يتداول الرأي العام في تونس وخارجها منذ مدّة أنباء متطابقة عن حصول اعتداءات كثيرة في بلادنا على خلفية عنصريّة شملت مهاجرات/ين غير نظاميّين جنوب صحراويّين. وفي هذا السياق تداولت وسائل التواصل الاجتماعي عدّة فيديوهات توثّق بعضا من هذه الاعتداءات في أماكن مختلفة ومنها الفيديو الأخير الذي يصوّر عملية اعتداء جنسي وحشيّة على امرأة جنوب صحراويّة حامل بحضور زوجها. وفي الوقت الذي أثار فيه نشر هذا الفيديو موجة من السخط والتنديد في الأوساط التقدّميّة في تونس وفي الخارج، لم تتوان بعض الأطراف الداعمة للمسار الانقلابي الشعبوي عن اختلاق روايات تزعم أنّ الفيديو المتداول “مفبرك” مع الاستمرار في نفس الوقت في كيل الشتائم العنصريّة للمهاجرين الجنوب صحراويّين والتحريض عليهم. وقد جاء بلاغ وزارة الداخلية مساء الجمعة 5 جوان ليؤكّد صحّة الفيديو ويعلم الرأي العام باعتقال مرتكبي الجريمة. لكن البلاغ لم يتوقّف عند هذا الحدّ فقد أشار إلى “أنّ الأبحاث أثبتت أنّ مقطع الفيديو الذي تمّ بثّه من قارّتين مختلفتين يوثّق لحادثة يعود تاريخها إلى خمس سنوات خلت والتحريّات متواصلة لكشف جميع ملابساتها وحقيقة الترويج لها في هذا التوقيت بالذات بالرغم من مرور مدة زمنية هامة على ارتكابها”. وكأنّنا بوزارة الداخلية أرادت بعد تأكيد ارتكاب الجريمة العنصرية في بلادنا والتعرّف على مرتكبيها، حرف اهتمام الرأي العام عن الجريمة في حدّ ذاتها وتلهيته بالغرض من ترويج الفيديو الذي صوّرها الآن وكأنّ في الأمر “مؤامرة” تحاك ضدّ تونس.
وفي كل الحالات، فإنّ الجريمة العنصريّة الجديدة التي أُميط اللثام عنها سواء ارتكبت قبل خمس سنوات مثلما جاء في بلاغ وزارة الداخليّة أو في مدّة أقرب من ذلك التاريخ، إنّما تأتي لتعرّي الأوضاع الذهنية والنفسية والسياسية والاجتماعية المتعفّنة التي تغرق فيها بلادنا في ظلّ الحكم الشعبوي الفاشي والتي تمثّل العنصريّة أحد تجلياتها الخطيرة المتفاقمة يوما بعد يوم. ولا أدلّ على ذلك من أنّ الحملة العنصرية تجاه الجنوب صحراويين لم يوقفها بلاغ وزارة الداخلية فهي مستمرّة بنفس النسق التصاعدي خاصة عبر الشبكة العنكبوتية التي احتوت خلال المدة الأخيرة دعوات صريحة إمّا لـ”بيعهم” أوحتّى لـ”تسميمهم” أو غير ذلك من الكوارث التي وردت على ألسنة بعض النواب في برلمان الدمى دون أن يحاسب أحد من مرتكبي جرائم التحريض هذه. وليس خافيا أنّ الأوساط المنخرطة في هذه الحملة العنصريّة هي في الغالب مناصرة لقيس سعيد الذي كان أعطى بنفسه إشارة انطلاق هذه الحملة في فيفري 2023 حين ادّعى أنّ هؤلاء المهاجرين جنوب صحراويّين جزء من “مؤامرة” تهدف إلى “تغيير التركيبة الديمغرافية لتونس وطمس هويتها العربية والإسلاميّة”. ولم يكن ذلك سوى وسيلة استعملها قيس سعيّد لتغطية فشله في معالجة أزمة البلاد وتحميل المسؤولية تارة لعدوّ داخلي، “المتآمرون والفاسدون والعملاء والخونة والمحتكرون”، وطورا لعدوّ خارجي، المهاجرين الجنوب صحراويون. كما أنّه وسيلة في ذات الوقت لإخفاء سعيّد سوء إدارته لملف الهجرة غير النظامية وفقا للمعاهدات الدولية التي وقعت عليها تونس وتبرير قيامه بدور حارس الحدود الجنوبية لدول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها إيطاليا مقابل فتات من “المساعدات اللوجستية والماليّة” إضافة إلى إجراءات أخرى تضرب في الصميم السيادة الوطنية التي طالما غالط بها قيس سعيّد الشعب. لقد صادق البرلمان الإيطالي منذ أيام على بعث جهاز أمني مالي ليتواجد على أرض تونس لمراقبة وتنظيم تدفق الهجرة على حدودنا البحرية. ويتوافق ذلك مع ما تعدّه مؤسسات الاتحاد الأوروبي من تحويل بلادنا إلى أرض لجوء عوضاً عن المخيمات في جنوب أروبا بعد رفض بلدان الجوار وغالبيّة أقطار القارة الإفريقية هذه الوصفة المسمومة.
