الرئيسية / صوت الوطن / أزمة منظومة التغطية الاجتماعية في تونس
أزمة منظومة التغطية الاجتماعية في تونس

أزمة منظومة التغطية الاجتماعية في تونس

بقلم  الناصر بن رمضان

لا تقف أزمة الصحة في تونس عند حدود تدني أجور المضمونين الاجتماعيين وارتفاع كلفة العلاج، بل تمتد إلى فشل منظومة التغطية الاجتماعية ذاتها في أداء وظيفتها الأساسية، أي حماية المواطنين من المخاطر الصحية. فقد تحولت نفقات الدواء إلى عبء ثقيل تتحمله الأسر المفقرة مباشرة من جيوبها المهترئة، رغم اقتطاع مساهمات شهرية مرتفعة لفائدة منظومة التأمين على المرض. وتشير عديد الدراسات إلى أن الإنفاق المباشر للأسر على الصحة يمثل نحو 39% من إجمالي الإنفاق الصحي في تونس، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بما يفترضه نظام تغطية اجتماعية فعال. كما أن الأدوية وحدها تستحوذ على حوالي 59% من الإنفاق الصحي المباشر للأسر، الأمر الذي يجعل اقتناء الدواء أهم أسباب الاستنزاف المالي للعائلات، وخاصة الفئات الفقيرة وأصحاب الأمراض المزمنة.

وتزداد خطورة الوضع عندما تفرغ رفوف عديد الصيدليات ويصبح الدواء نفسه سلعة نادرة. فقد أدت أزمة السيولة التي تعيشها الصيدلية المركزية بسبب تراكم ديون المؤسسات العمومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) – إلى اضطراب في التزود بالأدوية الأساسية واختفاء عدد من أصنافها ، مما أجبر المرضى على قبول بدائل جنيسة أو البحث عن الدواء خارج البلاد أو تأجيل العلاج، وهو ما يضرب الحق في الصحة غير القابل للمساومة والتفريط . وقد بلغت مستحقات الصيدلية المركزية لدى الكنام والمستشفيات العمومية حوالي 1.1 مليار دينار وفق تصريحات مسؤوليها سنة 2024 ولا شك أن هذه الديون تفاقمت أكثر. ويعكس هذا الرقم بطبيعة الحال عمق الأزمة المالية التي تضرب سلسلة التزويد الدوائي بأكملها.

أما نظام استرجاع المصاريف الذي يفترض أن يكون آلية من آليات العدالة والتضامن الاجتماعي فقد فقد جزءاً كبيراً من نجاعته نتيجة التأخير المزمن في خلاص مستحقات الصيدليات ومقدمي الخدمات الصحية. ففي جانفي 2026 أعلن ممثلو الصيدليات الخاصة أن ديون الكنام تجاههم تجاوزت 200 مليون دينار، مع تأخر في الدفع بلغ حوالي 185 يوماً، وهو ما انعكس مباشرة على تزويد المرضى بالأدوية واستمرارية العمل بنظام الدفع من قبل الغير.

ولا تقتصر المشكلة على الاختلالات المالية، بل تكشف أيضاً أزمة حوكمة وإدارة باتت مستفحلة. فالدولة في ظل الحكومات الشعبوية كما في ظل الحكومات الرجعية التي سبقتها أصبحت تلتجأ بشكل دوري إلى ضخ مئات الملايين من الدنانير لتسوية جزء من الديون المتراكمة؛ ففي سنة 2024 أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن تسديد 382.8 مليون دينار لفائدة المستشفيات والصيدلية المركزية والصيدليات ومختلف مزودي الخدمات، غير أن هذه التدخلات بقيت حلولاً ظرفية لم تعالج الأسباب البنيوية للأزمة، وفي مقدمتها العجز المالي المزمن، وغياب الحوكمة، و الإصلاح الهيكلي لمنظومة التأمين على المرض.

إن هذه المؤشرات لا تعكس مجرد صعوبات تقنية أو مالية قابلة للمعالجة، بل تكشف تراجعاً في الوظيفة الاجتماعية للدولة. فعندما يصبح المضمون الاجتماعي مضطراً إلى شراء دوائه بالتقسيط، أو إلى الانتظار أشهراً لاسترجاع مصاريفه، أو إلى البحث عن دواء مفقود، فإن مبدأ التضامن الاجتماعي يفقد مضمونه العملي، وتتحول التغطية الصحية إلى حق شكلي لا يوفر الحماية الفعلية. ومن منظور سياسي واقتصادي، لا يمكن تفسير هذه الأزمة بمعزل عن السياسات العمومية التي تنتهجها المنظومة الشعبوية، تحت عنوان التقشف المالي وإكراهات التوازنات الاقتصادية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي في اتجاه الخوصصة التدريجية فالشاملة، بما يجعل كلفة المرض تنتقل شيئاً فشيئاً من الدولة وصناديق الضمان الاجتماعي إلى كاهل الأسر الشعبية والفقيرة.

إلى الأعلى
×