الرئيسية / عربي / فرنسا تسعى إلى استعادة مكانتها الاستعمارية في سوريا
فرنسا تسعى إلى استعادة مكانتها الاستعمارية في سوريا

فرنسا تسعى إلى استعادة مكانتها الاستعمارية في سوريا

بقلم كمال عمروسية

يبدو أنه هناك توجه فرنسي جديد لا سيما بعد الخسائر التي تكبدتها مع التراجع المنقطع النظير للنفوذ السياسي و الاقتصادي في إفريقيا بعد سحب قواتها العسكرية وقطع علاقاتها الديبلوماسية مع دول مثل مالي و بوركينافاسو و النيجر علاوة على السنغال و ساحل العاج ثم التشاد، ولعل هذه القطيعة دفعت بالرئيس الفرنسي إيمانيوال ماكرون بالإقرار رسميا بانتهاء حقبة مناطق النفوذ، مما أجبر فرنسا إلى الانفتاح على دول افريقية غير ناطقة بالفرنسية، كما أعادت رسم علاقاتها بالدولة السورية وربما الزيارة الأخيرة لساكن الإيليزي يومي 6 و 7 جويلية من السنة الجارية قد تذهب في هذا المنحى، فما هي أهداف هذه الزيارة؟ وفي أي سياق تاريخي تندرج؟ وما هي الدوافع والخلفيات؟

في العلاقة الفرنسية السورية تاريخيا

إن هذه العلاقة ضاربة في القدم و تعود جذورها الى بداية النفوذ الفرنسي في منطقة بلاد الشام و تحديداً منذ القرن السادس عشر إذ مكنت الدولة العثمانية الجانب الفرنسي من امتيازات متعددة، حيث تمتن هذا النفوذ و أخذ أبعادا متنوعة، ثقافية و اقتصادية و تجارية و تعليمية، إذ أصبحت اللغة الفرنسية مهيمنة، وبموجب اتفاقية سايس بيكو الاستعمارية وعلى اثر سقوط الامبراطورية العثمانية تمكن الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورومن احتلال دمشق وامتد هذا الاحتلال من سنة 1920 إلى حين تاريخ الجلاء سنة 1946 وذلك تحت صمود المقاومة الوطنية و استغلالها الظروف العالمية التي مكنتها من دحر المستعمر. هذا وقد شهدت العلاقة بين الدولتين تقاربا لافتا منذ بداية السبعينات مع وصول حافظ الأسد إلى دفة الحكم، ولقد تمكن جاك شيراك من تعزيز نفوذ فرنسا في سوريا خاصة والشرق الأوسط بصفة عامة. هذا وقد استمرت العلاقة المتينة بين الدولتين حتى طيلة الفترة الأولى بعد توريث الحكم لبشار الأسد إلا أن هذا الهدوء الذي جمع الطرفين لعقود لم يستمر بل جدت معطيات أربكت العلاقة الديبلوماسية بين الدولتين وقادتها لاحقا إلى القطيعة ولعل اغتيال رفيق الحريري سنة 2005 يمثل أحد أبرز هذه الأحداث. فليس خافيا أن فرنسا اتهمت النظام السوري بالضلوع في جريمة الاغتيال. مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا سنة 2011 التي جوبهت بالقمع العسكري وذلك ما دفع فرنسا إلى اتخاذ موقف القطيعة مع نظام بشار الأسد وأغلقت سفارتها في دمشق إلا أنها مباشرة بعد سقوط نظام بشار سارعت مجددا إلى إعادة علاقاتها مع الحكومة الانتقالية بقيادة احمد الشرع ساعية إلى تطوير ديبلوماسيتها مع فتح صفحة جديدة على أمل استعادة هيمنتها الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية.

