تأليف فاتن برازي / عرض وتعليق منور السعيدي
اخترنا أن نقدم لقراء “صوت الشعب” في جزأين متتاليين عرضا لدراسة نشرتها الكاتبة الفلسطينية فاتن برازي(1) يوم 30 جوان الماضي على موقع “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” تحت عنوان “دور شركات التكنولوجيا الكبرى والحوسبة السّحابية في زمن الحُروب الحديثة“. وهي تتعلّق، كما ينصّ على ذلك العنوان، بالدّور الخطير الذي باتت تَلْعبه شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت Microsoft وغوغل Google وأمازون Amazon في الحروب الحديثة بالنظر، كما جاء في مستهل الدراسة لما “أصبحت الحوسبة السحابية خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من البنية الرقمية التي تعتمد عليها الحروب الحديثة بغية جمع المعلومات وتحليلها، وتنسيق العمليات، وتسريع اتخاذ القرار، ولا سيما في الحرب على غزة ولبنان وإيران وبصورة أقل في الحرب الروسية على أوكرانيا“.
وقد تناولت الكاتبة موضوع الدراسة في محورين اثنين تحت عنوان “من السحابة الحكومية إلى الجدل حول الاستخدام العسكري” و“ Project Nimbus بين تحديث الخدمات العامة والاعتراضات الحقوقية” لتختم بالقول “في النهاية، فإن هذه الأمثلة تكشف أن الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد أدوات تقنية مساعدة، بل أصبحا جزءاً من البنية التي تُدار عبرها المعلومات والعمليات في الحروب الحديثة. وهذا ما يجعل النقاش بشأن الشفافية، وشروط العقود، وحدود الحياد التقني، جزءاً أساسياً من النقاش الأوسع عن التكنولوجيا والحرب“.
تقديم الموضوع
لقد شهدت الحروب المعاصرة تحولًا نوعيًا لا يقتصر على تطور أدوات القتال، بل يعكس تحولًا أعمق في طبيعة قوى الإنتاج التي يقوم عليها النظام الرأسمالي العالمي. فلم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من دبابات وطائرات وصواريخ، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والخوارزميات، والبنية التحتية الرقمية التي تطورها وتديرها شركات التكنولوجيا الكبرى. ومن ثمة، فإن فهم هذا التحول لا يتحقق من خلال النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أدوات محايدة، وإنما من خلال تحليلها في إطار العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجتها، وهو ما يوفره المنهج المادي الجدلي الذي يربط تطور وسائل الإنتاج بطبيعة السلطة السياسية والعسكرية التي تستخدمها.
لقد أكد كارل ماركس في مقدمة كتابه «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» أن «نمط إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الطابع العام للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية». وتكتسب هذه المقولة اليوم أهمية استثنائية، لأن نمط الإنتاج الرأسمالي لم يعد يعتمد أساسًا على المصنع والآلة الثقيلة كما كان في القرن التاسع عشر، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الاقتصاد الرقمي، حيث تحولت البيانات إلى مادة خام جديدة، وأصبحت الخوادم السحابية والمنصات الرقمية والخوارزميات تمثل وسائل إنتاج لا تقل أهمية عن المصانع والموانئ وشبكات النقل في المراحل السابقة من تطور الرأسمالية. ولذلك فإن الحرب الحديثة ليست منفصلة عن هذا التحول، بل تمثل أحد تجلياته الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الذي أثير حول الدور الذي تؤديه شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون في توفير البنية الرقمية التي تستند إليها المؤسسات العسكرية لا ينبغي فهمه باعتباره نقاشًا تقنيًا بحتًا، وإنما بوصفه تعبيرًا عن العلاقة العضوية التي نشأت بين رأس المال الرقمي والدولة الحديثة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يصنع السلاح وحده، بل بمن يمتلك البنية المعلوماتية التي تسمح بجمع البيانات، وتحليلها، وربطها، وإيصالها إلى مراكز القرار العسكري في الزمن المطلوب. وبهذا المعنى انتقل مركز الثقل من إنتاج السلاح المادي إلى إنتاج القدرة على إدارة المعرفة والبيانات، وهي قدرة أصبحت عنصرًا حاسمًا في ممارسة القوة العسكرية. الميمنة والإبادة الجماعية.
