الرئيسية / صوت الوطن / إقالة وزير الدّخليّة.. الخفايا والغايات : بقلم جيلاني الهمامي

إقالة وزير الدّخليّة.. الخفايا والغايات : بقلم جيلاني الهمامي

أقال رئيس الحكومة يوم أمس الأربعاء 6 جوان الجاري، بعد لقاء خاطف مع رئيس الدولة، وزير الداخلية لطفي براهم. وذهب في ظنّ الكثير أنّ هذه الإقالة إنما جاءت على خلفية الفاجعة الأليمة التي راح ضحيتها حتى الآن 75 شابا تونسيا وأجانب غرقا في البحر والتي كشفت عن إخلالات أمنية. بينما حاول الناطق الرسمي باسم الحكومة إيهام الرأي العام بأنّها جاءت بسبب ما أسماه أزمة غلق المقاهي في شهر رمضان.

لقد كانت تنحية براهم متوقّعة في خضمّ الصراعات الحادة الجارية صلب الائتلاف الحاكم بين النداء والنهضة من جهة وبين قصر قرطاج والقصبة من جهة ثانية وبين شقوق النداء نفسه من جهة ثالثة وحتى صلب العائلات النافذة في قصر قرطاج من جهة رابعة. وقد راجت أخبار عن طلب الشاهد من رئيس الدولة منذ بضعة أسابيع الموافقة له على تنحية براهم. وحصل منه على الضوء الأخضر في ذلك. وربما كان الاضطراب الذي طرأ على ما يسمّى بمسار قرطاج 2 وراء تأجيل تنفيذ القرار. وتفيد الأخبار المتداولة في الكواليس أنّ الشاهد جدّد طلبه يوم أمس، لكنه اصطدم برفض الباجي. فلم “يكن من العاكسين” كما يقال، ومرّ مباشرة دون تردّد إلى تنفيذ قراره غير عابئ بموقف الرئيس ومستندا في ذلك على ما يخوّله له الدستور.

ويجدر أن نذكر أنّ تسمية براهم على رأس وزارة الداخلية كانت موضوع صراع بين النداء والنهضة عند تشكيل حكومة الشاهد ويوم عرضها على البرلمان لنيل الثقة. وكانت بالتحديد محلّ معارضة شديدة من طرف حركة النهضة. لقد حاول الغنوشي وجماعته قصارى جهدهم الحيلولة دون وصول براهم إلى هذا المنصب خشية أن يُطهّر هذه الوزارة الحسّاسة من جيوب ولاءات لهم صلبها، ولمعرفتهم بمشاعره المناوئة لهم وموالاته للباجي ونجله حافظ قائد السبسي. ولكن أيضا للعلاقات المتينة التي تربطه بالسعودية والامارات العربية. غير أنّ محاولاتهم باءت بالفشل. ومع ذلك لم يكفّوا عن النّبش وراءه في كلّ المنابر داخل البرلمان وخارجه وخاصة في كواليس السلطة، الأمر الذي جعله يكثّف من مساعيه في المدة الأخيرة للتقرّب من النهضة وإرسال رسائل التودّد إليها أبرزها إحياء العمل بمنشور مزالي الخاص بغلق المقاهي في شهر رمضان. لكنّ ذلك لم يشفع له ولم يكن كفيلا بمداواة ما تكنّه النهضة تجاهه من حقد دفين.

من جانب آخر ينبغي التذكير أيضا بالخلاف الحاد الذي بات يميّز العلاقة بين الشاهد وبعض وزرائه وعلى رأسهم لطفي براهم بسبب بعض التسميات وكيفية تسيير شؤون الأمن ووزارة الداخلية بصورة عامة. ومعلوم أنّ براهم طلب حال مجيئه إلى الوزارة تغيير بعض المديرين العامين. ووجد صدّا من الشاهد الذي وبالعكس من ذلك عيّن أحد الذين كان براهم يريد استبعاده في منصب مدير الأمن الوطني غداة عودته من السعودية ودون التّنسيق معه مجرّد التنسيق.

