الرئيسية / منظمات / الاتحاد العام التونسي للشغل / نقابي ومعترف، منضبط ومختلف
نقابي ومعترف، منضبط ومختلف

نقابي ومعترف، منضبط ومختلف

صفة النقابي ليس لها أي معنى خارج القيم النقابية التي يؤمن بها هذا النقابي أو ذاك. فالنشاط النقابي هو نشاط تطوعي ينخرط فيه صاحبه عن وعي. ولكن بين هذا وذاك تختلف المنطلقات وأيضا الأهداف، ولذلك فالعمل النقابي مثله مثل أي نشاط آخر لا يخلو من الصراع، صراع يحتدّ أحيانا ويشتدّ ليتخذ أشكالا أكثر ضراوة وإقصاء ويخفت أحيانا أخرى حتى وكأنه ملغى تماما. إلا أنّ الحقيقة هي أنّ وجود هذا الصراع هو وجود موضوعي بقطع النظر عن توفر الجانب الذاتي خارج القيم النقابية التي يؤمن بها هذا النقابي أو ذاك، والمتمثل في الوعي المنظم والمؤطر تحت قيادة مولودة في خضمّ النضال السياسي والنقابي. فالصراع إذن لا يمكن الاستخفاف به أو إنكاره مهما كان شكله لأنّ المسألة في النهاية هي مسألة وعي أولا ومسألة ميزان قوى ثانيا.

ولكن الحديث عن الصراع يفترض وجود طرفين أو أكثر في هذا الصراع وبالتالي لسائل أن يسأل ما هي أطراف الصراع النقابي؟

إذا انطلقنا من تجربتنا البسيطة والخاصة في تاريخ النضال النقابي في تونس داخل منظمة الشغيلة الاتحاد العام التونسي للشغل ،فإنه لم يكن يوما ما خال من هذا الصراع، بين قوى تعمل على إعادة إنتاج السائد وتشترك في ذلك الأحزاب الليبرالية والدينية والبيرقراطية النقابية (الدساترة والاخوانجية والبيرقراطية النقابية) باعتبارهم وكل حسب منطلقاته لايؤمنون بالحقوق العميقة للعمال. بل يعتبرون أنّ واجبهم الطبيعي هو الإنتاج وتكديس الثروة مقابل ما يحصلون عليه من أجور زهيدة لا تصلح إلاّ لإعادة إنتاج الجهد، وبين القوى الثورية الديمقراطية التي تؤمن بالحقوق العميقة للشغيلة بما هي رأس المال الحقيقي لإنتاج الثروة، وبالتالي فإنّ الصراع بين النقابة المساهمة والنقابة المناضلة هو صراع جدي وتاريخي لا يحسم إلا بانتصار اختيارات الشغيلة. فالنقابة المساهمة هي التي تسعى إلى المساهمة فى حل أزمة رأس المال على حساب مصالح العمال وبالتالي ينسلخ النقابي في هذه الحالة من جذوره العمالية ليتحول إلى مدافع عن البرجوازية ومصالحها التي توفر لهذه الشريحة من النقابيين كل الإغراءات والامتيازات لتنفيذ مخططاتها المعادية للنضال النقابي. ومقابل هذا توجد أفكار النقابة المناضلة التي تعتبر أنّ مصالح العمال متناقضة مع مصالح البرجوازية سياسة وايديولوجيا وتشريعات ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن تحسّن البرجوازية أوضاع العمال من تلقاء نفسها بل الانعتاق الحقيقي والنهائي لن يكون إلاّ بالقضاء على سلطة رأس المال وإقامة الجمهورية الشعبية بقيادة العمال وشركائهم في المصالح من الفلاحين الصغار والفلاحين الفقراء والبرجوازية الصغيرة والمهمشين. ولكن قبل ذلك لا بدّ من النضال بلا هوادة من أجل افتكاك بعض المكاسب ولو كانت جزئية. فستبقى مراكمة كمية مهمة في اتجاه قلب موازين القوى لصالح الطبقة العاملة.

ولكن واقع الاتحاد العام التونسي للشغل رغم ما يبدو عليه من تماسك ورغم المحاولات لطمس الصراع داخله فإنّ التيار النقابي المناضل رغم تشتت مشاربه فإنه يصارع البيرقراطية والرجعية (دساترة واخوانجية) وما انفك يحقق بعض الانتصارات الجزئية في هذا القطاع أو ذاك. لكن تشتت القوى النقابية المناضلة لم تستفد منه إلاّ القوى الرجعية لتجد الفرصة لتمرير سياساتها المعادية للطبقة العاملة باستعمال شعارات فاشستية لا يدل ظاهرها عن باطنها من نوع شعار “السلم الاجتماعية” المغشوش.

وقد تشكلت خلال السََنوات الأخيرة والتي تميزت بتردد القيادات النقابية البيرقراطية توجهات جديدة متمردة في ظاهرها عن كل ما هو سائد ولكن في عمقها ليست إلاّ احتياطيا للرجعية والبيرقراطية النقابية، هذه التوجهات تمثلت أساسا في بعض الرموز الافتراضية تنشط وتتحرك في الخفاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي وهي منتشرة في كل القطاعات دون استثناء والأكيد أنّ النقابيين قد لاحظوا هذه الظاهرة ومن بعض خصائصها؛

الدفع بهذا القطاع أو ذاك إلى الفوضى والتحركات* الرافضة للأطر النقابية وتأطيرها وبالتالي يضطر النقابيون في أغلب الأحيان إلى مجاراة هذه الفوضى وعادة ما تكون النتيجة هي الإحباط لدى القواعد وفقدان الثقة في النضال.

*الدعوات إلى الانسلاخ عن الاتحاد العام التونسي للشغل باستغلال تردد القيادات البيرقراطية وتخليها عن المطالب الحقيقية للشغيلة بل وانحيازها أحيانا إلى السلطة والقبول بتحمل الشغيلة تبعات الأزمة التي لم يتسببوا فيها اطلاقا.

*اعتماد السب والتشويه والتخوين للنقابيين من أجل عزلهم عن القواعد وبالتالي تتعزز فكرة الانسلاخ والعزوف (على الأقل).

إنّ هذه الخصائص تؤكد أنّ هذه الظاهرة ليست ظاهرة عفوية ومعزولة بل هي “قوة” منظمة تحمل خلفية سياسية وايديولوجية واضحة هدفها هو مزيد تشتيت الشغالين بالفكر والساعد وقطع الطريق أمام تحررهم وانعتاقهم وبذلك يمكن التأكيد على أنّ القوة الدافعة لهذه الظاهرة هي دون شك البرجوازية وأحزابها اليمينية الليبرالية والدينية على حد السواء.

وهكذا فإنّ القوى النقابية التي تؤمن بالعمل النقابي الديمقراطي المناضل مطالبة اكثر من أيّ وقت مضى بتحديد أعدائها في الصراع وأن ترصّ صفوفها للتصدي لمحاولات تركيع الطبقة العاملة وتهميشها لأنّ أعداء الطبقة العاملة موحدون في أطرهم السياسية (أحزاب) والنقابية (منظمة الاعراف) ولا بديل عن النضال بلا هوادة ضد هذا العدو وأذرعه الظاهرة منها والمتخفي، وهو ما يقتضي بالضرورة أحياء تقاليد الصراع النقابي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل لتوفير فرصة الفرز الطبيعي بين أصدقاء الطبقة العاملة وبين أعدائها.

عياشي بالساحلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

واحد × أربعة =

إلى الأعلى