الرئيسية / صوت الوطن / خمس سنوات من حكم سعيّد الجزء الأول: فشل على طول الخط
خمس سنوات من حكم سعيّد الجزء الأول: فشل على طول الخط

خمس سنوات من حكم سعيّد الجزء الأول: فشل على طول الخط

بقلم : حمه الهمامي

مرّت خمس سنوات بالكامل على انقلاب 25 جويلية 2021. وقد برّر قيس سعيد هذا الانقلاب بتردّي الأوضاع العامة في البلاد وفساد الحكم بمختلف مؤسساته والتفافه على مطالب الشعب وطموحاته، وهذا التقييم هو تقييم القوى الثوريّة والتقدميّة قبل أن يكون تقييمه خاصة أنّه كان طرفا مباشرا في الحكم وفي تعفين الوضع. وقد وعد بـتصحيح المساروإعادة الحكم إلى صاحبه الشرعيوتحقيق ما طالب به في ثورته، الشغل والحرية والكرامة“. واليوم وقد مرّت هذه السنوات الخمس على تاريخ الانقلاب بات من السهل مقارعة الواقع بمختلف الشعارات والوعود التي أطلقها سعيّد. وليس من الصعب الخروج باستنتاج واضح، لا لُبس فيه، وهو أنّ الشعارات ظلّت في واد والواقع في واد آخر. إنّ كل المؤشّرات والوقائع تؤكّد ألّا شيء تحسّن عمّا كان عليه الوضع قبل الانقلاب وأن بلادنا أًعيدت إلى مربّع الدكتاتورية وهي تسير نحو انهيار محتوم.

فكما جاء في بيان حزب العمال، فبلادنا تعرف أزمة اقتصاديّة حادّة وشاملة من أبرز مظاهرها تراجع نسبة النمو (2.5 % سنة 2025 مقابل 3.1 % سنة 2021) وتفاقم المديونيّة العمومية (84.5 % من الناتج المحلي الخام سنة 2025 مقابل 68 % سنة 2019) وعجز كلّ موازين الدولة وخاصة منها الميزان التجاري (21.8 مليار دينار سنة 2025 مقابل 16.210 مليار دينار سنة 2020) والميزان الطّاقي والغذائيّ، إلى جانب تراجع الدينار التونسيّ المستمرّ في وجه العملات الأجنبيّة الرئيسيّة، وتعطّل كلّ محرّكات التنمية وتفكّك منظومات الإنتاج وانكشاف الطابع الغوغائي للشركات الأهلية المزعومة الأمر الذي زاد الأزمة الاجتماعيّة حدّة. فظلّت معدّلات البطالة مرتفعة خاصة في صفوف أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل (22.5 % في نهاية 2025) والفقر والبؤس جرّاء ارتفاع نسب التضخّم (ما بين 15 % و20 % بالنسبة إلى المواد الغذائية) والارتفاع الجنوني للأسعار وتجميد الأجور واتّساع رقعة الهشاشة والتهميش، ووجدت كلّ الأمراض الاجتماعيّة والأخلاقيّة وفي مقدمتها الجريمة في هذا الوضع البيئة المناسبة للانتعاش والانتشار. وممّا عمّق مظاهر الأزمة تردّي الخدمات العامّة من صحة وتعليم ونقل وتدهور الوضع البيئي وفقدان الكثير من موادّ الاستهلاك الأساسيّة والأدوية وتواتر عمليّات قطع الكهرباء والماء وما تولّد عنه في هذه الأيّام من حالات موت عديدة. وقد ساعد كل ذلك على تغذية مظاهر النقمة والغضب في صفوف الطبقات والفئات الشعبية التي يترجمها تصاعد وتيرة الاحتجاجات من سنة إلى أخرى.

