بقلم حسين الرحيلي
شهدت بلادنا منذ الأسبوع الفارط موجة حرّ شديدة شملت تقريبا كل الولايات. وارتفعت تبعا لذلك درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لم تعرفها البلاد منذ فترات عدة. ولا يمكن القول إنّ هذا الحدث المناخي قد فاجأ الجميع وخاصة من هم في السلطة. إذ تمّ التنبيه من طرف كل مراكز الأرصاد الجوية في العالم ومخابر متابعة التحولات المناخية، أنّ صيف 2026 سيكون حارا جدا تحت تأثير ظاهرة النيونو الأطلسية التي تؤثر ومنذ سنوات عديدة على درجات الحرارة على سطح الأرض.
كما لا ننسى أنّ كل المعطيات التي تمّ نشرها خلال الخمس سنوات الأخيرة حول التحولات المناخية واتجاه دورات المناخ، تؤكد أنّ منطقة البحر الأبيض المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية ستكون الأكثر تأثرا بارتفاع درجات الحرارة. فهل تمّ الاعتماد على كل هذه التطورات والمعطيات منذ أكثر من خمس سنوات ووضع خطط وبرامج للتكيف معها؟ أم أنّ نظرية المؤامرة بما في ذلك في مجال المناخ ماتزال تسيطر على العقل السياسي التونسي؟
الحقوق الأساسيّة الحياتيّة (الماء مثلا) في مهبّ التحوّلات المناخيّة
لئن تعوّد المواطن التونسي وفي جلّ مدن البلاد عن الانقطاعات الدورية وغير المعلنة للماء الصالح للشرب ومنذ سنوات عدة، بل يمكن القول إنّ بعض المناطق من الحوض المنجمي والشمال الغربي وخاصة بالأرياف قد تخلّت عن الحنفيات المنزلية التي لم تعد بها مياه لفترات تدوم أكثر من شهر، فإنّ اشتداد العطش وتوسّع خارطته من شهر إلى شهر وليشمل كل الجهات تقريبا، لا يمكن أن يدلّ إلاّ على فشل ذريع للسياسات العمومية في مجال المياه وخاصة مياه الشرب.
إذ يتبيّن من خلال خارطة العطش التي يصدرها المرصد التونسي للمياه، وخاصة لشهري ماي وجوان 2026، أنّ عدد الانقطاعات المتعلقة بمياه الشرب قد بلغت خلال شهر ماي 266 انقطاعا، لتصل في شهر جوان إلى 347 انقطاعا. أي بزيادة 40 % خلال شهر واحد. وهو ما يعني أنّ السلطة لم تفعل أيّ شيء لتجاوز إشكاليات السنوات الفارطة في مجال انقطاع مياه الشرب خاصة في الصيف.
أمّا بالنسبة إلى الولايات التي شملتها أكثر الانقطاعات، فإنّ خارطة العطش ومن خلال قراءة للسنوات الخمس الفارطة، يتبين أنّ الولايات التي لم تكن أصلا لها انقطاعات أصبحت تتصدر الخمس الولايات الأكثر انقطاعا لمياه الشرب، نذكر على سبيل المثال ولايات صفاقس وسوسة والمنستير ونابل وبن عروس. هذه الولايات التحقت بولايات العطش الأبدية مثل قفصة والقصرين والقيروان وجندوبة وسليانة وقابس.
بل ما يزيد من الدهشة والقلق في نفس الوقت، هو أنه وتزامنا مع ارتفاع غير مسبوق للحرارة، تقرّر الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه SONEDE، الشروع في تطبيق نظام القطع الدوري لمياه الشرب على ولايات سوسة والمنستير والمهدية من منتصف الليل إلى الساعة 5 صباحا بداية من 5 جويلية 2026.
لكن يأتي كل هذا الوضع المأساوي لواقع مياه الشرب بالبلاد، في سنة ممطرة بامتياز، إذ بلغت نسبة امتلاء السدود أواخر شهر ماي 2026 حوالي 67 % وفق التصريحات الرسمية لوزارة الفلاحة. وهي نسبة امتلاء لم تشهدها سدودنا منذ 2019. وهو ما يعني أنّ مشكل مياه الشرب تحديدا والمياه بشكل عام في تونس ليس مشكل ندرة الموارد بل تحولت إلى أزمة هيكلية في التصرف في المرفق الحياتي الأساسي. أزمة هيكلية تأخذ أشكالها المتعددة في تهري البنى التحتية وغياب التخطيط الاستراتيجي لمجال الموارد المائية، إضافة إلى غياب كلي للسياسات العمومية القادرة على التكيف مع التحولات المناخية.
