى فقد تمّ إلغاء الاتفاق مع الرابطة حول زيارة أماكن الاحتجاز والسجون، وواضح أن السلطة لا تريد أيّ دور رقابي للرابطة في هذه الفضاءات التي تصاعدت الانتهاكات داخلها، ولما حافظ صوت الرابطة على جرأته انتقلت سلطة الانقلاب إلى آلية “التجميد بشهر”، وها هي يد القمع تطول اليوم منظمة الأطباء الشبان بما يعكس حالة العبث في التعاطي مع الشأن العام في بلادنا، مع التنويه أن هذه المنظمة وان لم تعبّر عن مواقف واضحة تهم الوضع السياسي العام في البلاد، فإن انشغالها بالمرفق الصحي وانتصارها للقطاع العمومي وتعبئتها لجمهور واسع من الشبيبة الطبية على خلفية مطالبها العادلة والمشروعة هو الذي أقض مضاجع السلطان خاصة مع تعمق التصفية الممنهجة للخدمات الصحية مثلها مقل خدمات التعليم والنقل… لقد جاء تجميد المنظمة يوما قبل تنظيم ندوة صحفية لتسليط الضوء على وضع القطاع الصحي خريطة وخدمة وظروف عمل.

وهكذا فإن سلطة الانقلاب تبدو مصرة أكثر من أي وقت مضى، على تحقيق مراميها الفاشية سواء بتوسيع خارطة الاستهداف، أو بمضاعفة حملة التخويف والترهيب والإرباك المصاحبة لقرارات التجميد، ومن البديهي أن الطريق الأسلم والوحيد والأضمن في التصدي للفاشية الزاحفة لم ولن يكون إلا بإعلاء آلية المقاومة مقابل آلية التجميد ونيّة الشطب. لقد أبدى المجتمع المدني قدرا من التضامن ومن الرفض، تجلى خاصة بمناسبة تجميد الرابط، وهو أمر إيجابي لأن التصريح بالخضوع لقرار التجميد بذريعة “احترام القانون وانتظار ما سيحصل بعد شهر” لن يكون له من أثر سوى فتح شهية منظومة الاستبداد كي تقطع خطوات تصعيدية أخرى في استهداف المجتمع المدني. إن هذه المنظومة لا تفهم إلا لغة واحدة هي لغة المقاومة والتصدي للقرارات الجائرة التي لا يقبل بها إلا الخانعون من الأفراد والجماعات. أمّا الأحرار والحراير المتمسكون بكرامتهم وحقوقهم غير القابلة للتصرف فإن التردد لن يجد طريقه إلى عقولهم وإرادتهم. إن تاريخ القوى المدنية والنقابية والسياسية التقدمية في بلادنا هو تاريخ مقاومة وصمود في وجه المستعمر، ثمّ في وجه من احتل مكانه، ونعني نظامي بورقيبة وبن علي، وبعدهما منظومة الالتفاف على الثورة منذ الترويكا إلى اليوم. وعلى الجميع أن يدرك أن سياسة سعيد القمعية والفاشية إزاء الشعب وفعالياته وتنظيماته إنما هي سياسة عجز وفشل، تغذي الاحتقان الذي يؤجج مشاعر الغضب الذي ستكون له الكلمة الفصل في حسم الصراع السياسي والاجتماعي المعتمل في بلادنا ساعة يتحول إلى وعي وتنظيم.

إلى الأعلى
×