وقد قابل نظام الانقلاب الشعبويّ الفاشستي، هذه الأوضاع بتصعيد حملات القمع والتشفي والمحاكمات بعد أن وضع يده على القضاء وحوّله إلى أداة وظيفية في خدمته وهو ما أدّى إلى اعتقال عدد كبير من السياسيين والإعلاميين والمحامين، وشدّد الخناق على نشاط الأحزاب والجمعيات والمنظمات ووجه سهامه إلى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أُقصِي من المفاوضات الاجتماعية وحُرِم من الاقتطاع المباشر ومن التفرغ النقابي، ناهيك أن تونس أصبحت مصنفة ضمن الـ10 دول في العالم الأكثر انتهاكا للحرية النقابية. ولم يسلم المحامون، مثلهم مثل الفئات الأخرى النشيطة، من التضييقات وحملات الشيطنة والتشويه التي برع فيها قيس سعيّد وأتباعه في مسعى محموم لزرع الفتنة والفرقة بين التونسيّين. وفي نفس الوقت حوصر الإعلام العمومي والخاص على حدّ سواء وأخضِعت الشبكة الاجتماعية للمراقبة، ناهيك أن تونس خسرت 64 نقطة في الترتيب العالمي منذ الانقلاب في مجال حرية الإعلام وأدينت في أكثر من مناسبات من منظمات وهيئات إقليمية ودوليّة. وفي كلمة حُوّل الفضاء العام إلى سجن ضخم فرض عليه صمت المقابر سواء عبر المرسوم 54 سيئ الذكر أو مجلة الاتصالات أو قانون الإرهاب الخ… وفي سابقة خطيرة لم يتردد قيس سعيّد في تغذية النزعة العنصرية ضد المهاجرين جنوب صحراويين عبر الإيهام بأنّهم يتآمرونعلى بلادنا لتغيير تركيبتها الديمغرافية وطمس هويتها العربية والإسلامية وهو أسلوب معتاد لحرف الأنظار عن المسؤول الحقيقيّ عن تدهور الأوضاع في بلادنا… وفي مستوى آخر لم يمسّ قيس سعيد أيّا من الاتفاقيات غير المتكافئة مع الدول الاستعمارية بل أضاف إليها أخرى جديدة مع الاتحاد الأوروبي بما يحوّل تونس إلى حارس حدود لجنوب أوروبا وأخرى مع الجزائر لم يكشف عن محتواها ولكن عديد وسائل الإعلام روجت أنّها تسمح للجيش الجزائري بالدخول إلى تونس دون أن يصدر تكذيبا لذلك. أما القضية الفلسطينية فقد انكشف رياء قيس سعيّد حين منع في أواخر نوفمبر 2023 تمرير قانون يجرّم التطبيع.

وفي الخلاصة فقد صفّى قيس سعيّد كل مكتسبات ثورة 2010-2011 الديمقراطية، على محدوديّتها، وركّز من جديد دكتاتوريّة غاشمة بدعم من الأجهزة الصلبةومن غلاة الرجعية في المنطقة وبعض العواصم الامبريالية الغربية للحفاظ على مصالح الأقليات الثرية في الداخل والخارج وهو ما أوصل البلاد إلى الأزمة الحادة التي تعيشها اليوم. إن القناعة الحاصلة اليوم لدى غالبية القوى السياسية والمدنيّة وحتى لدى فئات متزايدة من الشعب التونسي أن نظام قيس سعيّد أصبحت أيامه معدودةلعجزه عن حلّ أي من المشاكل المتفاقمة التي تعصف بالبلاد. وفي هذا السياق، اشتدّت المزايدات وكثرت الإشاعات وتعدّدت السيناريوهات حول طريقة خروج سعيد من الحكم وتنوعت البدائلالمقدمة لـسدّ الشغورفي حالة رحيله فعلا لهذا السبب أو ذاك. ولكن ما لا يجاب عنه بوضوح ودقّة هو السؤال المتعلّق بالطريقة التي ستعتمد لـترحيلسعيّد أوّلا والبديلالذي سيعوّض منظومته ثانيا. فمن يتابع ما يدور من حديث ومن جدل لا يمكنه إلّا أن يلاحظ وجود دعوات متكرّرة للمؤسسة العسكرية كي تتحمّل مسؤوليتها الوطنيةكما يلاحظ وجود خطاب موجّه إلى الدول الغربية المؤثرة اقتصاديا وماليا وسياسيا وأمنيا في تونس كي تقوم بدور إيجابيللتسريع بنهاية حكم الدكتاتورالخ

