الرئيسية / عربي / الضفة الغربية: الحرب المنسيّة
الضفة الغربية: الحرب المنسيّة

الضفة الغربية: الحرب المنسيّة

بقلم ألفة بعزاوي

منذ اندلاع طوفان الأقصى، تحوّلت منطقة الشّرق الأوسط إلى مسرح مفتوح لحروب متداخلة امتدّت من قطاع غزّة إلى جنوب لبنان وسوريا واليمن وصولا إلى المواجهة المباشرة مع إيران، في واحدة من أكثر المراحل التي عرفتها المنطقة دمويّة منذ عقود. إذ استخدمت في هذه الصّراعات أحدث منظومات التّدمير من صواريخ بالستيّة وطائرات مسيّرة وغيرها من الأسلحة الدّقيقة في مشهد أعاد إلى الواجهة مفاهيم الحرب الشّاملة والاستنزاف طويل الأمد. وقد تحوّلت هذه الحروب إلى محور اهتمام عالمي فهيمنت على عدسات المصوّرين واحتلّت صورها وتفاصيلها شاشات القنوات لتصبح مادّة يوميّة للنّقاش إعلاميّا ودبلوماسيّا وداخل الهيئات الإقليميّة والدّوليّة.

وإن كان هذا التّركيز مفهوما باعتبار أنّ المنطقة تحوّلت إلى مختبر لموازين القوى وساحة لإعادة رسم ملامح النّظام إقليميّا ودوليّا، إلاّ أنّ استئثار هذه الحروب بأنظار العالم أخفى وراء النّيران وضجيج الآلات العسكريّة ساحات أخرى للصّراع وأبقاها في الخلفيّة رغم أنّها لا تقلّ أهمّيّة من حيث التّحوّلات الجارية فيها. ففي الضّفّة الغربيّة تدور حرب صامتة مرتبطة بشكل كامل بالتّحوّلات الواسعة في بنية الصّراع في المنطقة وستكون لها آثار عميقة على مستقبل الصّراع الفلسطيني الصّهيوني.

ملامح التّصعيد في الضّفّة بالأرقام

تشير بيانات مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشّؤون الإنسانيّة إلى أنّ الضّفّة الغربيّة شهدت خلال السّنوات الثّلاث الأخيرة ارتفاعا حادّا في مستويات العنف الذي يمارسه الاحتلال.

فبحسب تقارير الأمم المتّحدة، قتل 240 فلسطينيّا في الضّفّة الغربيّة سنة 2025 من بينهم 55 طفلا سواء برصاص جيش الاحتلال أو كذلك في اعتداءات نفّذها المستوطنون. وتشير نفس التّقارير إلى أنّ سنة 2026 شهدت ارتفاعا إضافيّا في وتيرة اعتداءات المستوطنين لتبلغ معدّل 6 هجمات يوميّا تشمل الاعتداء على السّكّان، إحراق الممتلكات، الاستيلاء على الأراضي، منع الوصول إلى مصادر الرّزق خاصّة في المواسم الزّراعيّة… وتسفر عن قتلى أو جرحى أو أضرار بالممتلكات، وهو أعلى مستوى تمّ تسجيله منذ بداية الأمم المتّحدة توثيق هذه الاعتداءات.

  وقد أدّت هذه الاعتداءات إضافة إلى عمليّات الهدم والإخلاء القسري إلى تهجير أكثر من 2200 فلسطينيّا من تجمّعاتهم السّكنيّة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 لتصل حصيلة الفلسطينيّين المهجّرين مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023 إلى حوالي 40000 حسب نفس المصدر أعلاه، مع اعتقال مئات الفلسطينيّين خلال عمليّات قوات الاحتلال المتواصلة. وتشير تقارير أخرى إلى أنّ أكثر من 190 منشأة للمياه والصّرف الصّحي قد تضرّرت أو دمّرت بشكل كامل منذ بداية 2026 ممّا فاقم أزمة المياه في عشرات التّجمّعات الفلسطينيّة.

