أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت العالم / ليبيا: بين فكي الميليشيات في الداخل و التدخلات  الإمبريالية و الرجعية من الخارج

ليبيا: بين فكي الميليشيات في الداخل و التدخلات  الإمبريالية و الرجعية من الخارج

    حبيب الزموري  

 تشهد ليبيا منذ 04 أفريل 2019 تصعيدا عسكريا خطيرا على إثر إطلاق المشير خليفة حفتر ما سماه “عملية تحرير طرابلس ” بعد نجاحه منذ خمس سنوات بالضبط في إجلاء ما يسمى بــــ ” مجلس شورى ثوار بنغازي ” المتكون من قوى الإسلام السياسي في إطار “عملية الكرامة” التي إنطلقت في 15 ماي 2014 تحت شعار معلن هو مكافحة الجماعات الإرهابية و هدف غير معلن هو السيطرة على ليبيا بالقوة مدعوما من قوى إقليمية ودولية , هو ما  كرس تقسيم ليبيا إلى محورين ؛  – محور طرابلس ؛ مركز حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج والتي تحمي نفسها بحزام من الميليشيات ذات المرجعية الإخوانية و السلفية والميليشيات التي أنشأها تجار الحرب من ضباط النظام السابق .- محور برقة ؛ ومركزه بنغازي رغم تواجد البرلمان في طبرق وهو يرتكز على القوة العسكرية للمشير خليفة حفتر .             

صراع تؤججه القوى الرجعية العربية و القوى الإمبريالية

لا شيئ يوحي في ليبيا بقدرة أي طرف من الأطراف المتصارعة على حسم الصراع لفائدته لا سيما في ظل فوضى السلاح التي تعم ليبيا حيث قدرت آخر إحصائيات منظمة الأمم المتحدة لسنة 2019 عدد قطع السلاح الخارجة عن السيطرة بـــ 15 مليون قطعة سلاح أي بمعدل ثلاث قطع لكل مواطن ليبي و هو ما يفسر تعدد مراكز السلطة في ليبيا ففي كل مدينة بل وفي كل حي في بعض المدن سلطة بقوة السلاح تفرض نواميسها حتى على الحكومات و البرلمانات الصورية التي إنتصبت في ليبيا منذ 2011 ولم تتوانى القوى الإمبريالية ووكلائها الإقليميين على إغراق ليبيا بالسلاح رغم الحظر الأممي المعلن على تصدير السلاح إلى ليبيا . سواء تعلق الأمر بالقوى المتمركزة في الشرق الليبي بقيادة حفتر و حلفائه أو بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس وحلفائها فإن الطرفين مقيدين بتبعيتهما لقوى خارجية وداخلية لا مصلحة لها في قيام نظام ديموقراطي وطني وشعبي ليبي يوحد البلاد و الشعب الليبي ويستعيد سيادته على التراب الليبي المستباح و ثرواته المنهوبة . إن ليبيا اليوم هي التطبيق العملي والمثالي لمشروع اليمين المحافظ الأمريكي الذي بشر به منذ بداية القرن الـــ 21  بتمويل من وكلاؤه الإقليميون من القوى اليمينية الرجعية بغض النظر عن إصطفافها مع هذا الطرف أو ذاك . إن تواصل حالة الإحتراب وتأجيج النعرات القبلية والمذهبية في ليبيا على المدى المنظور يشكل حجر الأساس في المشروع الإمبريالي والرجعي لإنهاك الشعب الليبي و تهيئته لقبول الحلول المعلبة والجاهزة في مختبرات ” دبابات الفكر –  think tanks ” الليبيرالي المتوحش والمتحفز لوضع يده على الثروة النفطية في ليبيا وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ما يحدث في ليبيا ليس بمعزل عما يحدث في العراق و سوريا وفنزويلا في سياق سعي الإمبريالية الأمريكية إلى توفير شروط بقائها بالسيطرة على مصادر الطاقة في العالم التي تحرك الإقتصاد العالمي و التي تسمح لها بخنق الإمبرياليات الصاعدة المنافسة لها .