ومن خلال التحليل المادي الجدلي، لا يمكن اعتبار التكنولوجيا كيانًا مستقلًا عن المجتمع، لأن قيمتها ووظيفتها تحددهما العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتستخدمها. فالذكاء الاصطناعي، مثلًا، قادر على الإسهام في تطوير الطب والتعليم والبحث العلمي، لكنه قادر أيضًا على خدمة تطبيقات أمنية وعسكرية متقدمة. وهذا التناقض ليس نابعًا من التكنولوجيا ذاتها، بل من طبيعة النظام السياسي الذي يحدد اتجاه استخدامها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الخوارزميات جيدة أو سيئة، وإنما بمن يملكها، ولأي غاية تُستخدم، ومن يجني الفوائد الاقتصادية والسياسية المترتبة على استخدامها.
لقد أدّى التطور المتسارع في الحوسبة السحابية إلى انتقال إدارة العمليات العسكرية من مراكز قيادة تقليدية تعتمد على وسائل اتصال محدودة إلى بيئات رقمية مترابطة تستقبل بصورة متواصلة كميات هائلة من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات المختلفة، ثم تعالجها خلال ثوانٍ بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. وتتيح هذه البنية إمكانات واسعة لتحليل المعلومات وربطها واستخلاص الأنماط منها وإيصال النتائج إلى متخذي القرار بسرعة غير مسبوقة، وهو ما يمنح المؤسسات العسكرية قدرة أكبر على التخطيط والتنفيذ والاستجابة الفورية. غير أن هذه القدرات نفسها تطرح أسئلة كبرى علينا الاهتمام بها عندما تصبح جزءًا من عمليات عسكرية تسفر عن كوارث وإبادة بشرية واسعة في صفوف المدنيين.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الطبيعة الجديدة للرأسمالية الرقمية، حيث أصبحت الشركات الخاصة تمتلك أجزاءً أساسية من البنية التحتية التي تعتمد عليها الدول. فبينما كانت الدولة في المراحل السابقة تعتمد بصورة رئيسية على منشآتها ومؤسساتها الخاصة، أصبحت اليوم تعتمد بدرجات متفاوتة على شركات تجارية عالمية توفر خدمات التخزين السحابي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وهنا تتجلى إحدى التناقضات الأساسية للرأسمالية المعاصرة، إذ لم تعد الحدود بين القطاعين العام والخاص واضحة كما كانت في السابق، بل أصبحت الدولة تعتمد على رأس المال الخاص في إدارة وظائف تمس الأمن القومي والقدرة العسكرية.
وقد عبر ماركس وإنجلز عن العلاقة البنيوية بين الدولة والطبقة المسيطرة بقولهما في «البيان الشيوعي»: «ليست السلطة التنفيذية للدولة الحديثة سوى لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية بأسرها». ورغم أن هذا النص كُتب في القرن التاسع عشر، فإن كثيرًا من الباحثين والسياسيين يرون أنه يظل إطارًا تحليليًا مفيدًا لفهم التشابك المتزايد بين الدولة وشركات التكنولوجيا العملاقة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بصورة تجعل الفصل بين ما هو تجاري وما هو سياسي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق تحتل شركة مايكروسوفت موقعًا محوريًا في النقاش الدائر حول العلاقة بين الرأسمال الرقمي والمؤسسات العسكرية، ليس لأنها تصنع أسلحة بالمعنى التقليدي، وإنما لأنها تطور واحدة من أهم البنى التحتية الرقمية في العالم من خلال منصة “أزور” Azure، التي توفر خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات وتشغيل التطبيقات وتحليل المعلومات وأدوات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. ومن منطلق مادي جدلي، فإن هذه المنصة لا تمثل مجرد خدمة تقنية، بل وسيلة إنتاج جديدة تتيح إدارة المعرفة والبيانات على نطاق واسع، وهو ما يجعلها جزءًا من البنية المادية التي تقوم عليها السلطة في العصر الرقمي. وكما كتب ماركس في «رأس المال»: «وسائل العمل ليست مقياسًا لتطور قوة العمل الإنسانية فحسب، بل هي أيضًا مؤشر على العلاقات الاجتماعية التي يُنجز العمل في إطارها.» وإذا كانت الآلة الصناعية قد مثلت وسيلة العمل الأساسية في الرأسمالية الصناعية، فإن الخادم السحابي والخوارزمية أصبحا اليوم يؤديان وظيفة مماثلة في الرأسمالية الرقمية، مع فارق أن السيطرة لم تعد تقتصر على إنتاج السلع، وإنما امتدت إلى إنتاج المعرفة وتنظيم تدفق المعلومات.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير مايكروسوفت نسخًا من خدماتها تستجيب للمتطلبات الأمنية للجهات الحكومية والعسكرية يعكس تطورًا في قوى الإنتاج أكثر مما يعكس مجرد توسع تجاري. فالرأسمالية، بحسب التحليل الماركسي، لا تتوقف عن تطوير وسائل الإنتاج بهدف زيادة الكفاءة وتعظيم التراكم، ومع كل مرحلة جديدة يعاد تشكيل العلاقة بين رأس المال والدولة. ولذلك فإن الخدمات السحابية لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت بنية تحتية استراتيجية تعتمد عليها المؤسسات الحكومية والعسكرية في أداء وظائفها المختلفة.
