الرئيسية / صوت العالم / قمع حركة التضامن مع فلسطين: “فرنسا هي هي، فرنسا استعمارية!!!”
قمع حركة التضامن مع فلسطين: “فرنسا هي هي، فرنسا استعمارية!!!”

قمع حركة التضامن مع فلسطين: “فرنسا هي هي، فرنسا استعمارية!!!”

بقلم وليد بالضيافي

منذ بضعة أسابيع، نشر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمعية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبدالله الثاني “نداء من أجل وقف إطلاق النار” في غزّة.
كُتِب النداء في الوقت الذي لا يزال قمع حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في فرنسا متواصلا. ففي 30 أفريل تمّ استدعاء “ماتيلد بانو” رئيسة كتلة حركة فرنسا الأبيّة في مجلس النواب وريما حسن، الفرنسية-الفلسطينية، والمترشّحة لانتخابات البرلمان الأوروبي على قائمة نفس الحركة، للتحقيق معهما بتهمة تمجيد الإرهاب بسبب دعمهما لأهالي غزّة الذين يتعرّضون للإبادة. قبل ذلك بأسبوعين، حُكِمَ على”جون بول ديليسكو”، الكاتب العام لفدرالية الشمال التابعة للكنفدرالية العامة للشغل (CGT)، بسنة سجنٍ مع تأجيل التنفيذ لنفس التُّهم إثر إصدار بيان يساند مقاومة الشعب الفلسطيني. كما تمّ أيضا استدعاء “أنس كازيب”، الناطق باسم حركة “ثورة دائمة”، وعدد من طلبة المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية المنضوون تحت لواء النقابة الطلابية “متضامنون” من طرف وحدة مقاومة الإرهاب التابعة للشرطة العدلية الفرنسية بتهمة “تمجيد الإرهاب” أيضا.
وقائمة النشطاء الذين جرى استدعاءهم للتحقيق لنفس الأسباب طويلة.
العديد من القضايا لم تكن بمبادرة من النيابة العمومية بل جاءت إثر إشعارٍ قام به نوّاب ولوبيات صهيونية. إنها مفارقة حقيقية؛ ففي حين يقف القضاء الفرنسي عاجزا عن التّحقيق في قضايا العنف المسلّط على النساء، يقوم بقبول دعاوى لتجريم التضامن مع الفلسطينيّين دون أيّ أساس. إن تطويع القضاء وتوظيفه بلغ درجة عالية، ممّا دفع رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان لمراسلة وزير العدل طالبا مراجعة المنشور المؤرخ بتاريخ 10 أكتوبر والذي يحثّ القُضاة على تتبّع كلّ شخص يُشهر للعموم أقوالا لصالح أعمال المقاومة الفلسطينيّة. وهو ما يؤكّد بوضوح توظيف الجهاز التنفيذي للقضاء لقمع حركات التضامن.
الجمعيات المنحازة إلى فلسطين هي أيضا مستهدفة من قبل الحكومة الفرنسية. حيث كشفت صحيفة “ستريت براس” أن وزير الداخلية الرّجعي، “جيرالد دارمنان”، يعتزم حلّ ثلاثة جمعيات مساندة لفلسطين وهي لجنة العمل – فلسطين وصامدون باريس وضواحيها وتنسيقية النّداءات من أجل سلم عادلة في الشرق الأوسط – أورو فلسطين (CAPJPO Europalestine). كما سبق أن تعرّض الحزب الجديد المناهض للرأسمالية (NPA) إلى تتبّعات بسبب “تمجيد الإرهاب”، ذنبه في ذلك، حسب الحكومة الفرنسية، أنه ذكّر بطبيعة الكيان الصهيوني الاستعمارية ونعت، وهو محقٌّ في ذلك، فصائل مقاومة الشعب الفلسطيني بـ”المقاومة”. لقد تحوّلت استراتيجية الحكومة الفرنسية إلى استهداف الرموز والشخصيات المعروفة للضغط على آلاف المتظاهرين الذين يواصلون النّزول أسبوعيا إلى الشوارع بعد أن فشلت الاستراتيجية الأولى التي اعتمدتها تُجاه حركة التضامن مع فلسطين والتي ارتكزت على القمع الواسع للاحتجاجات حين حاول “دارمنان” بكلّ الوسائل منع التظاهر لدعم غزّة. كانت قرارات منع التظاهر مرفوقة بانتشار شبه عسكري لقوات البوليس والجندرمة (مدرّعات، أسلحة، غاز مسيل للدموع، وحدات عنيفة…) لتطوّق المتظاهرين وتبثّ الرعب في صفوفهم. لقد تمّ تخطئة آلاف المتظاهرين وإيقاف العديد منهم إضافة إلى تهديد المهاجرين بسحب بطاقة الإقامة. إلّا أن إصرار حركة التضامن مع فلسطين انتصر في النهاية على إرادة السلطة ونجحت في استقطاب آلاف المتظاهرين وقلب موازين القوى لفائدة الشارع. وقد أدّى ذلك، إضافة إلى أحكام المحكمة الإدارية بكسر قرارات السلطة، إلى وضع حدّ لمنع المظاهرات المساندة لفلسطين.
