بقلم ابراهيم حمرشة ونجد النصيبي
لا يمثل استشهاد الرفيق نبيل البركاتي في الثامن من ماي 1987 مجرد واقعة اغتيال سياسي ضمن سجلات القمع البورقيبي، بل هو، في جوهره المادي الجدلي، تجلّ صارخ للصراع بين قوى الجمود الطبقي المتمثلة في آلة الدولة البوليسية، وبين قوى الحركة التاريخية التي جسدها مناضل شيوعي وعضوي. إن قراءة تجربة نبيل البركاتي أكاديميا وتاريخيا تفرض علينا تجاوز الرثاء العاطفي نحو تحليل الفعل بوصفه المحرك الأساسي للتاريخ.
من وجهة نظر مادية، كان جسد نبيل البركاتي في أقبية مركز شرطة قعفور يمثل المادة في أقصى درجات صمودها الواعي.
الديكتاتورية البورقيبية، التي دخلت آنذاك مرحلة التحلل البنيوي والأزمة الاقتصادية والسياسية، حاولت عبر التعذيب كسر الوعي الطبقي الكامن في المناضل.
لكن الجدل هنا يكمن في تحول الكم إلى كيف. فكل طعنة وكل أداة تعذيب سلطت على جسد نبيل لانتزاع اعتراف أو خيانة، كانت تتحول بوعيه الجدلي إلى قوة دفع معنوية للأجيال القادمة.
لقد أدرك نبيل البركاتي أن جسده مادي وزائل، لكن الأثر الذي سيتركه هو المادة التي لا تفنى، بل تتحول من شكل جسد مناضل إلى شكل آخر وعي جماعي ثوري.
وتكتسب مقولة الشهيد “الحياة تطول أو تقصر تلك أمور نسبية، المهم هو الفعل وما يتركه الإنسان من أثر”، قيمة معرفية في النهج الماركسي. إنها ترفض الزمن السكوني الذي تفرضه السلطة لتدجين الشعوب، وتتبنى الزمن الثوري زمن التحرر والعناد. كسر شهيدنا أسطورة الأب المجاهد الأكبر وكشف وجهها القبيح، ممهدا الطريق لانهيار الشرعية البورقيبية وفضح الديكتاتورية النوفمبرية التي لم تكن إلا استمرارا لنفس البنية الطبقية القمعية.
صار هذا الأثر هو البوصلة التي وجهت الشباب المناضل في دهاليز السرية، وفي شوارع الثورة المجيدة في 17 ديسمبر و14 جانفي، وصولا إلى مواجهة الالتفاف الخوانجي على الثورة.
إن إرث شهيد الكلمة لم يظل حبيس الثمانينيات، بل خضع لعملية تطور جدلي مستمرة من مرحلة التجمع أين كان ذكراه وقودا للتنظيم السري والحراك الثوري، حيث تكرس مبدأ “من تكلم خان”.
إلى مرحلة الترويكا أين تجلى الأثر عند الوقوف ضد محاولات تدمير الدولة المدنية وتوظيف الدين لتأبيد الاستغلال الطبقي، فكانت قيم العناد الشيوعي هي السد المنيع.
وفي اللحظة الراهنة من زحف الفاشية الشعبوية يعود صمود شهيدنا اليوم كضرورة موضوعية. إن مواجهة الانقلاب على المكتسبات الديمقراطية وإرساء السياسات الشعبوية تتطلب بالضرورة ذات الخط الذي تمسك به نبيل. فالوعي المتجذر الذي تركه لا يقبل المساومة أو الانتهازية.
إن بناء الأجيال فكريا وميدانيا على نهج نبيل البركاتي ليس تلقينا لنصوص جامدة، بل هو تربية كفاحية. “لا رفيق لي غير رفيقي الخطي” هي الصياغة الأدبية للوحدة الأيديولوجية والتنظيمية.
لقد علمنا نبيل أن المناضل لا يولد من العدم، بل يصنعه الصراع الطبقي اليومي، وتصقله مرارة التعذيب التي تتحول في ذاكرة الشعوب إلى حلاوة النصر الآتي.
إن نبيل البركاتي، ومن خلال وحدة الكلمة وصدق الفعل، قد هزم الجلاد تاريخيا. الجلاد الذي حاول محو أثره صار نسيا منسيا في مزابل التاريخ، بينما ظل نبيل البركاتي مفتاحا للوعي تستخدمه الأجيال لفتح أبواب الحرية. إن مرارة التعذيب كانت الضريبة المادية لإنتاج فكر مقاوم لا ينكسر، مؤكدا أن الصراع الطبقي هو المحرك الوحيد للتاريخ، وأن الشهيد هو المحفز الذي يسرع وتيرة هذا المحرك نحو تحرر الإنسانية الشامل.
إن أثر نبيل البركاتي اليوم هو الرد الحاسم على كل أشكال الاستبداد. فالحقيقة ثورية، والأثر باق ما بقي الاستغلال.
صوت الشعب صوت الحقيقة
