بقلم : كمال عمروسية
اندلعت الحرب الاهلية السودانية في 15من شهر أفريل سنة 2023 بين قطبي النزاع الرئيسيين، الجيش السوداني من ناحية وقوات الدعم السريع من الناحية الأخرى. هذا وقد ألحقت هذه الحرب دمارا يكاد يكون شاملا وقوّضت مقومات الاقتصاد السوداني المتهالكة أصلاً وأنهكت شعبه وقطّعت أوصاله، إذ راح ضحيتها المئات والآلاف من القتلى والجرحى كما أنتجت أزمة اجتماعية خانقة، سماتها انتشار الفقر والبؤس والمجاعة وإفراز جيوش من المعطلين عن العمل، كما وأدت فرص نهوض سودانية، وخيّم على البلاد شبح التقسيم والتفتيت وحوّلها الى مسرح للتجاذبات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية. هذا وقد احتضنت مدينة جدة في 11مارس من سنة 2023 برعاية أمريكية–سعودية ملتقى أولا أفضى الى إعلان أول كان الهدف منه حماية المدنيين و محاولة لوقف إطلاق النار إلا أن هذه المبادرة كان مصيرها الفشل المحتوم و العجز عن وقف آلة الحرب المدمرة، قبل ان يلتئم اجتماعا ثان بالعاصمة الكينية نيروبي خلال الشهر الجاري وبدعوة من قوى سياسية و مدنية أبرزها تحالف “صمود” علاوة على بعض الحركات المسلحة أشهرها حركة تحرير السودان بقيادة المحامي و السياسي عبد الواحد محمد نور أحد أبرز قادة التمرد في إقليم دارفور غرب السودان. إن هذه المبادرة الأخيرة يحوم حولها لغط و جدل كبيرين فهل في وسعها أن تضع السودان أمام إرهاصات جدية على درب إنقاذ البلاد و العباد؟ أم أنها لا تعدوا أن تكون إلا فرصة ثمينة من أجل التقاط أنفاس القوى المتناحرة وإعادة تشكيل جديد لميزان القوى بين أطراف و أمراء الحرب في المنطقة؟
السودان الحديث: حروب لا تنتهي
بالعودة الى التاريخ الحديث للبلاد السودانية نستشف بوضوح أن البلاد كانت على للدوام رقعة جغرافية ميزتها الأساسية الصراع المفتوح حول الحكم و الاستحواذ على مقدرات الشعب السوداني بما أن جذور الحرب تعود الى ما قبل الاستقلال، إذ أن الحرب الأهلية الاولى(1955/1972) انطلقت شرارتها الأولى ضد خيارات التهميش و رفضا لهيمنة الشمال وكان من نتائجها منح الجنوب حكما ذاتيا، سيمثل لاحقا حدثا قادحا لحرب أهلية ثانية (2005/1983) وذلك بعد قرار يقضي بإلغاء اتفاقية الحكم الذاتي فاشتعل فتيل حرب دموية راح ضحيتها اكثر من 2,5 مليون قتيل. كما يتواصل الى يوم الناس هذا الصراع حول إقليم دارفور غربي السودان أين تمارس أفظع وأبشع الجرائم ضدّ الإنسانية. كما أن الانتفاضة الشعبية بتاريخ ديسمبر 2018 وإن استطاعت الإجهاز على نظام عمر البشير في افريل 2019 فلقد عجزت على إرساء نظام وطني وديمقراطي يكرس السيادة الشعبية ويقوض أركان ومصالح الرأسمال الطفيلي وينهي نفوذ المؤسسة العسكرية. فإذا كان النشاط الاقتصادي يربح ويكدس الثروة فإنه في نفس الوقت قد يبني ويشيد، إلا أن الطغمة الرأسمالية الطفيلية التي تهيمن منذ عقود على الدولة السودانية ظلت تسعى دوما الى التخريب والتمزيق و الهدم و التدمير. وكي تضمن ديمومة مصالحها وتكثف من أعمال نهبها وامتصاص دم وعرق الشعب السوداني كان عليها أن تؤبد حالة عدم الاستقرار و التناحر بل ان المناخ الذي تغيب فيه الديمقراطية و العدالة و السلم يعد مثاليا حتى تمارس نهمها وجشعها و لزاما عليها حماية مصالحها بترسانة من الاجراءات و الأجهزة الأمنية و العسكرية واقتسام النفوذ ولهف الثروات و الخيرات و توزيع الفتات و الأوهام على الشعب الاعزل وسحق العمال و الفلاحين الفقراء.
