الرئيسية / عربي / حول فشل مؤتمر برلين حول السودان
حول فشل مؤتمر برلين حول السودان

حول فشل مؤتمر برلين حول السودان

بقلم : الشاذلي المغراوي

عاشت السودان كغيرها من بعض الدول العربية انتفاضة عارمة أو ثورة أطاحت بنظام عمر الحسن البشير. إلا أن تلك الثورة أو الانتفاضة لم تعمّر طويلا إذ سرعان ما تدخلت القوى الامبريالية لوأدها أو إجهاضها. فبعد تجربة البداية التي عرفت حكما مدنيا ونوعا من الديمقراطية نتيجة الاعتصامات والإجراءات التي شنّتها القوى المدنية (أحزابا ومنظمات مهنية وقوى تقدمية الخ) سرعان ما انقضّ عليها العسكر ممثلا في المجلس العسكري الذي ضم عناصر لها خلفية عسكرية أو ميليشياوية (البرهان/حميدتي). وهو ما فتح الباب لصراعات ومواجهات مكشوفة غذّتها القوى الامبريالية عبر التدخل المباشر وغير المباشر مما جعل السودان يغرق في حرب أهلية طاحنة أدت إلى الخراب والدمار والفظاعات العديدة كالتقتيل الجماعي والأمراض والتهجير. الخوقد برزت نوايا القوى العسكرية التي تريد الاستئثار بالحكم حتى تمّ الانقسام بين قوى تحظى بالشرعية الدولية (البرهان) وقوى أخرى فرضت شرعيتها عبر السلاح (حميدتي قائد ما يسمّى بقوات الدعم السريع وهي في الحقيقة فصيل من خلايا ميليشياوية قديمة منذ عهد نظام البشير وكانت تعرف باسم الجنجويد). وقد غذى هذا الصراع الدول الامبريالية والعربية لضرب وحدة السودان وإجهاض ثورته للسيطرة على ثرواته وخياراته (مناجم الذهب والمعادن والنفط وخصوصا الأرض وسعتها). وإزاء هذا الواقع المتدهور وتزايد استفحال الصراع الذي تغذيه القوى الامبريالية والعربية فكرت تلك القوى حسب اعتقادها في البحث عن بعض الحلول لمواجهة الأزمة السودانية ومن بين تلك الحلولالدعوة إلى عقد مؤتمر برلين بألمانيا لبحث الأزمة السودانية (مؤتمر للحوار).

مؤتمر برلين يحمل مؤشرات فشله

انتهى مؤتمر برلين حول السودان المنعقد في شهر أفزيل 2026 وسط انتقادات واسعة واتهامات بالفشل الديبلوماسي. ووفقا للتقارير والتحليلات فإن ذلك الفشل يعود إلى عدة عوامل سياسية وإجرائية أثرت على فاعلية المؤتمر وشرعيته لدى الأطراف السودانية لعل أهمها:

تغييب الحكومة السودانية عن المشاركة إذ صرّح رئيس الوزراء السوداني قائلا: إن غياب الحكومة وأهل السودان عن المؤتمر، يعني فشل هذا المؤتمر بشكل مسبق وإن الوصاية لا تعني الشعب السوداني. وقد قدمت الحكومة السودانية مذكرة عبرت فيها عن رفضها لهذا المؤتمر واصفة إياه بـنهج وصايةيتجاوز السيادة الوطنية. كما شهدت بعض المناطق وقفات احتجاجية تعبيرا عن رفض الحلول المفروضة من الخارج. كذلك انتقدت بعض المنظمات الحقوقية مثل (اتحاد دارفور في المملكة المتحدة المؤتمر ووصفته بأنه عملية شكلية شبيه بتكرر نماذج سابقة فشلت في وضع الضحايا في مركز الاهتمام ومحاسبة الجناة وشككت في خلق مظهر من التحرك الدولي دون قرارات تغير الواقع الفعلي. فالمشكل ليس في نقص البيانات أو المؤتمرات. بل في غياب أدوات الضغط الحقيقي مثل العقوبات الواضحة على معرقلي السلام وتجفيف مصادر السلاح. كما أثار المؤتمر شكوكا حول معايير اختيار المشاركين وضعف تمثيل القوى المدنية التي تعبر عن القضايا الحقيقية على الأرض مما أدى إلى انقسام داخلي حول جدواه. حيث أن أخطر ما في هذا المؤتمر هو الغياب المتعمد للتمثيل الحقيقي للسودانيين (ضحايا القتل الجماعي والتجويع والتهجير والحصار) حيث تم تهميش المنظمات القاعدية والناجين والأصوات المستقلة بينما جرى مناقشة مستقبلهم في غيابهم. فهذا ليس خطأ عارضا بل فشل بنيوي يقوّض شرعية العملية بالكامل. فهو مؤتمر عن السودان دون السودانيين. والأخطر من ذلك هو استمرار تشريك أطراف يشار لها على نطاق واسع كلها مسؤولة عن العنف وعلى رأسها دولة الإمارات العربية (التمويل والتسليح) ودعم ميليشيات الدعم السريع ومع ذلك يتم التعامل معها كشريك في الحوار بدل مساءلتها. فهذا ليس حيادا بل إضفاء شرعية لمن يقف خلف الجرائم.

فمؤتمر برلين ليس حالة استثنائية بل هو جزء من نمط متكرر في التعاطي الدولي مع السودان، أي لا بدّ من:

وضح الضحايا في مركز الاهتمام

محاسبة الجناة

تفكيك البنية التي تتغذى منها الحرب

فمن مؤتمر باريس إلى لندن إلى برلين الآن يتكرر نفس النموذج وتكرر نفس النتائج وفي المقابل على الأرض يتواصل تقتيل المدنيين وتدمير المجتمع وتستمر الجرائم دون توقف.

إلى الأعلى
×