وما من شكّ في أن حزب العمال الذي وقف منذ اليوم الأول ضد الانقلاب يعتبر، كما جاء في بيانه، أنّ البلاد في حاجة مُلحّة فعلا إلى التحرّر من كابوس هذا النظام الشعبوي، الفاشستي، المعادي لأبسط مطالب الشعب التونسي. كما يعتبر أنّ هذا النظام آيل للسقوط والمسألة مسألة وقت فحسب. ولكن حزب العماّل مثلما أنّه يعتبر أن الإنقاذ لن يتمّ لا عبر نظام قيس سعيد ولا من خلال التعاون معه وإنما بالنضال ضده وعلى أنقاضه، فإنه يعتبر في نفس الوقت أن هذا الإنقاذ لا يمكن أن يتمّ عبر انقلاب جديد تحت أي عنوان كان ولا عبر التدخّل الأجنبي بعنوان المساعدة على العودة إلى الديمقراطيّة، كما لا يمكن أن يكون الهدف من أي تغيير الرجوع بالبلاد سواء إلى المنظومة التي ثار عليها الشعب التونسي، بعناوين جديدة أو إلى المنظومات التي حكمت بعد الثورة وتنكّرت لأهدافها وعبّدت الطريق لانقلاب قيس سعيّد الشعبويّ الفاشستي. إنّ العودة إلى تلك المنظومات الفاشلة بسياساتها وخياراتها ستعيد إنتاج نفس المشاكل والأزمات التي تعاني منها بلادنا وشعبنا اليوم. إن التغيير الحقيقي لن يكون إلّا من صنع الشعب بمختلف طبقاته وفئاته. وهذا الشعب حتّى يستفيد من نقائص ثورة 2010-2011 عليه أن يكون هذه المرّة منظّما ومسلّحا ببرنامج واضح وملموس ومنقادا بخطّة واقعيّة لإدارة الفترة الانتقالية وتثبيت أسس النظام الجديد الذي يريد بناءه والذي سيمثّل الإطار السياسي الذي يمكّنه من تحقيق سيادته على الدولة وعلى ثروات البلاد ليبني مصيره بنفسه ولنفسه.

وما من شكّ في أنّ حركة النضال الاجتماعي والشعبي شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعا هامّا وظلّت منحصرة في مربّعات ضيقة لكن لا يمكن نكران أنّ هذه الحركة بصدد النهوض من جديد وأنها ماضية باتجاه التطوّر والانتشار وهو ما تشهد عليه تحركات اليوم التي يخوضها المعطلون عن العمل أو سكّان قابس وبعض المناطق الأخرى المتضررة بيئيا أو الأهالي في العديد من المناطق احتجاجا على انقطاع الماء والكهرباء أو عائلات المعتقلين السياسيّين الخ… وعلى القوى التي تناضل من أجل تغيير حقيقي أن تنصهر في هذا النهوض وتكون عنصرا فاعلا فيه وتتابع بشكل ملموس تطوّر المزاج الشعبي العام حتى لا تفاجئها الأحداث بل حتّى تكون حاضرة وجاهزة في اللحظات الحاسمة حتى لا تترك الفرصة للمنظومة الشعبوية الفاشية كي تنقض على الحركة عن طريق القمع أو تحتويها عبر مناورات فوقية، سواء قامت بها بمفردها أو بتفاهمات مع قوى اليمين أو مع بعضها، كما حصل أكثر من مرة في تاريخ تونس الحديث.

الجزء الثاني في العدد القادم: ما هو تصورنا للتغيير؟

إلى الأعلى
×