الاستيطان سياسة متكاملة تقوم على توزيع الأدوار

لطالما حاولت حكومات الكيان الصّهيوني المتعاقبة الاختباء وراء كذبة اعتبار اعتداءات المستوطنين أفعالا فرديّة، غير أن الوقائع الميدانيّة وتقارير المنظّمات الدوليّة تفيد أنّ التّوسّع الاستيطاني وجملة الاعتداءات هي سياسة “دولة”، تتمّ بدعم سياسي ومالي وعسكري رسمي وهو ما بدأ يتّخذ أشكالا أكثر سفورا في السّنوات الأخيرة مع حكومة ناتنياهو بشكل صار يستحيل معه هضم مصطلحات من قبيل “الأفعال الفرديّة” و”المجموعات المتطرّفة”…

 وتكشف الوقائع الميدانيّة تصعيدا متزامنا في الاستيطان والإجراءات العسكريّة والتّشريعيّة بما يعكس سياسة متكاملة الأركان. فخلال السّنتين الأخيرتين صادقت حكومة الكيان المحتل على إنشاء أو شرعنة عشرات البؤر الاستيطانيّة وأقرّت خططا لبناء عشرات الآلاف من الوحدات السّكنيّة الجديدة في مستوطنات الضفّة الغربيّة وقد أحالت حكومة الكيان الصّهيوني إلى المجلس الأمني في شهر جوان الفارط خطّة تمويل بقيمة 1 مليار شيكل (ما يقارب 340 مليون دولار) لإنشاء وتوسيع مستوطنات في الضّفّة الغربيّة تشمل طرقا وبنى تحتية ومبان عامّة… في أعلى وتيرة توسّع استيطاني منذ عقود، وبذلك ارتفع عدد المستوطنين في الضّفة الغربيّة باستثناء القدس الشّرقيّة إلى ما يفوق 530 ألف مستوطنا موزّعين على أكثر من 150 مستوطنة رسميّة إضافة إلى أكثر من 220 بؤرة استيطانيّة كثير منها أنشئ دون ترخيص رسمي وحظي لاحقا بالحماية والتّمويل والخدمات الحكوميّة.

وتشير تقارير منظّمات حقوقيّة إلى أنّ عددا من اعتداءات المستوطنين تنفّذ أمام أعين جنود الاحتلال وفي بعض الأحيان بمشاركتهم وهو ما أكّده تقرير لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة في أوت من العام الفارط. ولمساعدة المستوطنين على الإفلات من العقاب إزاء جرائمهم ضدّ الفلسطينيّين، اتّخذ جيش الاحتلال في السّنة الماضية إجراء يقع بمقتضاه تجنيد أبناء المستعمرات وأوكل إليهم في إطار الخدمة العسكريّة مهمّة “حماية” مستعمراتهم وهو إجراء يشرّع للإفلات من العقاب على خلفيّة الجرائم المرتكبة ضدّ الفلسطينيّين كما يكشف بشكل واضح أكذوبة الفصل بين الجندي والمستوطن.

إنّ ما يحدث في الضّفّة الغربيّة هو سياسة متكاملة الأركان تقوم على توزيع الأدوار بين الحكومة والجيش والمستوطنين وتهدف إلى إعادة هندسة المجال الجغرافي والدّيمغرافي الفلسطيني، عبر فرض وقائع ماديّة وقانونيّة تجعل قيام دولة فلسطينيّة متّصلة الأطراف أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

الضفّة مشروع ضمّ بطيء

لا تبدو الأحداث اليوميّة في الضّفّة منفصلة عن استراتيجيّة أوسع. فالاقتحامات العسكريّة، والحواجز، ومصادرة الأراضي، وشقّ الطّرق الالتفافيّة، والتوسّع الاستيطاني، وتهجير التّجمّعات السّكنيّة، كلّها تصبّ في إعادة رسم الخارطة الدّيمغرافيّة والجغرافيّة للضفّة الغربيّة.

لقد وثّقت الأمم المتّحدة ارتفاع عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والبوّابات العسكريّة إلى حوالي 900 حاجزا في شتّى أنحاء الضّفّة، الأمر الذي أدى إلى تقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينيّة وعزلها إلى جيوب منفصلة بالإضافة إلى تعطيل الحركة الاقتصاديّة والاجتماعيّة وإطالة زمن الوصول إلى المدارس والمستشفيات وأماكن العمل وبحسب شهادات فلسطينيّين فإنّ المسافة التي كانت تستغرق ساعة واحدة صارت تستغرق من 3 إلى 4 ساعات بالإضافة إلى تكدّس سيّارات الفلسطينيّين أمام الحواجز في ساعات الذّروة في واحدة من أكثر تجلّيات نظام الفصل العنصري الصّهيوني.

لم يقتصر دور دولة الاحتلال على توفير الحماية العسكريّة للمستوطنات، وتحديد شكل السّيطرة الميدانيّة، بل شمل أيضًا سنّ تشريعات، واعتماد موازنات ضخمة لشقّ الطّرق الالتفافيّة، وربط المستوطنات بشبكات البنية التّحتيّة، وتوسيع صلاحيّات الوزراء الدّاعمين للاستيطان في إدارة شؤون الضّفة الغربيّة ومن ذلك الصّلاحيّات التي تم إعطاؤها لوزير الماليّة الصهيوني “بتسالئيل سموتريتش”.

