بقلم شيراز بن حسين
لم يعد يخفى على الجميع تردّي وضع حرية الصحافة والإعلام في ظلّ الانقلاب، فغالبية المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة قد انحرفت عن دورها الذي كانت عبره وعلى الأقل تقوم بالنقد ونقل المعلومة وتواكب الأحداث وتنقل صوت المعارضة والناقدين للمنظومة الحاكمة في إطار احترام الرأي والرأي الآخر، لكن ومنذ أن أعلن قيس سعيد عن انقلابه منذ خمس سنوات تحوّل مكسب حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام إلى جرم صنّفته الفاشية إلى تآمر على بلادنا وسلّطت على رقاب الجميع من بناته وأبنائه سيف المرسوم 54 سيّئ الذكر ومجلة الاتصالات وقانون الإرهاب وصولا إلى السجن والتنكيل بالعائلات.
فرغم الهزّات التي مرّت على تاريخ حرية الصحافة والتعبير منذ الديكتاتورية زمن بن علي، فقد كانت الثورة موعدا تاريخيا للمراجعات والتقييم والتعهّد من غالبية الصحافيين والصحافيات على ضرورة احترام المهنة والدفاع بشراسة عن الاستقلالية ورفض الضغوط والهرسلة احتراما لنضالات الشعب التونسي ودماء شهدائه، وكانت الثورة محطّة هامة لإيجاد آليات جديدة تحمي السلطة الرابعة وبناتها وأبنائها حيث تمّ إرساء المرسومين 115 و116 ثم إحداث الهيئة العليا المستقلة للاتّصال السمعي والبصري (الهايكا)، ودعم الإعلام الجمعياتي، وكلّ هاته الإجراءات هدفها عدم العودة إلى مربّع تكميم الأفواه والترهيب وغيرها من الأساليب التي توظفها الأنظمة القمعية والفاشية التي لا ترغب إلاّ في سماع صوتها والمطبّلين لها دون غيرهم.
سيف السجن والمرسوم 54 سيّء الذكر
لكن ومنذ الانقلاب، تحوّل مربّع الحرية إلى عدوّ لدود للمنظومة الحاكمة، وسرعان ما تحرّكت عبر مراسيم قمعية وزجرية وسالبة للحرية أبرزها المرسوم 54 سيّء الذكر ووظّفته في ملاحقة الصحافيين والإعلاميين، حيث تحوّلت التتبعات القضائية إلى ممارسة شبه يومية بحقّهم سواء بسبب ممارستهم لمهنتهم أي عند القيام بعمل صحفي أو بمجرّد نشر تدوينة على الحساب الخاص. ولم يقتصر هذا التحوّل من جانب المنظومة الحاكمة في الملاحقة بل سرعان ما سجنت صحافيين وإعلاميين (الصحافية شذى الحاج مبارك التي أفرج عنها بعد إيقافها لمدة ثلاث سنوات، والصحفي محمد بوغلاب بعد سنة من إيقافه، والإعلامية سنية الدهماني بعد قرابة سنة ونصف من سجنها بسبب تعليق إعلامي، الصحافيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني الموقوفين إلى الآن) والزجّ بمدير مؤسّسة إعلامية في قضية التأمر على أمن الدولة (مدير إذاعة موزاييك الخاصة)، ومؤخّرا أصدرت حكما يقضي بسجن الإعلامي هيثم المكي لمدة سنة بسبب تدوينات على موقع تواصل اجتماعي! إضافة إلى ذلك صدور أحكام سجنية غيابية بحقّ الإعلاميين حمزة بلومي وإنصاف بوغديري لمدة سنة وذلك إثر قضية رفعها ضدّهما المنصف المرزوقي بعد مغادرته قصر قرطاج وحكم قضائي ضدّ الصحافية خولة بوكريم ومديرة موقع “تونس ميديا” بالسجن لمدة سنتين وأخيرا وليس آخرا حكم قضائيا ضدّ عضو “الهايكا” هشام السنوسي إثر قضية ضدّه بتهمة نشر معطيات للعموم تتعلق بتركيبة قناة نسمة الخاصة وهويات مالكيها.
تسميات فوقية وتدجين المؤسّسات الإعلامية
إنّ القيود المفروضة اليوم على جميع وسائل الإعلام كانت من أسبابها أيضا التسميات الفوقية على رأس المؤسسات الإعلامية العمومية (مؤسستي التلفزة التونسية والإذاعة التونسية ووكالة تونس إفريقيا للأنباء) وطبعا لقد كان نصيب هاته التسميات من المقرّبين ومن قدّم فروض الطاعة والولاء، فبفضلهم تخلّت هاته المؤسسات الإعلامية عن برامجها السياسية وتحوّلت إلى بوق دعاية لسلطة الانقلاب دون غيرها وتصويب سهام السب والتحريض ضدّ المعارضة ومن ينقد السلطة ورأسها وتخلّت بالتالي عن دورها كإعلام عمومي، متحولة بذلك إلى إعلام حكومي يمارس البروبغندا السيّئة دون أي حرج، كما فرضت الرقابة الذاتية والصنصرة ومراقبة الخطّ التحريري. ولم تكن لهذه الخطوة، أي فرض التسميات من قصر قرطاج، أن تكون إلاّ بعد تجميد الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري في خطوة أولى ثم حلّها، حيث كان للهيئة دور هام في التسميات بصفتها الهيئة التعديلية على رأس المؤسّسات الإعلامية العمومية.
أمّا بخصوص الإعلام الخاص فقد مارست سلطة الانقلاب شتّى أنواع الترهيب والتخويف، بدءا بإدراج صاحب ومدير إذاعة موزاييك الخاصة في قضية التآمر على أمن الدولة ثمّ هرسلة مقدّمي البرامج السياسية والمعلّقين الساخرين (هيثم المكي نموذجا) في أغلب الإذاعات الخاصة التي كانت تحظى بنسب استماع هامة، ورويدا رويدا تمّ إبعادهم وفسح المجال للمعلقين الموالين الذيم لم يتوانوا في الدفاع علنا ودون خجل عن هاته المنظومة القمعية وتوجيه سهامهم إلى المعارضة وسنوات “العشرية السوداء” وطبعا دون أن يخجلوا من أنفسهم وما قدّموه خلال تلك السنوات.
صحافيون بين الترهيب والتفقير والتجويع!
لا يمكن الحديث عن حرية التعبير والصحافة عندما لا تحفظ أدنى حقوق الصحافيين الاقتصادية والاجتماعية، فاليوم لم يعد يخفى عن الجميع الواقع المزري الذي يعيشه غالبية الصحافيين خاصة منهم العاملون في المؤسسات الخاصة أو المستقلين، وعوض أن تقوم الدولة بالحفاظ على ديمومة المؤسسات الإعلامية وحفظ كرامة بنات وأبناء السلطة الرابعة، اكتفت بالمراقبة وهرسلة أصحاب عدد من المؤسسات الإعلامية الذين تلاحقهم منذ سنوات أحكام سجنية على غرار سامي الفهري صاحب القناة التلفزية الخاصة “الحوار التونسي“، لتتحوّل هاته المؤسسات إلى سوق عبر الشاشة لبيع تجهيزات المطبخ! وطبعا تخلّت عن صحافييها الذين لم تعد قادرة على دفع أجورهم المحتشمة طبعا وفسحت المجال لشركات الإنتاج وكرونيكرات لا يمثّلون الصحافة والسلطة الرابعة طبعا لإنتاج برامج ترفيهية وتتنافس فيما بينها وبين شركات الإشهار لبثّ أسوأ برامج في تاريخ الإعلام التونسي.
وقد أصبح الوضع الاقتصادي والاجتماعي لجزء كبير من الصحافيين سيّئا بل مخيفا أكثر من السنوات الفارطة في ظلّ غياب أيّ حلول جذرية وجدّية تحميهم وتعطيهم المجال للقيام بدورهم كسلطة رابعة دون خوف أو تردّد من خسارة عملهم بسبب مواقفهم وآراءهم أو صفتهم.
وأمام كلّ هذا تحوّل المناخ العام للحريات خاصة منها حرية التعبير والصحافة سجنا كبيرا في ظلّ الشعبوية الزاحفة، وهو ما يتطلّب اليوم التماسك ومزيدا من النضالات، فرغم مقاومة عدد من المؤسسات خاصة منها ما يطلق عليها بالإعلام البديل فهناك صحافيون ورغم تجميدهم في مؤسساتهم أو استبعادهم من المشهد إلاّ أنهم يقاومون اليوم رداءة المشهد، وإضافة إلى ذلك ينبغي على الهياكل النقابية القطاعية أن تلعب دورها بأكثر شجاعة وقوّة انتصارا للمهنة وتاريخها وللمكسب الوحيد الذي حقّقته الثورة تقريبا بفضل دماء التونسيين ونضالاته وهو حرية التعبير.
صوت الشعب صوت الحقيقة