فرنسا الإمبريالية والحنين إلى نفوذها الاستعماري في سوريا

علينا أن ندرك أن حكام قصر الإيليزي لم يكونوا أصدقاء مطلقا للشعب السوري ولا تغرننا مقولات الدفاع عن الحرية و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان التي روج لها خاصة النظام الفرنسي بعد سنة 2011 إذ كان يهدف أن يظهر نفسه للعالم بمظهر المدافع عن حق الشعب السوري في الحرية و الديمقراطية. إن الأنظمة الإمبريالية تدوس على حقوق الشعوب و تنهب ثرواتها و خيراتها، غير أن الدعاية المضللة التي تطلقها من حين لآخر مثل الشريك المتميز” “الانفتاحودعم الاقتصادوهلمجراكلها مساحيق تخفي جشعا رأسماليا و من واجبنا أن ننزع القداسة العاطفية عن العناوين السياسية الفضفاضة ومن المهم أن نجزم أن السياسة الفرنسية تجاه سوريا من تاريخ الانتداب إلى يوم الناس هذا ليست إلا جزءا من صراع الطبقات و البحث المستمر و المتكرر عن أسواق جديدة. لقد صرح ماكرون أثناء زيارته إن بلاده ستعيد إلى سوريا أكثر من 50 مليون يورو بعنوان أموال مصادرة على ذمة عائلة الأسد، هذا بالإضافة إلى أنها ستعيد 21 قطعة أثرية كانت في حوزة معهد العالم العربي في باريس، كما تم الإعلان عن عودة الشركات الفرنسية من خلال إعادة الأعمار وذلك أساسا في قطاعات الطاقة و الخدمات اللوجستية و النقلوهنا مربط الفرس، فالاقتصاد الفرنسي الذي يعيش الركود مع أزمة مالية لا يتوجه نحو سوريا عن طيب خاطر أو بدوافع إنسانية متمثلة في إعادة الأعمار، بل إن المصارف الكبرى و الشركات الاحتكارية الفرنسية تسعى إلى تصدير رؤوس أموالها الفائضة و تحقيق أرباح خيالية على أنقاض أرض أنهكتها و دمرتها الحروب، وذلك يمثل غزوا استعماريا جديدا ولا حاجة فيه للجنرالات و الدبابات و الطائرات. من خلال خطاب الأكاذيب والتضليل تسعى البرجوازية الفرنسية إلى خلق شرعية أخلاقية لتبرير توسعها الاقتصادي و نهبها لمقدرات الشعوب المستهدفة وكي تضمن قدرا أكبر من الكعكة التي تتطلع قوى امبريالية أخرى إلى إعادة اقتسامها و لهف نصيبها منها.

إن فرنسا تدرك جيدا أن سوريا تعج بقوى أخرى إقليمية و دولية قد تكون تجاوزتها على الأرض من خلال امتلاكها الأسلحة و الجيوش، بما يفيد ان طموحاتها الإمبريالية التوسعية قد تصطدم بواقع جيوسياسي معقد، وتجري كأن الريح من تحتها بهدف بسط هيمنتها الثقافية و الحضارية و الاقتصادية….على سوريا، فالإدارة الفرنسية تتكالب من أجل أن تضمن أن أي ترتيب سياسي لا في دمشق فقط بل في بيروت أيضا يجب أن يمر عبرها، فتعاملها مع هذين الدولتين يختلف عن بقية دول العالم فهي بمثابة المجال المحفوظ domaine réservé” وهو ما حتم عليها أن تكون من أوائل الدول الغربية التي تعترف بالحكومة الجديدة السورية وإعادة فتح القنوات الديبلوماسية معها. إن هذا الاعتراف يضاف إليه زيارة إيمانيوال ماكرون تضرب عصفورين بحجر: يتمثل الأول في محاولة التضييق على القوى الإقليمية والدولية الأخرى التي تشاركها نفس الأهداف والغايات حتى يتسنى لها إعادة لعب أدوار متقدمة في المنطقة، أما الثاني فهو التسريع بتشكيل تحالف متين بين البرجوازية المحلية السورية والرأسمال الفرنسي. إن طبقة البرجوازية الفرنسية تدرك جيدا أنها لن تحقق أهدافها دون التعاون أو التواطؤ مع طبقة محلية وذلك يكون على حساب الطبقة العاملة السورية والفلاحين الكادحين الذين وحدهم سيتحملون عبء خيارات التبعية للنظام القائم في سوريا وفي النهاية لا حكومة أحمد الشرع وطنية و لا حكومة ماكرون صديقة الشعب السوري.

إلى الأعلى
×