رغم تلك المكاسب، لم يتوقّف قمع الحركة التضامنية، وهو يستهدف اليوم الحركة الطلابية بشكل خاص. لقد نسج طلّاب الجامعات الفرنسية على منوال رفاقهم في أمريكا، فقام طلاب العلوم السياسية في عديد المدن وطلّاب جامعة السوربون بالاعتصام في مؤسساتهم تعبيرا عن تضامنهم مع أهالي غزّة. وجاء ردّ الحكومة الفرنسية بضرب حصار بوليسي على الجامعات وإجلاء المعتصمين بالقوة واعتقال 88 طالبا من بينهم يوم 8 ماي. كما قام عدد من العمداء والولّاة بمنع اجتماعاتٍ وندواتٍ حول فلسطين مثلما حصل في جامعة ليل أين مُنِعت ندوة يشارك فيها ميلانشون وريما حسن.
هذا القمع رافقته حملة شيطنة سياسية-إعلامية سخّرت خلالها البورجوازية والحكومة الفرنسية أدواتها الإعلامية لفائدة الكيان الصهيوني عبر استراتيجيات متنوعة. الاستراتيجية الأولى تمثلت في التستّر على الإبادة الجماعية الجارية في غزة. قامت سيليا شيرول المختصّة في علم الإجتماع بعد مرور 100 يوم من الإبادة الجماعية في غزة وعلى هامش الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، بمتابعة ثلاث نشرات الأخبار التلفزية الأكثر مشاهدة في فرنسا على قنوات تي آف 1 (TF1) (التي تملكها عائلة بويغ) وآم6 (M6) (تتحكّم فيها المجموعة الألمانية برتلسمان) وفرنسا 2 (عمومية) في الفترة الممتدّة بين 8 و14 جانفي. فاق حينها عدد الشهداء 24000، ورغم ذلك لم يتجاوز الوقت المخصّص لمصير أهالي غزة 29 ثانية مقابل 5 دقائق لصالح الكيان الصهيوني.
برنامج “توقّف عند الصورة” (arrêt sur image) قام بنفس التجربة بين 4 و15 فيفري وخلص إلى نفس الاستنتاج: قناة فرنسا2 بثّت إجمالا مقطعين بـ5 دقائق حول أهالي غزة. واحد لتغطية الاحتجاجات ضدّ هجوم محتمل على رفح وآخر حول الصغيرة هند طفلة الستّ سنوات التي اغتالها جيش الاحتلال وهي تحاول طلب النجدة من الهلال الأحمر عبر الهاتف. في المقابل خصصت أكثر من 26 دقيقة لمحتجزي 7 أكتوبر أو لبثّ معلومات صادرة عن الكيان الصهيوني.
في منابر إعلامية أخرى، خيّم على المشهد الإعلامي مناخ من القمع والرقابة. حيث تعرّض عدد من الإعلاميين إلى عقوبات إثر قيامهم بواجبهم في نقل الوقائع أو مكافحة مسؤولين صهيونيّين خلال برامجهم. الصحفي محمد قاسي تمّ استدعاءه من طرف إدارة 5 TV (قناة عمومية) بعد تصريحٍ واجه فيه ناطقا باسم جيش الاحتلال. كما يواجه الفكاهي “قيوم موريس” إمكانية فسخ عقد عمله مع فرانس أنتار (راديو عمومي) بسبب نكتة حول الوزير الأوّل المجرم للكيان الصهيوني وذلك رغم قرار العدالة بإسقاط التتبّعات ضدّه.