تعكس هذه التّطوّرات منظومة متكاملة من السّيطرة، تقوم على الجمع بين القوّة العسكريّة المباشرة، والتّوسّع الاستيطاني، والضّبط الإداري للحياة اليوميّة للفلسطينيّين عبر الحواجز ونظام التّصاريح وتؤسّس لنظام سيطرة طويل الأمد يعيد إنتاج الاحتلال بأدوات أقلّ كلفة عسكريّة وأكثر فعاليّة سياسيّة.

 ولم يعد السّؤال المطروح حسب العديد من المحلّلين هو ما إذا كانت إسرائيل تتّجه نحو ضمّ الضفّة الغربيّة، بل إلى أيّ مدى أصبح هذا الضّمّ واقعا يتشكّل تدريجيّا على الأرض، بينما يكتفي المجتمع الدّولي ببيانات الإدانة دون إجراءات قادرة على وقف هذا المسار.

ملامح المقاومة تتشكل في الأفق

بعد سنوات من الهدوء النّسبي عقب انتفاضة الأقصى، وفي قلب هذا المشهد، تبرز مخيّمات اللاّجئين في شمال الضفّة الغربيّة، مثل جنين وطولكرم ونور شمس، كمناطق مواجهة رئيسيّة بين القوات الإسرائيليّة ومجموعات مقاومة محليّة. حيث شهدت الضّفّة الغربيّة عقب عمليّة طوفان الأقصى عودة تدريجيّة للتّشكيلات المسلّحة المحليّة ونشأت مجموعات غير مركزيّة مثل “كتيبة جنين” و”عرين الأسود” في نابلس، تضمّ مقاتلين من خلفيّات سياسيّة مختلفة، بينهم عناصر من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشّعبيّة وفتح إضافة إلى شباب مستقلّ كردّة فعل على ارتفاع وتيرة عنف المستوطنين وتصاعد الهجمات الإسرائيليّة.

ورغم أنّ هذه المجموعات لم تتبلور كحركة موحّدة ذات برنامج سياسي شامل، بل كتنظيمات محليّة ذات طابع دفاعي، تركّز أساسا على التّصدّي للاقتحامات الإسرائيليّة التي تصاعدت وتكثّفت في السّنوات الأخيرة، إلاّ أنّ هذا النّمط من المقاومة اللاّمركزية يعكس من زاوية أخرى حالة من تراجع الثّقة في المؤسّسات الرّسميّة الفلسطينيّة وفي مسارات التّسوية مع الكيان المحتلّ وتراجع الشّرعيّة الشّعبيّة للسّلطة الفلسطينيّة.

هذه السّلطة التي باتت تُعتبر أكثر فأكثر لدى الفلسطينيّين كسلطة لإدارة الاحتلال من خلال اتّفاقيّة التّنسيق الأمني معه وتعهّدها بالقضاء على كلّ من يعارض مسارات التّسوية… وضلوعها في ذلك لا فقط في مواجهة المقاومة المسلّحة بل حتّى في مواجهة التّحرّكات المدنيّة السّلميّة.

استند الشّباب الذين انضمّوا إلى مثل هذه المجموعات إلى ذاكرة اجتماعيّة للكفاح المسلّح، الذي أطلقته منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في ستّينيات القرن العشرين واستمرّ حتّى الانتفاضة الثّانية كما استلهموا من عمليّة الطّوفان وتجمّعوا حول شعار “وحدة الجبهات” في إشارة إلى الهجمات المتعدّدة الجبهات التي شنّها على إسرائيل محور المقاومة.

وفي المحصّلة، فإنّ الضّفة الغربيّة تعيش اليوم على وقع حرب صامتة مركّبة تشمل التّوسّع العسكري والاستيطاني والاقتصادي للاحتلال أمام سلطة فلسطينيّة عاجزة عن وقف هذا التوسّع وعن حماية الفلسطينيّين من جرائم الاحتلال ممّا زاد القناعة لدى شرائح واسعة من فلسطينيّي الضّفّة بأن المقاومة هي الخيار الأوحد في مواجهة ما يتمّ فرضة من تغييرات بنيويّة في الضّفّة الغربيّة والذي قد يترتّب عنه تحديد مستقبل الصّراع برمّته خلال السّنوات القادمة.

إلى الأعلى
×