الرئيسية / صوت الوطن / البطالة في تونس: قدر محتوم أم خيار اقتصادي؟
البطالة في تونس: قدر محتوم أم خيار اقتصادي؟

البطالة في تونس: قدر محتوم أم خيار اقتصادي؟

بقلم حمادي المثلوثي

منذ أكثر من نصف قرن، تحولت البطالة في تونس من ظاهرة ظرفية إلى معضلة هيكلية تمس مئات الآلاف من الشباب، وخاصة حاملي الشهائد العليا، حتى أصبحت جزءا من المشهد اليومي. وفي كل مرة ترتفع فيها نسب البطالة، تتسابق الحكومات إلى تبريرها بعوامل خارجية: الأزمة العالمية، الجفاف، جائحة كورونا، الحرب في أوكرانيا، أو ضعف الاستثمار. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل البطالة في تونس قدر لا يمكن تجاوزه، أم أنها نتيجة مباشرة لخيارات اقتصادية وسياسية اتخذتها الدولة منذ عقود؟

إن الإجابة تقتضي العودة إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي اعتمدته تونس منذ بداية السبعينات، والذي لم يكن مجرد اختيارات تقنية، بل كان مشروعا طبقيا أعاد توزيع الثروة والسلطة لفائدة الأقلية المالكة ورأس المال المحلي والأجنبي، بينما دفع العمال والكادحون والشباب ثمن تلك الخيارات.

من الانفتاح إلى التبعية

في نهاية الستينات، انتهت تجربة التعاضد، واختارت السلطة بقيادة الهادي نويرة الانفتاح الاقتصادي. صدر قانون أفريل 1972 الذي فتح الباب أمام الرأس مال الأجنبي للاستثمار في الصناعات الموجهة للتصدير، مستفيدا من اليد العاملة الرخيصة والإعفاءات الجبائية. وقد رُوّج لهذا الخيار باعتباره الطريق نحو التنمية والتشغيل، لكن الواقع أثبت أن هذا النموذج لم يكن يهدف إلى بناء اقتصاد وطني منتج، بل إلى إدماج تونس في التقسيم الدولي للعمل باعتبارها خزانا لليد العاملة الرخيصة.

لقد خلق هذا النموذج مواطن شغل هشة وضعيفة الأجور، ولم ينجح في بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من طالبي العمل. كما أدى إلى تهميش الفلاحة والصناعات الثقيلة والتكنولوجية، وهو ما جعل البطالة ترتفع كلما تعرض الاقتصاد العالمي لأي أزمة.

الثمانينات: وصفات صندوق النقد

مع بداية الثمانينات دخل الاقتصاد التونسي أزمة مالية خانقة، فقبلت السلطة سنة 1986 برنامج الإصلاح الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت السياسات الاقتصادية تقوم على الخصخصة، وتحرير الأسعار، وتقليص الإنفاق العمومي، والحد من الانتدابات في الوظيفة العمومية.

لم تكن هذه الإصلاحات مجرد إجراءات مالية، بل كانت تعبيرا عن انتقال الدولة من دور المنتج والمشغل إلى دور الحارس لمصالح رأس المال. فتقلص الاستثمار العمومي، وبيعت المؤسسات الوطنية، وتراجعت الصناعات العمومية، واتسعت البطالة بصورة غير مسبوقة، خاصة في الجهات الداخلية.

عهد بن علي: نمو بلا تشغيل

وجاء عهد بن علي ليعمق هذه الخيارات تحت شعار «الإصلاحات» و«تحسين مناخ الأعمال /الاستثمار». صحيح أن نسب النمو بدت أحيانا مرتفعة، لكنها كانت نموا هشا يعتمد على السياحة والخدمات والمناولة والتصدير منخفض القيمة المضافة. أما الاستثمار المنتج القادر على خلق فرص عمل مستقرة فقد ظل ضعيفا، بينما توسعت شبكات الفساد والاحتكار والمحسوبية.

لقد كانت ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي في جوهرها ثورة ضد البطالة والتهميش واللامساواة الجهوية. ولم يكن شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» مجرد مطلب اجتماعي، بل إدانة كاملة للنموذج الاقتصادي الذي راكم الثروة في يد أقلية وترك أغلبية الشباب خارج سوق العمل.

ما بعد 2011: تغيير الوجوه لا السياسات

غير أن الحكومات المتعاقبة بعد 2011 لم تغيّر جوهر الخيارات الاقتصادية. فقد واصلت التفاوض مع صندوق النقد الدولي، واستمرت في تشجيع الاستثمار الريعي، وتقليص دور الدولة، وإهمال التنمية الصناعية والفلاحية. لذلك بقيت البطالة مرتفعة، بل ازدادت هشاشة التشغيل واتسع الاقتصاد الموازي والهجرة غير النظامية.

الشعبوية وتعمية أسباب الأزمة

ومع وصول قيس سعيد إلى الحكم، ارتفع منسوب الخطاب الشعبوي بصورة غير مسبوقة. فقد جرى تصوير الأزمة الاقتصادية وكأنها نتيجة حصرية للفساد أو المؤامرات أو تعطيل الإدارة، بينما تم تجاهل الأسباب الهيكلية المرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.

