بقلم : علي الجلولي
فقدت الحركة التقدمية يوم 19 أفريل الجاري أحد المناضلين الكبار المربي والشاعر والفنان والحقوقي والمناضل السياسي والنقابي الأستاذ عبد الرحيم الماجري. وتعدد الصفات ليس بذخا تكريميا بل هو جزء من شخصية المناضل الكبير والإنسان الطيب والمثقف الشمولي الذي لم تمر لحظة من عمره دون فعل ملتزم.
لقد التحق الأستاذ وهو يزاول دراسته بكلية الآداب بتونس بوكالة تونس إفريقيا مترجما وذلك سنة 1967 حيث تابع أخبار حرب جوان لحظة بلحظة، و كان أول المختطفين لخبر تصفية القائد الأممي تشي جيفارا. لكن هذا العمل المكتبي لم يكن ليلبي طموحه فالتحق بالتدريس في التعليم الثانوي وقضى سنوات طوال في جهة سيدي بوزيد التي أحبها وأحبته. كان نقابيا في الصفوف الأولى وكان ذي صوت عال في دور الاتحاد وفي تجمعات النقابيين مناضلا وشاعرا كما كتب المقال بأصنافه في الجرائد والمجلات المحلية والعربية. التحق بعد تأسيس كلية الآداب برقادة لتدريس مادة الحضارة والتي انسحب منها وعاد إلى المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية احتجاجا على قمع الحركة الطلابية ومناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس أثناء واقعة غرة نوفمبر 1994 حين هجم بوليس بن علي على الحرم الجامعي بعنف رهيب كانت نتيجته إيقاف مئات الطلبة ثم محاكمة 34 منهم أغلبهم من كوادر الاتحاد. يومها لم يصمت الأستاذ بل التحم بالطلبة رافضا دخول البوليس ومنددا بسماح عميدة الكلية بذلك. لقد بقيت في ذاكرة المشاركين في تلك الأحداث صورة ذلك الرجل ذي الشعر الأبيض الذي كان يجوب الساحة جيئة وذهابا ويصيح ضد صوت العميدة من مكبر الصوت لدعوة الطلبة لمغادرة الساحة.
ولم يقف دور الأستاذ الذي كان يترأس حينها فرع الرابطة بالقيروان على ذلك، فقد علم أن البوليس دعا أغلب عمال الكلية والحي الجامعي للإدلاء بشهادات تدين الطلبة الموقوفين، حينها اتصل ببعض الأساتذة الذين يفترض فيهم استقلاليتهم عن السلطة وحزبها، وعده البعض بالإمضاء على شهادة تنقل حقيقة ما جرى بالضبط، وفي الموعد المضبوط في أحد بلديات المدينة وجد الأستاذ نفسه لوحده فأمضى وحيدا وقرر مغادرة الكلية والعودة إلى التعليم الثانوي أين استمر أستاذا حتى تقاعده.
إن الحادثة المذكورة تعكس معدن الرجل ومبدئيته الصارمة. لم يكن يقبل أنصاف الحلول في القضايا الجوهرية. لقد وجدت وجيلي فيه معينا لا ينضب وربطتني به علاقة عميقة ووجدت فيه السند في أكثر لحظات سنوات الجمر صعوبة بما في ذلك حين كنت في حالة فرار بعد أحداث 1 نوفمبر إذ كنت أتسلل إلى بيته ليلا في الحي الشعبي طريق حفوز أين كان يستقبلني دون خوف ولا ضجر.
كان يدخلني إلى مكتبته التي تحتوي آلاف العناوين كما أراني العديد من رسومه وأطلعني على بعض من ترجماته التي تهم مصادر أدبية وفكرية متنوعة وخاصة من الأدب الاشتراكي الذي يُعدّ الأستاذ أحد أبرز المتشبعين به تنظيرا وممارسة.
لقد كان تجسيدا للمثقف العضوي الشمولي والمشتبك مع السائد الفكري والاجتماعي والسياسي.
ناضل فقيدنا منذ شبابه في صفوف اليسار والتحق بحزب العمال الذي ظل منخرطا فيه حتى رحيله، كما خاض تجارب قصيرة مع أحزاب قانونية مناضلة ضد دكتاتورية بن علي. لقد كان الراحل منشغلا بضرورة وحدة الحركة الديمقراطية للتصدي الجماعي للاستبداد. كما ظل منشغلا حتى رحيله بأهمية وحدة اليسار في فصائله الأساسية الثورية كما كان دائما يردد. لم يكن دغمائيا ولا منغلقا، لكنه كان صارما في الخيارات الكبرى.
لم يبعده المرض عن متابعة ما يجري في القيروان ولا في تونس والمنطقة والعالم. كان يعلق على الأحداث على وسائل التواصل الاجتماعي وأصدر أشهرا قبل مغادرته آخر ديوان له. ظل يتابع أبرز الأنشطة العامة، ولم يستطع التخلف عن مواكبة إحياء الذكرى 30 لأحداث رقادة يوم 1 نوفمبر 2024 حيث أعاد الإدلاء بشهادته على الأحداث وقرأ بعضا من شعره.
لقد فقدت القيروان أحد قاماتها المناضلة. لقد عاش شريفا نظيفا نزيها متعففا. لقد ترك عشرات المخطوطات التي لم تنشر كتابة وترجمة، فضلا عن الرسوم والكاريكاتور. لقد حافظ على صرامة نقده ووضوح مرجعياته لذلك كان خصما أبديا للبلاط وأدبائه وزبانيته.
إننا نفقد برحيل أستاذنا ورفيقنا أحد علامات الطريق في أوضاع سير صعبة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