إنّ في قرار الشاهد إقالة وزير الداخلية أكثر من مغزى ورسالة. فهو من جهة دليل إضافي عمّا يُتداول في صفوف جماعة النداء من أنّ الشاهد بات أقرب إلى النهضة منه إلى حزبه الأمّ، أي النداء، وأقرب إلى الغنوشي منه إلى الباجي. وهو من جهة أخرى تحدٍّ ثان يرفعه في وجه الباجي بعد الخطاب الذي ألقاه يوم 29 ماي المنصرم بصورة مفاجئة وفي غيابه في فرنسا آنذاك وردّا على بيان نداء تونس الصادر صبيحة ذات اليوم، ذاك الخطاب الذي تجشّم فيه مصاعب مهاجمة نجل الرئيس حافظ قائد السبسي علنا متّهما إياه بتدمير الحزب والدولة. فإن يجرؤ الشاهد على ذلك ليس بالأمر الاعتباطي ولا بالعمل المتهوّر إذا أخذنا بعين الاعتبار جملة من المعطيات الأخرى حول استعدادات أخرى هو بصدد القيام بها إذا ما “شاءت الأقدار” أن يحسم الصراع الدائر الآن في الحكم لصالحه. بعبارة أخرى أن يجرؤ الشاهد على ذلك لا يعني سوى أنه حصل على التّطمينات اللاّزمة والدّعم المطلوب لتحدّي وليّ نعمته الباجي قائد السبسي. ولا يمكن أن يأتيه الضوء الأخضر من غير مصدرين اثنين واحد من الدّاخل أي حركة النهضة والثاني من الخارج وأساسا من فرنسا والاتحاد الأوروبي وحتى الولايات المتحدة الأمريكية وأوساط في صندوق النقد الدولي. لِمَ لا وهو الذي عبّر للنهضة عن استعداده للتعاون معها ودعم مسعاها للبقاء في الحكم. ولِمَ لا وهو الذي أبدى للدوائر الخارجية استعداده كأحسن ما يكون الاستعداد لتنفيذ برامجها ومشاريعها الهيمنيّة على بلادنا.

إنّ تنحية لطفي براهم الذي لا ينبغي أن ننسى أنه كان قطعة – وأي قطعة – في جهاز الحكم، لم تأت مطلقا من موقع حماية الحريات العامة والفردية (أزمة المقاهي في رمضان كما يدّعي إياد الدهماني) ولا بسبب الإخلالات الأمنية في قرقنة ولا من منطلق تحسين أداء حكومة العجز ومعالجة فشلها ومقاومة الفساد أو مناهضة التبعيّة والعمالة بقدر ما هي وجه من أوجه السباق نحو مواقع النفوذ والاستحواذ على المناصب الفاعلة في حسم الصراع المتعفّن الجاري الآن في الائتلاف الحاكم. وعليه فإنّ بقاء براهم على رأس وزارة الداخلية أو رحيله عنها سيّان، لا فائدة للشعب لا في هذا ولا في ذاك. كما أنّ انتصار الشاهد في هذه المعركة على خصومه في قصر قرطاج لا خير يُرجى منه لفائدة الشعب والبلاد والعكس بالعكس صحيح أيضا.

إنّ مصلحة الشعب التونسي الحقيقية لا تكمن في الانتصار والتذيّل لهذا أو لذاك من أجنحة الحكم أو شقوق نداء تونس الذين يتصارعون من أجل الكراسي والمناصب، وفي نفس الوقت يعملون اليد في اليد على تدمير حياة التونسيات والتونسيين ويُلهبون الأسعار ويبيعون المؤسّسات ويخرّبون الاقتصاد ويطبّقون بكلّ ذلّ تعليمات الدّول والمؤسّسات الماليّة الأجنبيّة ويُطلقون أجهزتهم القمعية وينصبون المحاكم لكلّ من تحدّثه نفسه بالاحتجاج.

إنّ مصلحة الشعب التونسي تكمن في الخلاص من هذه المنظومة الرجعية التي ابتلي بها بعدما خال أنه تخلّص وللأبد بعد 14 جانفي من نظام القهر والقمع والعمالة والفساد والنهب والاستغلال. فالشعب التونسي الذي يتكبّد اليوم أفدح الخسائر لا يجدر به أن يخيّر الشاهد على براهم ولا الباجي على الغنوشي بقدر تكمن مصلحته في كنس كلّ هؤلاء الذين سرقوا منه ثورته وخرّبوها وأعادوا إنتاج مساوئ المنظومة القديمة في أبشع صورها.

إنّ واجب الشعب التونسي ونخبه السياسية والمدنية، أحزابا ومنظمات وجمعيات وشخصيات وفعاليات شبابية ونسائية وثقافية ومبدعة أن ينهض صفا واحدا ودون انتظار للإطاحة بهذه المنظومة، حكومة وبرلمانا ورئاسة وائتلاف حاكم، كمدخل حقيقي ووحيد لإصلاح شؤون الاقتصاد والمجتمع والتعليم والثقافة وكلّ جوانب الحياة الأخرى عسى أن ينقذ نفسه من البطالة والفقر والبؤس وعسى أن يعيد إلى الوطن كرامته واستقلاله ويؤمّن لأبنائه والأجيال القادمة العيش الكريم وأسباب التضحية من أجله لا الهروب منه إلى جحيم “الحرقة” والغربة وكلّ ضروب الانحراف.

وبصورة مباشرة من واجب الشعب التونسي بكلّ فئاته من كل الجهات والقطاعات أن يستعدّ من الآن لموجة الزيادات في الأسعار التي سيعلن عنها الشاهد وسيلقى كلّ التزكية والمباركة من الخارج ولكن أيضا من الباجي والغنوشي وأتباعهما بداية من مفتتح شهر جويلية القادم وخلال فترة الصيف مستغلاّ في ذلك تلهّي الناس بكأس العالم والعطلة.

بقلم جيلاني الهمامي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى