الرئيسية / صوت العالم / الولايات المتحدة الأمريكية: 250 سنة من التأسيس إلى الهيمنة والغطرسة
الولايات المتحدة الأمريكية: 250 سنة من التأسيس إلى الهيمنة والغطرسة

الولايات المتحدة الأمريكية: 250 سنة من التأسيس إلى الهيمنة والغطرسة

بقلم  الشاذلي المغراوي

إن تفكيك مسار قرنين ونصف من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يتطلب تعريتها كظاهرة إمبريالية نمت عبر مراحل تاريخية متسلسلة بدأت منذ لحظة الاستقلال” (إعلان المستوطنين القادمين من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا الانفصال عن بريطانيا) عام 1776، حيث لم تكن الدولة الوليدة سوى مشروع استيطاني توسع على حساب دماء وجثث السكان الأصليين الذين تعرضوا لإبادة جماعية طمست معالمها، بالتوازي مع استعباد أكثر من 12.5 مليون أفريقي تم شحنهم عبر المحيط الأطلسي لتركيز البنية التحتية للاقتصاد الرأسمالي الناشئ. هذا التوسع الداخلي سرعان ما تحول إلى عقيدة سياسية رسمية عُرفت بـ مذهب مونروعام 1823، والذي أعلن بوقاحة أن القارة الأمريكية بأكملها هي منطقة نفوذ حصرية لواشنطن، لتترجم أمريكا هذا المذهب عملياً بقضم نصف مساحة المكسيك عام 1848، ثم الانتقال إلى الاستعمار المباشر خارج حدودها بعد الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، حيث احتلت الفلبين وبورتوريكو وكوبا، واضعةً اللبنة الأولى لإمبراطورية عابرة للبحار مدفوعة بشراهة الشركات الاحتكارية الباحثة عن الأسواق والمواد الخام.

وقد مثّلت الحرب العالمية الثانية المنعطف الحاسم الذي نقل واشنطن من قوة إقليمية إلى زعيمة العالم الرأسمالي بلا منازع، مستغلةً دمار أوروبا لتخرج بأقل الخسائر البشرية وبأكبر المكاسب الاقتصادية، مكرسةً غطرستها النقدية عبر اتفاقية بريتون وودزعام 1944 التي جعلت الدولار العملة المرجعية العالمية الوحيدة المغطاة بالذهب، قبل أن تتنصل من هذا الالتزام في صدمة نيكسونعام 1971 لتطبع عملة بلا غطاء وتفرض البلطجة الماليةعلى الاقتصاد الدولي. وخلال الحرب الباردة، قادت أمريكا المعسكر الغربي تحت شعار احتواء الشيوعية، لتتحول إلى شرطي عالمي دموي زرع الموت عبر التدخل العسكري المباشر في كوريا وفيتنام التي أسقطت فيها واشنطن أكثر من 7 ملايين طن من القنابل، بالتوازي مع رعاية الانقلابات العسكرية الإجرامية عبر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) مثل الانقلاب على مصدقفي إيران عام 1953 وانقلاب بينوشيهفي تشيلي عام 1973، مما أدى إلى تصفية الحركات الوطنية وتركيز أنظمة فاشية تخدم مصالح الكارتيلات الأمريكية.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، دخلت الغطرسة الأمريكية مرحلة القطب الواحدالمتفرد بالكون، وهي اللحظة التي استغلتها واشنطن لفرض النيوليبرالية المتوحشة عبر توافق واشنطنونهب ثروات الشعوب بواسطة صندوق النقد والبنك الدوليين، وصولاً إلى ذروة الجنون العسكري بعد أحداث سبتمبر 2001 وتحت ذريعة الحرب على الإرهاب، حيث شنت حروباً استباقية دمرت العراق وأفغانستان وأسفرت عن مقتل أكثر من 4.5 مليون شخص بشكل مباشر وغير مباشر في مناطق النزاع، ناهيك عن تشييد ترسانة عسكرية مرعبة تضم اليوم حوالي 800 قاعدة عسكرية موزعة في أكثر من 80 دولة عبر العالم بميزانية دفاع فلكية ناهزت 886 مليار دولار، لضمان تطويق أي صعود لقوى منافسة وحماية مصالحها الحيوية.

إن هذه الهيمنة الشاملة تتجلى اليوم في أبشع صورها الانتهازية عبر الدعم المطلق واللامشروط للكيان الصهيوني في فلسطين، حيث لا تكتفي واشنطن بتقديم غطاء سياسي ودبلوماسي عبر استخدام حق النقض الفيتوعشرات المرات لتعطيل الإرادة الدولية، بل تضخ سنوياً مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية المباشرة لتكون الشريك الفعلي في حرب الإبادة والتجويع ضد الشعب الفلسطيني. ورغم هذا الطغيان، فإن المؤشرات الراهنة تؤكد أن الإمبراطورية تعيش مأزقاً بنيوياً وتراجعاً تاريخياً حتمياً، حيث يلتهم الدين الداخلي الأمريكي أرقاماً قياسية تجاوزت 34 تريليون دولار، بالتوازي مع التمرد العالمي المتصاعد ضد هيمنة الدولار وصعود نظام متعدد الأقطاب تقوده قوى صاعدة وتغذيه نضالات شعوب العالم الثالث وقوى المقاومة، مما يؤشر على أن زمن الغطرسة الأحادية ينتهي ليفسح المجال لحقبة جديدة تنتزع فيها الشعوب سيادتها وقرارها الوطني المستقل.

إلى الأعلى
×