الرئيسية / أقلام / لماذا مقاطعة الدور الثاني للانتخابات الرئاسية؟ – بقلم علي جلولي

لماذا مقاطعة الدور الثاني للانتخابات الرئاسية؟ – بقلم علي جلولي

أثار موقف حزب العمال الداعي إلى مقاطعة الدور الثاني للانتخابات الرئاسية بعض الجدل في أوساط سياسية مختلفة. وفي هذا السياق فقد عارض البعض الموقف لأنه لم يصطفّ وراء أحد المرشحين وكأنه خيار لا بد منه. كما عارضه البعض الآخر لأنه لم يصطف تحديدا وراء قيس سعيد معتبرا أنه “من الخطأ التسوية بين مافيوزي وبين رجل نظيف ونزيه”. أما البعض الثالث فلئن تبنّى نفس الموقف من المرشّحين فإنه فضّل الدعوة إمّا إلى التصويت بورقة بيضاء أو إلى شطب الاسمين عوض مقاطعة الصندوق. ونحن نود إبداء بعض الملاحظات بخصوص هذه النقاط كلّها.

ففي خصوص النقطة الأولى فإن الادعاء بأن الاصطفاف وراء أحد المرشحين في الدور الثاني أمر “لا مفرّ منه” تمليه من جهة نتائج الدور الأول ومن جهة ثانية “واجب أداء الواجب الانتخابي” لا أساس له من الصحة لأنه في النهاية يتذرّع بأمور شكلية لا غير. إن الموقف من الدور الثاني يبقى دائما موقفا سياسيا قائما على تقييم المرشحين من زاوية البرامج ومدى استجابتها للحد الأدنى من مطالب الشعب في هذا الظرف أو ذاك. فإن لم يتوفر هذا الحد الأدنى في أحد المرشّحين فالاختيار الثالث موجود وهو عدم التصويت للمرشحين سواء بالمقاطعة أو بالتصويت بورقة بيضاء أو بتشطيب الاسمين معا حسب ما يمليه الظرف. وتتمثل الجدوى من هذا الموقف في كونه رسالة من قسم من الناخبات والناخبين إلى كلا المرشحين وتحذيرا لهما بكونهما لا يحظيان لديهم بالثقة. وبقدر ما تكون نسبة المقاطعين أو المشطبين أو المقترعين بورقة بيضاء كبيرة وهامة، تكون الرسالة والتحذير أكثر وزنا وتأثيرا. إن صعود رئيس بنسبة ضعيفة من عدد المقترعين أو المسجّلين لا يعطيه بسهولة أحقّية التّباهي بشرعية تمثيل الأغلبية ليسلك سياسات فيها إضرار بحرية الناس وحقوقهم، بل أكثر من ذلك فهو إعداد لمعارك مستقبلية حين تفرضها الظروف.
هذا بخصوص الموقف العام من اختيار أحد المرشحين من عدمه. أما بخصوص التسوية بين المرشحين في قضية الحال، نبيل القروي وقيس سعيّد، والدعوة إلى عدم التصويت لهما فنحن نعتبره الموقف الأسلم ولا نرى في الانتقادات الموجهة إلينا في هذا الصدد ما يقنع. فنحن إذ نسوي بين المرشحين سياسيا فلأننا لا نرى فيما يقدمانه ما يقنع بأنهما يحملان في جرابهما حدّا أدنى من المقترحات والإجراءات التي تسهم في إخراج البلاد من أزمتها. وفي هذا الصدد فلئن كان ثمة اتفاق في تقييم المرشح نبيل القروي (“مافيوزي ومن أبناء المنظومة القديمة”) فإن الخلاف قائم حول المرشح الثاني قيس سعيد. إن الداعين إلى التصويت له يكتفون بالقول إنه “نظيف ونزيه”. وهنا مكمن الغرابة والخطر في نفس الوقت. فالمرشح الأول يقيّم تقييما سياسيا، اجتماعيا، ونحن متفقون حوله، أما الثاني فيقيم مجرد تقييم أخلاقي، بسيط وسطحي، وكأننا بصدد درس في التربية الأخلاقية ولسنا في مجال السياسة بما تعنيه من مواقف وبرامج وخطط. وهذا الأسلوب لا هدف منه في الحقيقة سوى إخفاء المشروع السياسي للمرشح أي قيس سعيد.
إن “النظافة” بالنسبة إلى مرشح للرئاسية ليست “مزية” ولا هي كافية وحدها لإقناع الناخبات/الناخبين بالتصويت لمرشح للرئاسة. فهي مبدئيا شرط ضروري ومسبق بل من المفروض أن تكون شرطا قانونيا بمعنى خلو سجل المرشح من “سوابق”. ولكن من المضحكات المبكيات أننا في بلدنا نطالب مرشّحا لوظيفة في القطاع العام بتقديم بطاقة رقم3 خالية من السوابق ولا نطالب مرشحا للرئاسية بتقديم ذلك. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن الرئاسة منصب سياسي وكما يطالب مرشح لوظيفة ما بالكفاءة في مجاله، فإن المرشح للرئاسة مطالب منطقيا بتقديم مشروع سياسي، برنامج سياسي فيه إصلاحات وإجراءات وقرارات وخطط عمل الخ…. ولكن أنصار المرشح قيس سعيد يتعمّدون طمس هذا الجانب فهم يتهربون من الخوض في الهوية السياسية للرجل وفي برنامجه وتحالفاته وفي طبيعة القوى الداخلية والخارجية التي تسنده. وهو من ناحيته يتعمّد الغموض ونحن لا نرى سببا لذلك إلا سعيا منه ومن نصحائه لكي لا يكشف أوراقه قبل الوصول إلى قصر قرطاج. وهذا خطير. وهو تكتيك ليس جديدا فلنا أمثلة على ذلك من تاريخ أمريكا اللاتينية في ستينات وسبعينات القرن العشرين، فمن أشنع الطغاة الذين عرفتهم هذه المنطقة “جامعيون نظاف وكاتوليك محافظون”.
ولكن فحتّى القليل من تصريحات المرشح قيس سعيد نراه كافيا لجعلنا لا نطمئن للرجل “النظيف” (حتى هذا الجانب الأخلاقي أصبح مطعونا فيه بعد الوثائق التي نشرت حول أملاك “المرشح الزوالي المتزهد في الدنيا). إن النظام السياسي “المجالسي” الذي يتحدث عنه وهو ذو أصول فوضوية تعود إلى القرن التاسع عشر وليست بالمرة “إبداعا جديدا”، لا يعني اليوم، لو كتب له أن يتحقق، في واقعنا المحلي والإقليمي والدولي المؤطّر بنظرية “الفوضى الخلاقة” الصهيوـأمريكية الهادفة إلى “تجزئة المجزّأ” و”تقسم المقسّم” سوى “صوملة تونس” وتفكيكها لجعلها مرتعا للعصابات الإرهابية ومنفذا لإدخال الفوضى في المنطقة. إن تغليف هذا المشروع “المجالسي” بشعار “الشعب يريد” أو “الشباب يريد” ما هو إلا استغباء للناس العاقلين. فالمرشح قيس سعيد لا يقول لنا شيئا عما يريده هو وعن المشروع الذي سيكرسه حين يصل إلى قصر قرطاج: أي اقتصاد يريد؟ وأي إدارة يريد؟ وأي أمن وعسكر وقضاء يريد؟ وأي ثقافة يريد؟ وأي علاقات دولية يريد؟ الخ… هذا هو “المخبّي”.
5- أما بخصوص موقف الرجل من القضايا المتعلقة بالدستور والحريات والمساواة فأقل ما يقال هو غموض الرجل وتناقضات تصريحاته ومواقفه. وما يغذّي الشعور بعدم الاطمئنان هو النزعة المحافظة للرجل والتي يعترف بها الجميع حتى من بين من يدعمونه من زملائه الجامعيين. وكذلك ماضي الرجل، فبأي حق يقدم على أنه من وجوه الثورة أو أنه ممثل الثورة والحال أنه كان من بين الذين ساندوا مراجعة الدستور عام 2002 للسماح لبن علي بالترشح لولاية رابعة وبأنه كان أيضا من بيبن الذين أشرفوا على دورات تكوينية في مجلس مستشاري بن عللي حول الدستور؟ ولماذا يتناسوا أن اسمه لا يوجد ولو في ربع عريضة للدفاع عن الحريات زمن الدكتاتورية؟ وما هي المواقف التي تحسب للرجل بعد الثورة حتى يعتبر من بناتها ومن مؤسسيها ومن المدافعين عنها؟ ألم يكن من داتة تضمين الشريعة في الدستور في وجه دعاة مدنية الدولة؟ وعليه فأليس كل ما ينسج حول شخصية هذا المرشح من أساطير ما هو إلا محاولة لإخفاء حقيقة برنامجه أو بالأحرى إخفاء ما يراد أن يفعل به ويوظف لخدمته على فرض أنه خالي الذهن من كل ما يجري حوله. وبالطبع فإن ما نقوله لا يعني بالمرة إدانة لغالبية الشباب المتحمسين لقيس سعيد ظنا منهم أنه العصفور النادر ولكن السياسة لا تدار لا بالنوايا ولا بالحماس ولكن بالمصالح التي يراد خدمتها.