النفط مقابل السلام

رغم تعدد المبادرات السياسية الأممية والدولية والإقليمية فإن الأزمة الليبية تراوح مكانها ولا يعود الأمر إلى غياب أرضية سياسية مشتركة توحد الليبيين بقدر ما يعود إلى تكالب الميليشيات المسلحة في الداخل والقوى الإمبريالية والأنظمة الرجعية الإقليمية على تأمين

  نصيبها من الغنيمة فحتى البلدان المجاورة لليبيا التي تعاني من الهشاشة السياسية والإقتصادية وتحديدا تونس و مصر لا تنظر إلى ليبيا  إلا من زاويتين إثنتين , زاوية التقاطع مع المخططات الإمبريالية في المنطقة , وزاوية البحث عن الفتات على المائدة الليبية . تمتلك ليبيا تاسع أكبر إح

تياطي نفطي في العالم بـــ 46,4 مليار برميل و تتميز ليبيا عن بقية البلدان المنتجة للنفط بمنطقة الشرق الأ

وسط بإنخفاض تكاليف الإنتاج التي تصل في بعض الحقول إلى دولار واحد و تؤكد عدة دراسات أن ليبيا قادرة على مواصلة إستغلال ثروتها النفطية بنفس نسق إنتاج سنة 2010 ما لم يتم إكتشاف حقول جديدة طيلة الــ 77 سنة القادمة في حين تشير أكثر الدراسات تفاؤلا إلى نهاية عصر النفط في منتصف القرن الـــ 21 . مع إنهيار نظام القذافي  إستغلت الميليشيات المسلحة و الجماعات التكفيرية و العصابات الإجرامية حالة الفوضى والإنفلات للسيطرة على مسالك الإنتاج و التوزيع و من بينها داعش وليس من باب الصدفة أن يشكل الهلال النفطي لسنوات طويلة منذ 2011 خط التماس في المواجهات العسكرية بين القوى المسيطرة على إقليم برقة شرقا وعاصمته بنغازي وإقليم طرابلس في الغرب للسيطرة على أكبر منطقة منتجة للنفط على التراب الليبي أمام أنظار الممسكين بخيط اللعبة من القوى الإمبريالية المتعطشة للنفط .

ولئن بسطت قوات المشير خليفة حفتر سيطرتها على الهلال النفطي بمساعدة القبائل القاطنة بالمنطقة سنة 2016 فإن منطق النفط يختلف عن منطق الصراع على الأرض , حيث منح حفتر حق بيع النفط للمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس وإيداع العائدات المالية في المصرف المركزي بطرابلس الذي يتولى تقسيم تلك العائدات بين المتصارعين في غرب البلاد وشرقها . لم تتوقف عمليات التخريب والحرق التي تتعرض لها المنشآت النفطية مما يؤكد العلاقة الوطيدة بين الحرب والنفط ليس في ليبيا فحسب بل في العالم  ففي شهر جوان 2018 تعرضت ثلاثة خزانات في راس لانوف للحرق و هي خزانات ضخمة جدا تحتوي على نحو 700 ألف برميل أسستها الشركات الأجنبية منذ عشرات السنين وقد صرح أحد كوادر مؤسسة التصدير التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط حينها قائلا ؛ ” يبدو أن الشركات نفسها هي من ستعيد بناء ما جرى تخريبه … كلفة إصلاح هذه الخزانات تبلغ مئات ملايين الدولارات … لقد بدأت أجهزة الإبراق تدق , وفي كل مرة نتلقى عرضا من شركة أجنبية لإصلاح ما تعرض للدمار . وبالطبع هذا كله على نفقة الليبيين . ” كما لم تتردد بعض الدول الأوروبية عن دفع عمولات ضخمة لبعض الميليشيات مقابل تأمين تزويدها بالنفط والغاز الليبي , بل إن الإيطاليين لم يخجلوا من تغطية أطماعهم الإستعمارية بشعارات إنسانية حيث طلبوا إقامة مخيمات للمهاجرين غير الشرعيين ببلدة غات الواقعة في منطقة حوض مرزوق و بالقرب من حقل الفيل الذي يحتوي على مخزون ضخم من النفط والغاز الطبيعي .

لن تضع فوضى السلاح  النفط أوزارها إلا في حالتين متناقضتين , الحالة الأولى هي إتمام القوى الإمبريالية وعملائها الإقليميين لمخططاتها بإنهاك الهياكل الإجتماعية والإقتصادية الليبية بالفوضى الخلاقة و تهيئتها لإستقبال الوكلاء السياسيين و الإقتصاديين لتلك القوى , والحالة الثانية و هي الأصعب في ظل الأوضاع الحالية – و لكنها ليست مستحيلة –  وهي بروز قوى وطنية ليبية تتجاوز حالة الإنقسام الجهوي والقبلي لرسم معالم مشروع وطني ليبي كبير يلتف حوله الليبيون ويلتقي مع مشاريع أخرى بصدد التشكل في البلدان المجاورة  وفي مقدمتها تونس .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى