بقلم عمر الهمامي
تحول قصر باردو اليوم إلى ما يشبه مدرسة داخلية صارمة تسير بعقلية “الناظر والطباشير“؛ فبعد أن كان البرلمان ساحة للخطابات والمناقشات، أصبحنا نرى رئيس المجلس يلوح بـ“عصا” النيابة العمومية في وجه نواب الشعب لمجرد أن أحدهم فكر في إخراج هاتفه الجوال لالتقاط صورة “سيلفي” أو توثيق اللحظة التاريخية. المفارقة هنا تتجاوز السريالية، حيث يرتعد نواب الموالاة، الذين تم انتخابهم على أساس ولائهم المطلق للمسار، من كاميرا الهاتف وكأنها جهاز كشف كذب، بينما يكمن الرعب الحقيقي في خشية السلطة من فضح “الكراسي الفارغة” أو توثيق لحظات نوم بعض النواب أثناء تحديد مصير أجيال كاملة.
هذا الخوف الهستيري من التوثيق والتصوير يتماشى تماماً مع روح “المرسوم 54″ السيئ الذكر، الذي تحول إلى سيف مسلط على رقاب الجميع داخل القبة وخارجها؛ فالبرلمان الذي يُفترض أن يشرّع الحريات، أصبح رئيسه يهدد نوابه بـالإحالة الفورية للقضاء إذا تجرأ أحدهم على نقل كواليس الجلسات للرأي العام. لقد نجحت المنظومة في تحويل الجلسات العامة المفترض علنيتها إلى ما يشبه اجتماعات سرية لتنظيم محظور، حيث يمنع الكلام، ويمنع النقاش، ويمنع حتى فتح كاميرا الهاتف، مما يجعل المتفرج التونسي يتساءل بمرارة: إذا كان النائب نفسه مهدداً بالسجن داخل قبة البرلمان، فماذا تركوا للمواطن العادي في الشارع؟
وعلى وقع هذه التهديدات المضحكة، يمارس النواب هوايتهم السحرية المفضلة في البصم والمصادقة العمياء على القروض الخارجية بأغلبية هزيلة لا تتجاوز 65 صوتاً، وكأنهم موظفو استقبال في مكتب ضبط تابع لقرطاج.
المضحك المبكي هنا هو التناقض الصارخ مع الخطاب الرسمي الصباحي الذي يصدع الرؤوس بشعارات “السيادة الوطنية الكاملة” و“التعويل على الذات” ورفض إملاءات الصناديق الدولية؛ لنجد البرلمان في المساء يهرول في غمرة القيظ والصيف للمصادقة على قرض بقيمة 500 مليون دولار لتمويل الميزانية الاستهلاكية دون صياغة مشروع تنموي واحد، مما يعني أن شعار “السيادة” يُترك على عتبة الباب بمجرد الدخول إلى قاعة التصويت.
وتكتمل فصول هذه الكوميديا السوداء عندما ينتهي النائب من التصويت على قرض الفسفاط أو قروض المجمع الكيميائي بالمليارات، ليعود إلى بيته في ذروة القيظ الصيفي ليجد أن الماء والكهرباء مقطوعان كالعادة، وأن عائلته تبحث عن كيس سكر أو علبة دواء مفقودة. إن هذا الانفصال التام عن الواقع يثبت أن البرلمان التونسي الحالي تحول إلى مجرد “سيرك لغلق الثقوب المالية” وتمرير المراسيم الرئاسية بصمت مطبق، حيث تحولت الديمقراطية إلى عرض عرائس متحركة تدار خيوطها من خلف الستار، بطلها رئيس مجلس يخشى التلفونات، ونواب يتسابقون على إرضاء الحاكم بأمره، وشعب يدفع فاتورة الديون من قوته وأعصابه ويتفرج بذهول على مسرحية رديئة الإخراج.
صوت الشعب صوت الحقيقة