إن الجوهر الطبقي للدولة السودانية يكرس هيمنة رأسمالية طفيلية وكمبرادور و اقتسامها لكعكة الحكم مع النخب العسكرية و الأمنية علاوة على البرجوازية التجارية و النخب البيروقراطية، و كل ذلك على حساب الشغالين و الفلاحين و البسطاء و حتى يخفي أباطرة الحكم استغلالهم الطبقي مع إحكام قبضتهم على السلطة السياسية يلتجؤون الى افتعال الحروب والنعرات الدينية و العشائرية و إثارة الحروب وسفك دماء الأبرياء لإلهاء الطبقات الكادحة عن قضاياهم الأساسية و إيجاد مبررات يفسرون بها الانهيار الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و القيمي و الإنساني. أمام أهوال الحروب تنشط و تتعدد المبادرات و المحاولات لإيقاف نسق القتل و سفك الدماء ونشر السلام، وفي هذا السياق ظهر إعلان المبادئ الثاني ولكن ماهي حدوده؟ وماهي مضامينه؟ و في مصلحة أي جهة يصب؟ كلها و غيرها أسئلة مشروعة تفرض نفسها، فلئن كان ظاهريا الإعلان نابعا عن قوى مدنية و سياسية و حقوقية و شخصيات مستقلة سودانية فإن ذلك لا يخفي أن خيوط اللعبة يتم تحريكها وفقا لمصالح أقلية داخلية و قوى هيمنية استعمارية خارجية.
لقد أسفر اجتماع نيروبي على ضرورة وقف الحرب و إنهاء معاناة السودانيين من خلال ميثاق سياسي و سن دستور انتقالي وفقا لخارطة طريق واضحة المعالم مع دعوة لبناء جبهة مدنية واسعة لمناهضة و تحميل المسؤولية للمتسببين في الأزمة خاصة “المؤتمر الوطني” و “الحركة الاسلامية“. بهذا المعنى اقتصر الإعلان على بعدين وتكثف في شعارات منطلقها وقف الحرب من ناحية وتكريس الدولة المدنية من ناحية ثانية. إن هذا الإعلان في تقديرنا فقير وأجوف من فؤاد أمّ موسى فالحدود المرسومة له تتعلق بتسوية سياسية فوقية دون الولوج الى أمهات القضايا التي دون العمل على حلها سيظل السودان دولة ممزقة وغير موحدة وبؤرة لنزاعات قديمة وجديدة. الإعلان لم يتطرق الى الجانب الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وأهمل أو تغاضى عن إعادة توزيع واقتسام الثروات. إن إيقاف الحرب على أهمية هذا الحدث الجلل إذا كُتب له أن يرى النور يبقى غير كاف، فالشعب السوداني في أمسّ الحاجة إلى خيارات اقتصادية جديدة تقطع مع المنوال الحالي. إن أي تسوية فوقية لن تكون في مصلحة الجماهير الشعبية ولن تدحض أزمة البطالة والفقر والمجاعة والأوبئة ولن تضع حلا لمعضلة النزوح والهجرة وانهيار الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرها. إن الحلول والتسويات تبقى في مصلحة النخب السياسية والعسكرية وتؤبد هيمنة القوى الطبقية المسيطرة منذ عقود خلت.
لا مستقبل للسودان وشعبه الكادح في ظل هيمنة ميليشيات مسلحة تعربد من الشرق الى الغرب، إن الحل يكمن في تأسيس الدولة المدنية والديمقراطية والمسلحة ببرنامج اجتماعي وتضمن الحريات العامة والفردية وتكرّس مبدا الترشح والانتخاب والعمل على بعث مؤسسات تمثيلية مدنية تستجيب لطموحات ونضالات شعب تواق التحرر والانعتاق.
أن مستقبلا مشرقا للبلاد السودانية لن يكون إلا على أنقاض القوى الطبقية الرجعية المهيمنة والمسيطرة حاليا، ان التسويات لا مصلحة للشعب السوداني فيها وخلاصه لن يكون إلا من خلال مشروع وطني ديمقراطي وشعبي يضع حدا للتدخل الخارجي ويؤمن ويستجيب لطموحات الجماهير السودانية في قرار سياسي مستقل وسيادة فعلية وتكريسا للعدالة على مختلف الواجهات.
صوت الشعب صوت الحقيقة