وفي هذا الإطار برزت التحقيقات الصحفية التي تناولت استخدام خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية خلال الحرب على غزة ولبنان، وإيران ومن بينها تحقيق نشرته وكالة “أسوشيتد برس” في فيفري 2025، استند إلى وثائق داخلية ومقابلات مع موظفين حاليين وسابقين في شركات التكنولوجيا وأفراد من الجيش الإسرائيلي، وأشار إلى اعتماد متزايد على خدمات توفرها مايكروسوفت وOpenAI في تحليل البيانات وتسريع العمليات العسكرية. ولا يعني ما ورد في تلك التحقيقات أن الشركات نفسها تتخذ قرارات الاستهداف أو تحدد الأهداف العسكرية، وإنما يشير إلى دورها في توفير البنية الرقمية التي تتيح تشغيل منظومات تعتمد عليها المؤسسات العسكرية. وبالتحليل مادي جدلي، فإن هذه الوقائع تبرز كيف أصبحت وسائل الإنتاج الرقمية جزءًا من عملية إنتاج القوة العسكرية، حتى وإن لم تكن هي التي تمارس القوة بصورة مباشرة.
وفي ماي 2025 أقرت مايكروسوفت بأنها قدمت خدمات متقدمة في مجال الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما في ذلك منصة “أزور“، إلى الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، وأوضحت أن هذه الخدمات استُخدمت للمساعدة في تحديد مواقع الرهائن الإسرائيليين، كما أكدت أنها لم تجد دليلًا على استخدام تقنياتها لإلحاق الأذى بالمدنيين في غزة. غير أن هذا التصريح لم ينهِ الجدل، إذ رأى منتقدون أن الحاجة ما تزال قائمة إلى مزيد من الشفافية وإلى تحقيقات مستقلة حول كيفية استخدام هذه الخدمات وحدود الرقابة التي تستطيع الشركات ممارستها على الاستخدام النهائي لتقنياتها.
وتصاعد هذا النقاش بعد تحقيق نشرته صحيفة “ذي غارديان” بالتعاون مع مجلة “+972” وموقع “لوكال كول“، وتناول استخدام وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 لمنصة “أزور” في تخزين كميات كبيرة من تسجيلات الاتصالات ضمن منظومة مراقبة واسعة النطاق. ووفقًا لما أورده التحقيق، فإن هذه البيانات يمكن أن تدخل ضمن عمليات تحليل معلومات تدعم أنشطة أمنية أو عسكرية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول الحدود الفاصلة بين تقديم خدمة سحابية عامة وبين تحولها إلى عنصر داخل البنية التشغيلية لمؤسسات الدولة الأمنية. وهنا يظهر أحد التناقضات التي يركز عليها المنهج الجدلي؛ فالتكنولوجيا التي صُممت لتسهيل إدارة البيانات في مختلف القطاعات المدنية قد تصبح، بحسب طبيعة استخدامها، جزءًا من منظومات أمنية أو عسكرية، وهو ما يجعل تقييمها مرتبطًا بالسياق السياسي لا بطبيعتها التقنية المجردة.
وأمام تصاعد الضغوط الإعلامية والحقوقية والسياسية المناهضة للحرب أعلنت مايكروسوفت إجراء مراجعة داخلية لهذه الادعاءات، كما أشارت تقارير لاحقة إلى تعليق بعض الخدمات المقدمة لإحدى الوحدات التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية بعد مراجعة مرتبطة بطريقة استخدام تقنياتها، مع استمرار عقود وخدمات أخرى. وقد اعتبر بعض المنتقدين هذه الخطوة محدودة، بينما رأت الشركة أنها تعكس التزامها بمراجعة الاستخدامات التي قد تثير مخاوف تتعلق بالامتثال لسياساتها. ويكشف هذا السجال أن المسؤولية لم تعد تقتصر على الدولة التي تستخدم التكنولوجيا، بل امتدت أيضًا إلى الشركات التي تمتلك القدرة التقنية على إدارة البنية الرقمية أو تعديل شروط الوصول إليها.