كل هذا في ظل نظام يرفع شعارات “الشعب يريد” و“الشعب قرّر ما يريد“. فالشعب لا يطلب إلّا مِيَاها صالحة للشرب وبشكل مستدام في حرارة تتجاوز 46 درجة مائوية.
هذا الشعب الذي واصل احتلال الشارع دفاعا عن حقه الكوني في الماء، ضرب موعدا جديدا خلال الأيام الفارطة وأمام حرارة مرتفعة لينتفض مطالبا بأبسط حقوق الكائنات الحية في مياه صالحة للشرب. فكانت التحركات الاحتجاجية في المتلوي والرديف والمكناسي وأرياف جندوبة وعدة مدن في سليانة وجربة وزغوان والوطن القبلي. إضافة إلى العديد من المناطق المنسية، والذي تناساها الإعلام أيضا في تحركاتها. إنّ هذا الكم الهائل من التحركات المتزامنة مع انقطاعات المياه وارتفاع درجات الحرارة، تؤكد أنّ القضية لم تعد مجرد حدث عرضي أو أعطاب عرضية في البنى التحتية. بل تعني بشكل واضح فشل السياسات العمومية الكامل في مجال مياه الشرب خاصة والموارد المائية بشكل عام.
هذه السياسات العمومية القديمة والمبنية على مجلة للمياه تجاوز عمرها 45 سنة منذ 31 مارس 1975، هذه المجلة الأحفورية التي أعلنت كل الحكومات المتعاقبة منذ 2012 إلى اليوم، عن تغييرها وإصدار مجلة جديدة. ووصلت هذه المجلة إلى نسختها التاسعة أو العاشرة ولم يتمّ إصدارها. والسؤال المحوري حول هذا الموضوع هو: من له مصلحة في تأجيل إصدار مجلة مياه جديدة؟ ومن في مصلحته إصدار مجلة تقنية عديمة الجدوى كالمشروع الذي تتداوله حكومات قيس سعيد منذ 2022.
كما تعكس الوضعية المائية المتردية وعلى كل المستويات، تراجعا كبيرا للاستثمار العمومي في مجال الماء، وخاصة مياه الشرب. مقابل تحويل شركة SONEDE من شركة خدماتية مهمتها إيصال مياه الشرب إلى المواطنات والمواطنين إلى شركة تجارية مهمتها تحقيق توازناتها المالية السنوية بقطع النظر عن القيام بواجباتها وفق قانون إحداثها سنة 1968. فأصبحت تبحث عن الزبائن الأكثر استهلاكا للماء وبأسعار مرتفعة مثل النزل والمصانع والشركات الخدماتية، وإهمالها للسكان خاصة في فترات ذروة الاستهلاك. لذلك نفهم لماذا لا ينقطع الماء عن النزل بالمناطق السياحية بالحمامات وسوسة والمنستير والمهدية. وينقطع دوريا ودون سابق إعلام عن سكان هذه المناطق. فتحوّلنا إلى مواطنين درجة عاشرة في بلادنا.
الكهرباء في مهبّ اللّزمات الأجنبيّة
عدد كبير من المواطنين يتساءل عن العلاقة بين انقطاع الكهرباء وانقطاع مياه الشرب. وبالنّظر إلى أنّ منظومة الحكم منظومة منغلقة على نفسها، ولا تؤمن بالشفافية والحوكمة في التعامل مع القضايا ذات البعد الحياتي والحقوق الكونية للمواطنين والمواطنات. فإنها لا تجد حرجا في بقاء هذه الأسئلة دون إجابات من طرف هياكل الدولة باعتبارها هي المسؤولة عن هذه الخدمات.
العديد من المناطق في البلاد تتزود بمياه الشرب من آبار بعيدة عن مواقع العمران أو من خلال مياه السدود التي تتطلب ضخا كبيرا بواسطة مضخات عملاقة. وهذه المضخات تشتغل بالكهرباء، وقليلا منها يشتغل بمحروقات أحفوريه كالفيول الثقيل او المازوت.