هيئات تحرير أخرى اعتمدت خيارا آخر تمثل في التحوّل إلى بوق للدعاية الصهيونية عبر نشر مغالطاته. على سبيل المثال، لا يزال مقال تحت عنوان “ضابط إسرائيلي يدّعي اكتشاف رضّع مقطوعي الرأس في كيبوتز هاجمته حماس” منشورا إلى حدّ الآن على موقع صحيفة لوفيغارو (التي يملكها دسولت) رغم أن هذا الخبر قد وقع تفنيده من طرف العديد من الصحف، بما في ذلك صحف صهيونية. على قناة BFM (التي يمتلكها الفرنسي- الإسرائيلي دراهي)، تحوّلت معاداة الصهيونية إلى “معاداة سامية الكسكسي” (antisémitisme coucous) في إشارة عنصرية ومغلوطة لأصول المشاركين في المظاهرات. كما يقع أيضا استدعاء ناطق سابق باسم جيش الاحتلال على أنه خبير مختصّ في “المجتمع الاسرائيلي”. ولا تتوقف معاداة المسلمين (الإسلاموفوبيا) والمغالطة عند هذا الحدّ لدى الصحافة البورجوازية. مناخ الإنكار (négationnisme) يخيّم على المنابر التلفزية. في إذاعة فرانس أنتار، تعرّضت “ريما حسن” إلى الضغط لأنها استعملت كلمة إبادة جماعية لتوصيف ما يقع في غزة، في الوقت الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة تقارير في هذا الاتجاه. وقد وصل الأمر بشبه فيلسوف تمّت دعوته على قناة BFM للإفتاء بكون موت الأطفال لا يتساوى.
هذا غيض من فيضٍ من عيّنات الأهوال التي يمكن أن نستمع إليها أو نقرأها في وسائل الإعلام البورجوازية.
أمّا على المستوى السياسي، فإنّ أغلبية ماكرون لا تخفي مساندتها للكيان الصهيوني، حيث كانت رئيسة مجلس النواب أوّل من عبّر عن دعمها اللامشروط للكيان، ثمّ زارت الكيان الصهيوني لمساندة جيش الاحتلال في ذروة الإبادة الجماعية، وقد تلت ذلك زيارات أخرى من طرف وفود برلمانية.
ورغم تراجعها عن تلك التصريحات أمام حجم فضائع الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال، فإن ذلك لم يمنعها من استقبال رئيس الكنيست، الذّراع التشريعي للاستعمار الصهيوني.
لن أتوسّع كثيرا في هذا المقال حول التعاون الاقتصادي والعسكري مع الكيان الصهيوني، فعلى المستوى العسكري مثلا تدّعي الحكومة الفرنسية أنها لا تزوّد الكيان المحتل بأسلحة قتالية. ورغم ذلك، فقد كشفت منظمة Disclose في 25 مارس الفارط إرسال مائة ألف قطعة رشاشة إلى الكيان الصهيوني من قبل شركة Eurolinks التي يوجد مقرها في مرسيليا. كما لا يفوتنا التذكير بشكر نتنياهو لماكرون إثر مساهمة فرنسا في التصدّي للغارات التي شنّتها إيران على الكيان الصهيوني ردّا على هجومه ضدّ القنصلية الإيرانية في دمشق.
كل ذلك يؤكّد مرّة أخرى أن ماكرون وحكومته متواطئان مع الكيان المُبيد، رغم النداء المزيّف المُمضى مع الدكتاتوريات العربية التابعة. هم أيضا متواطئون، حيث تقمع هذه الأنظمة كل تعبيرات التضامن مع الشعب الفلسطيني. كأن هؤلاء “الزعماء” لا يمتلكون أدوات حقيقية وفعّالة للضغط على الكيان الصهيوني لوقف حرب الإبادة.
إن شعار “فرنسا هي هي، فرنسا استعمارية” الذي ردّده المتظاهرون في تونس يلخّص جليّا سياسة فرنسا الحالية تجاه حركة التحرر الوطني الفلسطينية.

إلى الأعلى
×