ولم يظل الجدل محصورًا خارج الشركة، بل امتد إلى داخلها، حيث شهدت مقرات مايكروسوفت احتجاجات نظمها موظفون اعترضوا على استمرار تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية للجيش الإسرائيلي. وأدت بعض هذه الاحتجاجات إلى فصل عدد من الموظفين أو اتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم بسبب مخالفة سياسات الشركة. ومن منظور مادي جدلي، تعكس هذه الوقائع تناقضًا داخليًا داخل المؤسسة الرأسمالية نفسها؛ فبين من ينظر إلى الشركة باعتبارها فاعلًا اقتصاديًا يلتزم بعقوده التجارية، ومن يرى أنها تتحمل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تتجاوز الاعتبارات التجارية، يظهر الصراع بين منطق الربح ومنطق القيم، وهو أحد أشكال التناقض التي يراها الفكر الماركسي ملازمة لتطور النظام.
العلاقة بين الكيان الصهيوني وشركات التكنولوجيا الكبرى: مشروع “نينبوس” نموذجا
ولا يقتصر هذا التحول على مايكروسوفت، بل يمتد إلى غوغل وأمازون، اللتين ارتبط اسمهما أساسًا بمشروع “نيمبوس“، وهو مشروع للحوسبة السحابية أُعلن عنه سنة 2021 بعد فوز الشركتين بعقد مع الحكومة الإسرائيلية لتوفير خدمات التخزين السحابي، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وتشغيل التطبيقات. وتؤكد الشركتان أن المشروع يهدف إلى تحديث البنية الرقمية للمؤسسات الحكومية وتحسين كفاءة الخدمات العامة، في حين أشارت تقارير صحفية ومنظمات حقوقية إلى أن مؤسسات أمنية وعسكرية تستفيد أيضًا من هذه البنية التحتية. ومن منطلق المادية الجدلية، فإن أهمية “نيمبوس” لا تكمن في قيمته المالية فقط، وإنما في كونه يمثل نموذجًا للعلاقة الجديدة بين الدولة والرأسمال الرقمي، حيث تصبح وسائل الإنتاج الرقمية المملوكة لشركات خاصة جزءًا من الجهاز الإداري والأمني للدولة.
لقد رأى ماركس أن تطور قوى الإنتاج لا يحدث بمعزل عن تطور علاقات الإنتاج، بل إن كل تقدم تقني يعيد تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية التي يعمل داخلها. واليوم لم تعد الدولة تحتكر بصورة كاملة الوسائل التي تعتمد عليها في إدارة المعلومات، بل أصبحت تعتمد على شركات عالمية تمتلك الخوادم، والخوارزميات، والبنية السحابية، وهو ما يعكس انتقالًا تاريخيًا في طبيعة السلطة نفسها. فالرأسمالية الرقمية لم تكتفِ بإنتاج سلع جديدة، وإنما أصبحت تنتج البنية التي تُدار من خلالها الدولة والاقتصاد والأمن، الأمر الذي يجعل الحدود بين القطاع العام والقطاع الخاص أكثر تداخلًا من أي مرحلة سابقة.
وتكمن أهمية مشروع “نيمبوس” في أنه يجسد هذا الاندماج بين المصالح الاقتصادية والوظائف السيادية للدولة. فعندما تعتمد مؤسسات حكومية، مدنية وأمنية، على البنية السحابية نفسها، يصبح من الصعب عمليًا الفصل بين الاستخدام المدني والاستخدام العسكري، لأن البيانات والخوادم والخدمات تشكل منظومة تقنية واحدة. وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي يثيرها المنهج الجدلي، وهي أن الوسيلة الواحدة يمكن أن تؤدي وظائف متعددة تبعًا للعلاقات الاجتماعية التي تعمل في إطارها، فلا يمكن الحكم عليها خارج سياق استخدامها الفعلي.
وتوفر غوغل عبر منصة “غوغل كلاود” أدوات متقدمة لتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، بينما تقدم “أمازون ويب سيرفيسز” واحدة من أكبر البنى السحابية في العالم، تشمل تشغيل الخوادم الافتراضية، وتخزين البيانات، وإدارة الشبكات، والأمن السيبراني، وتحليل المعلومات. وهذه الخدمات تُستخدم على نطاق واسع في قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي والقطاع المالي والإدارة الحكومية، إلا أن استخدامها من قبل جهات أمنية أو عسكرية أثار نقاشًا متزايدًا حول حدود مسؤولية الشركات عندما تصبح تقنياتها جزءًا من عمليات قد ترتبط بنزاعات مسلحة أو بانتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني.
