بقلم : ياسين هنيد
في غرفةٍ ضيّقة…
لا نافذة فيها
تلك التي يتسرّب من ثقوب جدرانها العذاب
نبيل…
مشدود المعصمين
لكنّه
كان حرًّا
أكثر من مدينةٍ كاملة
أوسع من السجن
كانوا يدخلون عليه
بأحذيتهم الثقيلة
وبوجوهٍ
أكلتْها الطاعة
يسألونه
من معك؟
فيبتسم
ذلك النوع من الابتسام
الذي يُرعب الجلادين
يجيب
معي الجائعون
الذين ينامون بلا خبز
والذين تعبوا
من حمل البلاد
فوق ظهورهم العارية
معي
العمّال الذين يتركون أصابعهم
في أفواه الآلات
ثم يعودون آخر الليل
بأجورٍ لا تكفي لشراء التعب
معي
الطلبة الذين يكتبون الحرية
على دفاترٍ
تعرفُ مسبقًا
أنها ستُصادر
معي
الشيوعيّون
الذين علّمتهم الحياة
أن الوطن لا يبنيه الجلادون
بل الذين يحملونه
على أكتافهم المتعبة
فيجلدونه…
لأن الطغاة
حين يعجزون عن قتل الفكرة
يغتالون الجسد
نبيل
يا ابنَ قعفور…
يا قمحًا نما
في خاصرة الريح
ويا وجهًا غسلته
أيدي الكادحين
كبرتَ…
وكان الوطنُ ضيقًا
كزنزانة
وكان الخوفُ
معلّقًا فوق الأبواب
كصور الطاغية
كنت تعرف الحقيقة كلها
أن الرفيق
الذي يبيع أسماء رفاقه
لا ينجو
حتى لو عاش ألف سنة
وأن بعض الكلام…
أشنع من الموت
حين أداروا آلة التعذيب
لم تساوم
حين انطفأت الكهرباء في جسدك
ظلّ قلبك
مضيئًا بالفكرة
“من تكلّم… خان”
يا لها من جملة
قصيرة
كطلقة
لكنّها
أثقل من الزنزانات كلها
أيُّ معدنٍ هذا
الذي صُنعت منه روحك يا نبيل؟
أيُّ قلبٍ هذا
الذي ظلّ نابضًا بالفكرة
حتى تحت السياط
لقد أرادوك
أن تركع
لكنّك كنت واقفًا
حتى وأنت تسقط
ثم قتلوك…
ولأن الجبناء
يخافون الحقيقة حتى بعد الموت
قالوا
انتحر
وكأن الجلاد
يمكنه أن يغسل يديه
بورقة مختومة
لكنّ قعفور
المدينة الصغيرة
التي خبّأت في ترابها
قمحًا وثورة
لم تصمت
خرج الناس
كما تخرج النار من الرماد
وكان اسمك
يمشي بينهم
كأغنيةٍ حمراء
كأنك لم تمت
بل تحوّلت
إلى هتاف
ما زلت حيًّا
يا نبيل
في قبضات العمّال
في غضب الطلبة
في كل من يرفض
أن يبيع صوته
مقابل النجاة
وما زالت كلماتك
ترتفع مثل نشيدٍ أخير
وصرت
اسمًا آخر
للثبات
وصار موتك
حياةً كاملة
في ذاكرة الوطن
نم هادئًا أيها الرفيق
فنحن ما زلنا هنا
نحرس الحلم نفسه
ونحمل الغضب نفسه
ونؤمن…
أن هذا الليل
مهما طال
لن ينتصر
صوت الشعب صوت الحقيقة