وبناء على ذلك فكلما انقطع التيار الكهربائي ينقطع بالضرورة ضخ المياه، وبالتالي ينقطع تزود المساكن بمياه الشرب. ونظرا إلى الظروف المالية المتدهورة لشركة SONEDE كباقي المؤسسات العمومية، فإنها لا تجهّز المضخات بمولّدات كهرباء لضمان استدامة ضخ مياه الشرب.
وأمام الارتفاع الكبير للحرارة خلال الفترة الأخيرة، وما يترتب عنها من ارتفاع كبير في استهلاك الكهرباء خاصة في فترة الذروة (من س 11 صباحا إلى 19 مساء)، فإنّ طاقة الاستهلاك الحقيقية تكون أكبر من طاقة الإنتاج المركزة. وفي هذه الحالة، تقوم شركة STEG بعمليات خفض الأعباء عن الشبكة لجعل الإنتاج يساوي الاستهلاك. فتقطع الكهرباء إراديّا عن العديد من المناطق وبشكل دوري لضمان عدم السقوط في العتمة الشاملة على المستوى الوطني.
ولقد شمل هذا الإجراء خلال الأيام القليلة الماضية جل ولايات البلاد، مما أثّر بشكل كبير على الدورة الاقتصادية والخدماتية من ناحية، وكان له التأثير المباشر على إطار العيش والصحة. إذ تأثرت العديد من الخدمات الصحية وخاصة الاستعجالية. كما تكبد العديد من التجار خسائر فادحة جرّاء فساد مواد مخزّنة في المبردات وخاصة المواد الغذائية. دون نسيان الأعطاب والاحتراق للعديد من التجهيزات الكهرومنزلية والتجهيزات الطبية المشتغلة بالكهرباء. فمن يعوّض كل هذه الخسائر؟ أم أنّ المسألة لدى من هم في السلطة مجرد قوة قاهرة.
إنّ السبب الحقيقي أمام انخرام التوازن بين الاستهلاك والإنتاج في الكهرباء هو غياب الإرادة السياسية لدعم شركة STEG في إنتاج الكمية اللازمة من الكهرباء باحتساب استهلاك الذروة. ووفق مصادرنا بالشركة التونسية للكهرباء والغاز، فإنّ إطارات الشركة قد أنجزوا كل الدراسات المتعلقة بالموضوع وبشكل استباقي وقد حددت الكمية الواجب تركيزها والتي تقدر بحوالي 380 ميغاوات، وهي الكمية الكافية لخلق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك في فترات الذروة. وتم طلب الحكومة السّماح للشركة بالبحث عن تمويل لإنجاز المشروع منذ سنة 2016.
ولكن وأمام التوجه الحكومي آنذاك (حكومة الشاهد) المرتبطة بالمصالح الأجنبية، والتي سعت لبيع ما تبقى من البلاد، رفضت طلب STEG بتعلة أنّ الحكومة قد أصدرت قانون الطاقات المتجددة وستعطي لزمات للشركات الأجنبية لإنتاج الكهرباء من شمسنا وأموالنا وأرضنا لتعيد بيعه لنا. وبعد 10 سنوات، قدّم السيد رئيس الجمهورية مبادرة تشريعية لخمس لزمات لشركات أجنبية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وبيعها للشركة الوطنية وفق شروط هذه الشركات. كل ذلك في إطار نظام حكم يرفع شعار السيادة الوطنية والتعويل على الذات. وأمام تأخّر إسناد اللزمات (أفريل 2026 بمصادقة برلمان قيس سعيد)، فإنّ وضع الكهرباء سيبقى على حاله، في انتظار دخول الشركات الأجنبية طور الاستغلال وبيع الكهرباء للشركة الوطنية. أي أننا نحن مالكي الشمس وأموال بنوكنا المحلية وأراضينا، ننتظر الكهرباء من شركات أجنبية سلّمناها كل ذلك ورهنا أنفسنا لها بسياساتنا الفاشلة والقائمة على شعارات بيع الوهم للشعب الذي لم يعد يعرف ماذا يريد.
وفي الختام نقول للشعب العطشان والغارق في الظلام ما قاله شاعر تونس محمد الصغير أولاد احمد: “إن كنت شعبا عظيما فصوّت لنفسك في اللحظة الحاسمة“.
صوت الشعب صوت الحقيقة