ولم يقتصر الجدل على التقارير الإعلامية، بل امتد إلى داخل هذه الشركات نفسها. ففي أفريل 2024 نظم عدد من موظفي غوغل اعتصامات احتجاجًا على استمرار مشروع “نيمبوس“، مطالبين بإنهاء العقد مع الحكومة الإسرائيلية. وردت الشركة بفصل عدد من المشاركين، مؤكدة أنهم خالفوا قواعد العمل وعطلوا نشاط المؤسسة، بينما رأى المحتجون أن اعتراضهم يندرج ضمن مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه الاستخدامات المحتملة للتكنولوجيا التي يطورونها. ويكشف هذا الصراع عن تناقض آخر داخل المؤسسة الرأسمالية؛ فمن جهة تسعى الإدارة إلى الوفاء بالتزاماتها التعاقدية وتحقيق الربح الاقتصادي، ومن جهة أخرى يطالب بعض العاملين بإخضاع القرارات التجارية لمعايير إنسانية وحقوقية.
وشهدت أمازون بدورها احتجاجات مشابهة، خصوصًا خلال الفعاليات المرتبطة بخدمات “أمازون ويب سيرفيسز“، حيث نظم ناشطون وموظفون حملات تطالب بإنهاء مشاركة الشركة في مشروع “نيمبوس“. كما برزت حملة “لا للتكنولوجيا من أجل الفصل العنصري“، التي ضمت موظفين من غوغل وأمازون إلى جانب ناشطين في المجتمع المدني والسياسي المناهض للحرب، ودعت إلى مراجعة العقود التي قد تُستخدم في تطبيقات أمنية أو عسكرية. ومن المنظور المادي الجدلي، لا تمثل هذه الاحتجاجات مجرد خلافات مهنية، بل تعكس تناقضًا بين الموقع الذي يشغله العامل داخل عملية الإنتاج بوصفه منتجًا للتكنولوجيا، وبين رؤيته الأخلاقية والسياسية للنتائج التي قد تترتب على استخدامها.
وفي أوت 2023 أعلنت أمازون افتتاح منطقة سحابية جديدة في تل أبيب، مع خطة استثمار طويلة الأجل، وأوضحت أن الهدف يتمثل في تحسين أداء الخدمات الحكومية وتمكين العملاء من تخزين البيانات داخل إسرائيل. وفي المقابل رأى بعض الباحثين أن تعزيز البنية السحابية المحلية يمكن أن يفيد أيضًا المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تعتمد على معالجة البيانات داخل الحدود، وهو ما أعاد طرح الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين الاستثمار التجاري والبنية الاستراتيجية.
كما أعادت تحقيقات صحفية نُشرت خلال عام 2025 النقاش حول مشروع “نيمبوس“، إذ تناولت تفاصيل تعاقدية تتعلق بآليات الوصول إلى البيانات وبنود تنظيم الخدمات، وطرحت تساؤلات حول مدى قدرة الشركات على تعليق خدماتها بصورة منفردة إذا ظهرت مخاوف تتعلق باستخدامها في سياقات قد تمس حقوق الإنسان. وفي عام 2026 أشارت منظمات مدافعة عن الحقوق الرقمية، من بينها “مؤسسة الحدود الإلكترونية“، إلى أن النقاش لم يعد يقتصر على طبيعة الخدمة التي تقدمها الشركات، بل أصبح يشمل أيضًا قدرتها على مراقبة الاستخدام النهائي وفرض ضوابط فعالة تمنع إساءة استخدام البنية السحابية عند وجود مخاطر جدية.
ومن خلال هذه الوقائع يتضح أن الحوسبة السحابية لم تعد مجرد خدمة تقنية، بل أصبحت أحد المكونات الأساسية لقوى الإنتاج في الرأسمالية الرقمية. وإذا كان ماركس قد حلل في عصره دور المصنع والآلة في إعادة تشكيل المجتمع، فإن الخادم السحابي والخوارزمية وقاعدة البيانات تؤدي اليوم وظيفة مشابهة، لأنها أصبحت تتحكم في إنتاج المعرفة وتنظيم المعلومات وإدارة القرار. ولذلك فإن النقاش حول مسؤولية شركات التكنولوجيا لا يتعلق فقط بطبيعة العقود التي تبرمها، وإنما أيضًا بالموقع البنيوي الذي أصبحت تحتله داخل الاقتصاد العالمي، حيث غدت البنية الرقمية نفسها وسيلة من وسائل إنتاج السلطة، وأحد الشروط المادية التي تقوم عليها الدولة الحديثة في أداء وظائفها المدنية والأمنية والعسكرية.
هوامش
1 – فاتن برازي: مهندسة نظم المعلوماتية في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، حاصلة على شهادة في الهندسة الإلكترونية والاتصالات.
صوت الشعب صوت الحقيقة