لقد وعد الخطاب الرسمي ببناء جديد، وبالاعتماد على «إرادة الشعب»، لكنه لم يقدم بديلا اقتصاديا حقيقيا للسياسات الليبرالية القديمة. فما زالت الدولة تراهن على الاستثمار الخاص باعتباره المحرك الأساسي للتشغيل، وما زالت المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية قائمة، وما زال الاستثمار العمومي محدودا، بينما تتواصل البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات.

إن الشعبوية تؤدي هنا وظيفة سياسية واضحة؛ فهي تحول أنظار المواطنين عن جوهر الأزمة. فبدلا من مساءلة الخيارات الاقتصادية، يجري التركيز على الأشخاص، أو على الفساد وحده، أو على الخطابات الأخلاقية، وكأن تغيير الوجوه يكفي لحل أزمة عمرها أكثر من خمسين سنة.

ماذا يقترح حزب العمال؟

إن البطالة في تونس ليست مجرد خلل في سوق الشغل، بل هي أحد المظاهر الهيكلية للرأسمالية التابعة التي كرستها الخيارات الاقتصادية المتعاقبة منذ السبعينات. فهذا النموذج لا يهدف إلى تعبئة الطاقات الوطنية أو تحقيق التنمية المتوازنة، وإنما إلى ضمان اندماج الاقتصاد التونسي في المنظومة الرأسمالية العالمية كمجال لتصدير اليد العاملة الرخيصة، وجلب الاستثمارات الباحثة عن الأرباح السريعة، وخدمة مصالح أقلية من كبار الرأسماليين المحليين والأجانب.

ومن هذا المنطلق، يؤكد حزب العمال أن مقاومة البطالة لا يمكن أن تنجح عبر بعض الحوافز الجبائية أو القروض أو البرامج الظرفية، بل تقتضي القطع مع الخيارات الليبرالية التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، واستعادة الدولة لدورها الاقتصادي والاجتماعي باعتبارها أداة للتنمية لا مجرد حارس للسوق.

ويطرح حزب العمال بديلا اقتصاديا يقوم على بناء اقتصاد وطني منتج ومستقل، تكون فيه السيادة الاقتصادية شرطا للسيادة الوطنية. ويقتضي ذلك إطلاق برنامج واسع للتصنيع الوطني، يركز على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وربطها بالبحث العلمي والتكنولوجيا، مع إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية وتطويرها بدل التفويت فيها، باعتبارها رافعة أساسية للاستثمار والتشغيل.

كما يدعو الحزب إلى إعادة بناء سياسة فلاحية وطنية تحقق الأمن والسيادة الغذائيين، وتحمي صغار الفلاحين، وتطور الصناعات الغذائية، بما يخلق عشرات الآلاف من مواطن الشغل ويحد من التفاوت بين الجهات.

ولا يمكن، في تصور حزب العمال، معالجة البطالة دون مراجعة جذرية للسياسة الجبائية، عبر تحميل كبار الرأسماليين وأصحاب الثروات نصيبهم الحقيقي من الضرائب، ومقاومة التهرب الجبائي، وتوجيه الموارد العمومية نحو الاستثمار المنتج والبنية التحتية والخدمات الأساسية، عوض مواصلة سياسة الامتيازات والإعفاءات التي لم تنتج سوى مزيد من التبعية والعجز.

كما يرفض الحزب تحويل التشغيل إلى مجرد آليات هشة أو عقود مؤقتة تفتقر إلى الاستقرار والحقوق، ويعتبر أن الحق في الشغل اللائق، وفي أجر عادل، وفي الحماية الاجتماعية، هو حق دستوري وإنساني لا يجوز إخضاعه لمنطق الربح والسوق.

بالمحصلة

إن المطلوب اليوم ليس مجرد تغيير الحكومات أو الوجوه، وإنما تغيير السياسات نفسها. فالبطالة لن تنخفض بصورة دائمة إلا عندما يصبح خلق الثروة الوطنية وتوفير مواطن الشغل هدفا مركزيا للدولة، وعندما تخضع التنمية لحاجات الأغلبية الشعبية لا لمقتضيات الربح الخاص.

ولهذا يؤكد حزب العمال أن النضال من أجل الحق في الشغل هو جزء من النضال من أجل التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية، وأن بناء اقتصاد وطني منتج، مستقل، وعادل في توزيع الثروة، هو الطريق الحقيقي لإنهاء البطالة وتحقيق الكرامة لكل التونسيين.

فالبطالة في تونس ليست قدرا محتوما، وإنما نتيجة خيارات اقتصادية وسياسية يمكن تغييرها متى توفرت الإرادة الشعبية والقوى الاجتماعية القادرة على فرض مشروع وطني ديمقراطي وشعبي يجعل الإنسان، لا الربح، محور التنمية.

إلى الأعلى
×