6- وهنا نصل إلى نقطة هامة. ثمة مثل تونسي يقول: “قلي أشكون أصحابك توة نقلّك أشكون أنت”. فمن هي القوى السياسية التي تقف اليوم وراء قيس سعيد وتدعمه؟ أليست هي في الأساس حركة النهضة “الديمقراطية والثورية جدا” والتي “لم تلحق أي ضرر بالبلاد”؟ أليست هي أيضا “ائتلاف الكرامة” بما فيه من خليط جامع لرموز روابط حماية الثورة الفاشست وأئمة التطرف المعادين للحريات والعمل النقابي ومبيضي الإرهاب؟ هذا عدا أننا لسنا على دراية بصحة ما قيل ويقال عن “الخلفية” التي قامت لمدة سنوات بالحملة لفائدة قيس سعيد في الفضاء الرقمي ولا يمكن لأحد أن يستغبي الناس ويضلّلهم بالادعاء أن الأمر يتعلق بعمل “شباب” فقير ولكنه “متحمس”. فبأي حجة يراد إقناعنا إذن بالتصويت لفائدة قيس سعيد الذي لم يجرأ في مناظرة ليلة البارحة على قول ولو كلمة بخصوص الكشف عن الاغتيالات السياسية وعن الجهاز السري وتسفير الشباب إلى بؤر الإرهاب بينما وجد المجال للمزايدة في الموقف من التطبيع مع الكيان الصهيوني وهو يعلم علم اليقين أن حركة النهضة التي تدعمه كانت تصدت لتجريم التطبيع في الدستور وعند عرض مشروع قانون تقدمت به كتلة الجبهة الشعبية.
7- أردنا بكل هذا تبيان أنه لا يوجد ما يبرر التصويت لقيس سعيد وأن “النظافة” وإن كانت شرطا لكل مرشح جدي للرئاسة فهي لا تكفي ولا تعوض بالمرة مشروعه وبرنامجه الذي يبقى هو الأساس للحكم له أو عليه، وكما يقال فإن طريق جهنم مليء بالنوايا الحسنة، والشعب التونسي ذاته له تجربة مرة في هذا المجال، رغم أن قطاعات منه لم تستوعب الدرس حدّ الآن. فكيف احتالت عليه حركة النهضة في انتخابات 2011؟ ألم يصوت حوالي مليون ونصف المليون من الناخبات والناخبين لهذه الحركة بدعوى أنها “تخاف ربي”؟ فماذا كانت النتيجة؟ وهل كان التونسيات والتونسيون سيقع في الخطأ لو كانوا حكموا البرامج لا العامل الديني المجرد، في التعامل مع حركة النهضة؟ واليوم أفليس من الممكن أن ينتظرهم نفس المصير مع المرشح قيس سعيد إذا اكتفوا بتحكيم عامل “النظافة” لا غير في التعامل معه ولم يولوا الأهمية للسياسي أي للبرامج والمواقف والخطط؟
8- هذا ما دعا حزب العمال إلى اتخاذ موقف مقاطعة الدور الثاني من انتخابات رئاسية تفوح منها منذ الدور الأول رائحة العفن والتزوير والتحيّل على الناس. فنحن ندرك أنّ رئيسا، مهما كان، يصعد بنسبة أصوات ضعيفة سيكون أفضل من منحه نسبة كبيرة من أصوات المسجّلين يستند إليها لاحقا “للتفرعن” على الشعب. وإذا كنا فضلنا المقاطعة عن التصويت الأبيض أو التشطيب فلخشيتنا من التدليس في الحالة الأولى خاصة بعد كل ما نشر من معطيات موثقة حول الخروقات الجسيمة التي اتسمت بها الانتخابات هذه المرة، ولاقتناعنا، بالنسبة إلى الحالة الثانية، بأن المزاج العام أميل إلى المقاطعة وعليه فإن نسبة التشطيب (مثلها مثل نسبة التصويت الأبيض) إذا كانت ضعيفة ستتخذ كحجة للاستخفاف بأصحابها لاحقا وبالتالي فإن الدعوة إلى المقاطعة أيسر وأجدى في مثل هذا الظرف.
9- ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى بعض منتقدينا ومنتقدي غيرنا ممن أعطوا موقفا من الدور الثاني. إن بعض “الثقفوت” الذين يصبحون ويبيتون على إعطاء الدروس و”توجيه العامة” حزّ في أنفسهم أن يصدع حزب العمال بموقف من الانتخابات. ما هي حجتهم؟ إنهم يقولون لنا كيف تعطون موقفا وأنتم قدمتم مرشحا وخسر في الانتخابات؟ بمعنى آخر أن من يخسر الانتخابات لم يعد له الحق، حسب رأي هؤلاء الجهابذة، في التعبير عن رأيه في مسألة سياسية كمسألة الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التي ستكون لها انعكاسات على مصير “البلاد والعباد”. إن هذا السلوك الأرعن لم يجرؤ على الإتيان به إلى حد الآن سوى بعض قطعان النهضة والسلفية المعادين للديمقراطية الذين يصفوننا بالصفر فاصل وهو ما سنعود إليه، فكيف يصدر عمّن يدعي العلم والحرية والذي لم يبق له سوى مطالبتنا باستئذانه حين نروم اتخاذ موفقف؟ ونفس هذا الرهط من “الثقفوت” ينفي عن حزبنا الحق في دعوة الناخبات والناخبين إلى المقاطعة وكأنه ليس من صميم دور الأحزاب أن تحلل الواقع وتستشرف المستقبل وتسعى إلى تنبيه الرأي العام إلى المخاطر المحتملة. إن التخفي وراء شعار الحرية للتهجم على حزبنا ونكران حقه في التأثير في الرأي العام إنما مرده عدم قبول موقفه سياسيا أي موقف المقاطعة، وليس أدل على ذلك من أن الرهط الذي نتحدث عنه لم ينكر على الأحزاب الرجعية بما فيها حركة النهضة توجيهها الناخبين إلى التصويت لقيس سعيد. وفي الواقع فإن كل ما نأمله هو أن يكف هذا الرهط من “الثقفوت” عن إعطاء الدروس وأن “يحطّوا يديهم في العجين” لأن “اللي ما يحطّش يديه في العجين موش من حقو يقول الكسرى خايبة”.
10- وفي الختام نحن نعرف جيدا ما أثاره وما سيثيره موقفنا من ردود فعل. لقد شن “جيش قيس سعيد الألكتروني” هجمة علينا منذ أن عبرنا عن موقفنا. وقد تخللت هذه الهجمة أقذع عبارات السب والشتم والتهديد والتكفير. وإذا كان لنا أن نخرج منها باستنتاج فهي أن هذا “الجيش” الذي يدعي الدفاع عن “النظافة” و”الثورة” مخترق بنوازع فاشستية خطيرة تذكرنا بما قامت به “جيوش النهضة والسلفية” في سنوات 2011 و2012 و2013 والجميع يعلم ما أدت إليه. ونحن نقول لهؤلاء جميعا نحن مستعدون لكل المعارك حتى لو كنا “صفر فاصل…” فالتاريخ بما في ذلك تاريخ الأنبياء انطلق دائما من “صفر فاصل…”. وإلى ذلك كله فإن “الصفر فاصل …” لم يرتكب جرائم في حق هذا الوطن والشعب ولم يدمر لهما اقتصادا ولم يخرب لهما مجتمعا وثقافة وأخلاقا ولم يسبب لبناتهما وأبنائهما فقرا وتهميشا كما سبّب لهم ذلك أصحاب “الأغلبية” الذين حكموا البلاد منذ الثورة وسيواصلون حكمها اليوم. نحن لا شيء في ماضينا وحاضرنا نخجل منه، فقد كنا وما زلنا وسنظل أوفياء لشعبنا ووطننا. نحن صاحبات/أصحاب مشروع ولسنا نلهث وراء كرسي أو مصالح خاصة، لذلك لا تفزعنا خسارة انتخابات بل نحن نصحح أخطاءنا ونمضي إلى الأمام غير عابئين بالمصاعب والمتاعب والتضحيات. وقد أنصفنا التاريخ أكثر من مرة بأن بين صحة مواقفنا (انقلاب 7 نوفمبر، ثورة 17 ديسمبر 2010ـ 14 جانفي 2011) رغم أننا أقلية، فصحة المواقف لا تقاس بالعدد بل بمدى تعبيرها عن حقيقة الواقع وتناقضاته ومتطلباته من زاوية مصلحة غالبية المجتمع الكادح.
تونس في 12 أكتوبر 2019

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى