بقلم منور السعيدي
تختلف الشعبوية عن الفاشية الكلاسيكية في كثير من أدواتها، لكنها تشترك معها في عدائها للعقل النقدي. وإذا كانت الفاشية التاريخية قد استعانت، في مراحل معينة، بمثقفين ومنظّرين وضعوا قدراتهم الفكرية في خدمة مشروعها، فإن الشعبوية الرثة تبدو أكثر فقرًا من الناحية الفكرية؛ فهي لا تنتج منظّرين بقدر ما تنتج مروّجين، ولا تحتاج إلى مفكرين بقدر حاجتها إلى أفواه عفنة تردد الشعارات وتحرّض على الخصوم، وإلى متراك بوليس لقمع الخصوم.
فالسلطة الشعبوية تنظر بعين الريبة إلى كل صاحب عقل مستقل، حتى وإن كان من أنصارها، لأن التفكير النقدي يظل قادرًا على مساءلة السلطة والانقلاب على يقينها الزائف. لذلك تميل إلى تفضيل الولاء على الكفاءة، والصراخ على الحجة، والتحريض على النقاش، وتفتح المجال أمام الأصوات الأكثر ابتذالًا وعدوانية، لأنها الأقدر على نشر الخوف والكراهية دون أن تطرح أسئلة محرجة.
وحين يصبح المشهد العام محتكرًا من قبل الأبواق التي لا تملك سوى التخوين والسب والتحريض، فإن ذلك لا يعكس انحدارًا أخلاقيًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن طبيعة السلطة التي تجد في هذا المستوى من الخطاب الوسيلة الأنسب لإدارة المجتمع وإعادة تشكيل وعيه. فليست المشكلة في الذباب، بل في المستنقع الذي يُنتجه ويتغذى منه ويتناسل فيه.
ليس أخطر ما في الفيديو الذي حرّض على اغتيال حمة الهمامي أنه صدر عن شخص أبله وتافه من الساقطين يبحث عن رضا السلطة، فمثل هذه الشخصيات ليست سوى أعراض لمرض أعمق. والخطأ هو اختزال المسألة في “الذباب الإلكتروني” أو في المرتزقة الذين يعيشون على التحريض، لأن التركيز على الذباب يترك الجيفة التي تتكاثر فوقها الحشرات.
وبالتالي، لا تُصنع الأفكار بمعزل عن الشروط المادية للصراع الاجتماعي. فالسلطة التي تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تحتاج إلى إعادة إنتاج هيمنتها، ليس بالقوة وحدها، وإنما أيضًا بإعادة تشكيل وعي الناس على رأي المفكر العظيم غرامشي. هنا يصبح الخطاب الشعبوي جهازًا أيديولوجيًا لإنتاج القبول الشعبي بالاستبداد، ولصرف أنظار الجماهير عن التناقض الرئيسي: التناقض بين مصالح الأغلبية الكادحة وسياسات السلطة التي تعمّق الفقر والتهميش والتعطيش والحقرة.
ولهذا لا يُقدَّم المعارض باعتباره منافسًا سياسيًا، بل يُعاد تعريفه باعتباره خائنًا. ولا يُنظر إلى الحقوقي باعتباره مدافعًا عن الحريات، بل باعتباره مرتزقًا. ولا يُعامل المهاجر باعتباره إنسانًا، بل باعتباره غازيًا ولا تعامل المرأة باعتبارها إنسانا بل باعتبارها جسدا. إنها ليست مجرد أوصاف، بل عملية منظمة لإعادة إنتاج الوعي الزائف، وبالتالي يصبح الضحية عدوًا، ويغدو القامع حاميًا للوطن.
هذه هي الوظيفة الحقيقية للشعبوية: قلب سُلّم القيم. فما كان بالأمس جريمة يصبح اليوم واجبًا وطنيًا، وما كان يُعد دفاعًا عن الحرية يصبح خيانة، وما كان يُعتبر تضامنًا إنسانيًا يصبح تآمرًا على الدولة.
لقد فهم ماركس أن الطبقة المهيمنة لا تكتفي بالسيطرة على وسائل الإنتاج، بل تسعى أيضًا إلى السيطرة على إنتاج الأفكار. ولذلك فإن الخطاب الشعبوي ليس مجرد دعاية سياسية، بل هو أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم استمرار علاقات الهيمنة. فالناس لا يُطلب منهم فقط طاعة السلطة، بل يُطلب منهم أن يحبوا طغيانها، وأن يشاركوا في تبرير عنفها، وأن يتحولوا إلى أدوات ضد من يفترض أنهم حلفاؤهم الطبيعيون.
وهنا تكمن خطورة التحريض على العنف ضد المعارضين. فهو ليس انحرافًا فرديًا، بل نتيجة منطقية لخطاب يقوم على التخوين ونزع الإنسانية عن الخصوم. فعندما يصبح المعارض “عدوًا للوطن“، يصبح الاعتداء عليه أو حتى الدعوة إلى اغتياله أمرًا يبدو للبعض دفاعًا مشروعًا عن البلاد.
إن الشعبوية لا تحرر الكراهية فقط، بل تعيد برمجة الضمير. فهي لا تلغي الأخلاق، وإنما تعيد ترتيبها بما يخدم السلطة. لذلك لا يشعر المحرّض بأنه يرتكب جرما بل يتوهم أنه يؤدي واجبًا وطنيًا.
وهنا ينبغي أن تتجه المعركة إلى مصدر إنتاج هذا الوعي، لا إلى أدواته وحدها. فمحاربة الذباب لا تجدي إذا بقيت الجيفة التي يتغذى عليها. والمعركة ليست مع أفراد معزولين، بل مع منظومة سياسية وأيديولوجية تستخدم الوطنية الجوفاء والخوف الأمني والتخوين لإخفاء التناقضات الاجتماعية الحقيقية، ولتفتيت الكتلة الشعبية التي يفترض أن تواجه سياسات الإفقار والتجويع.
فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية، احتاجت السلطة إلى عدو وهمي يشغل الناس عن عدوهم الحقيقي. لذلك تُستبدل لغة الصراع الطبقي بلغة المؤامرة، وتُستبدل المطالب الاجتماعية بشعارات “إنقاذ الوطن“، حتى يتحول الغضب الشعبي من الأعلى إلى الأسفل، ومن المسؤول عن الأزمة إلى ضحاياها.
لهذا، فإن مقاومة الخطاب الشعبوي ليست معركة أخلاقية فحسب، بل هي معركة سياسية وطبقية بامتياز. إنها معركة من أجل استعادة وعي الناس بمصالحهم الحقيقية، واستعادة القيم الإنسانية التي تجعل الحرية والعدالة والتضامن أساسًا للحياة المشتركة، لا الكراهية والتخوين والتحريض على القتل.
إن أخطر ما أنجزته الشعبوية ليس إسكات المعارضة، وإنما تحويل الكراهية إلى فضيلة، والعنف إلى واجب، والطاعة إلى وطنية. وحين تبلغ الهيمنة هذا المستوى، يصبح تحرير الوعي شرطًا أوليًا لتحرير المجتمع نفسه.
إن التحريض على اغتيال حمة الهمامي ليس حادثة معزولة، ولا مجرد انفلات لفظي من أحد أبواق السلطة، بل هو مؤشر على المستوى الذي بلغته عملية إعادة إنتاج الكراهية بوصفها سياسة. ولذلك فإن تحويل هذا الحدث إلى مجرد قضية جزائية أو سجال إعلامي سيكون تفويتًا للمعركة الحقيقية.
المطلوب اليوم هو الارتقاء بهذا الحدث إلى معركة وطنية ضد الشعبوية باعتبارها مشروعًا لتدمير المجال السياسي والأخلاقي، وإعادة بناء الوعي على أساس التخوين والعنصرية والتحريض على العنف. إنها معركة من أجل الدفاع عن الحق في الاختلاف، وعن السياسة بوصفها صراعًا مدنيًا بين مشاريع، لا حربًا أهلية بين أعداء يجري تجريدهم من إنسانيتهم.
لكن خوض هذه المعركة يقتضي أيضًا وضوحًا سياسيًا كاملاً. فالتصدي للشعبوية لا يعني الاصطفاف مع المشاريع الرجعية الأخرى، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة. فاليسار الديمقراطي لا يدافع عن الحريات ليعود إلى منظومات الاستبداد القديمة، ولا يناهض الشعبوية ليستبدلها بأشكال أخرى من التسلط أو التوظيف السياسي للدين أو المال أو النفوذ. لذلك فإن المعركة ضد الشعبوية يجب أن تبقى معركة مستقلة، تنطلق من مصالح الطبقات الشعبية ومن مشروع ديمقراطي واجتماعي تحرري، دون خلط للأوراق أو تبييض لأي مشروع رجعي، مهما كان موقعه.
فالشعبوية ليست قدرًا، بل مرحلة تاريخية قابلة للهزيمة. وهزيمتها لا تكون بتعقب الذباب، وإنما بردم المستنقع الذي يُنتجه، وببناء بديل سياسي وثقافي يعيد الاعتبار للعقل، وللحرية، وللعدالة الاجتماعية، وللكرامة الإنسانية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