هذا هو ما يريد نظام قيس سعيّد إخفاءه من خلال حملات تسميم الوعي وتحريك النوازع الموغلة في الرجعية من أفكار عنصرية على أساس اللون، وهو ما قطع معه مجتمعنا خطوات جبارة منذ إلغاء الرقّ في أواسط القرن 19 قبل العديد من مجتمعات الغرب. ومن الأساليب المعتمدة في حملات تسميم الوعي، إضافة ترويج الإشاعات والمبالغات وتحويل كلّ فعل إجرامي يرتكبه فرد إلى فعل جماعي مرتبط بلون البشرة، ترويج معطيات مغلوطة كليا وذلك في النفخ في عدد المهاجرين الجنوب صحراويين والادعاء بأنّه يفوق المليون أو حتى المليونين لتمرير كذبة “تهديد التركيبة الديمغرافية”. وتأتي المعطيات الإحصائية الرسمية لتفنّد هذه الادعاءات. ففي 9 أفريل الجاري نشرت وزارة الداخلية عدد المهاجرين النظاميين وهو 33.524 مهاجرا. أما عدد المهاجرين غير النظاميين فالعدد يتراوح بين 20 و100 ألف، وهو عدد ترجّحه المصادر الرسمية وغير الرسميّة. وفي كلّ الحالات فإن النزعة العنصرية لا ترتبط بعدد المهاجرين بل بلونهم أوّلا وثانيا بالفهم الأعرج لظاهرة الهجرة من بلدان الجنوب إلى بلدان الشمال ضمن المعادلات الجيو-اقتصادية التي ثبّتتها العولمة الرأسمالية التي فقّرت بلدان الثروة، ومنها بلدان إفريقيا، وزرعت فيها الفتن والحروب الداخلية حتى تتمكّن الاحتكارات الرأسماليّة من السيطرة عليها ونهب مقدراتها وهو ما يدفع بالعديد من أبنائها إلى الهجرة بحثا عن الأمن وعن لقمة العيش وهم غالبا ما يقعون تحت قبضة عصابات تتلاعب بهم وتعرّضهم للكوارث التي تودي بحياتهم أحيانا. وهذه الحالة يعرفنا شعبنا الذي يعاني هو نفسه من معضلة “الحرقة” التي أصبحت “حلم” مئات الآلاف من أبنائه وخاصة منهم الشباب بسبب تفاقم البطالة والبؤس جراء إمعان سعيّد في تكريس خيارات لاشعبية ولاوطنيّة.
إن عدد المهاجرين التونسيين يقارب المليونين ونصف المليون من بينهم قرابة النصف مليون غادروا البلاد “خلسة” وهم عرضة للمضايقات والاعتداءات خاصة في البلدان الأوروبية التي غزاها اليمين المتطرف الفاشي. وإنّه لمن البؤس أن تعيد بعض فئات مجتمعنا إنتاج نفس الأفكار العنصرية التي تستهدف أبناء وبنات جلدتهم المهاجرين لاستعمالها ضدّ شقيقاتنا وأشقائنا من شعوب قارتنا التي تتعرض للتفقير والتقتيل والتهجير والاستغلال من قبل عصابات الإتجار بالبشر. إن اليمين الغربي المتطرّف يروّج أن “المسلمين يغزون أوروبا ويريدون تغيير تركيبتها الديمغرافية وهويتها المسيحية” كما أنّه يستغل أي جريمة يرتكبها مهاجر “مسلم” لتجريم كافة المسلمين الذين لا يتردّد ذلك اليمين بتقديمهم على أنّهم “وحوش”، “وسخون”، “مغتصبون”، “معتدون على لقمة عيش الإنسان الغربي الأبيض” الخ… وبالإضافة إلى كلّ ذلك فإنّ الخطاب العنصري الرائج اليوم في بلادنا وما يتبعه من أعمال مشينة هو منذ مدّة يغذّي مشاعر الكراهية ضد تونس وشعبها في بلدان جنوب الصحراء. إن المتطرفين في بعض هذه البلدان ما انفكوا يروّجون لكون شعوب البلدان المغاربيّة ليست أفريقية كما أنهم يطلقون دعوات خطيرة بعنوان: “la chasse aux tunisiens”. وهنا علينا ألّا ننسى أن لنا جالية هامة في بلدان جنوب الصحراء فمن الغباء أن تجني عليهم أقلية عنصرية في مجتمعنا.
إنّ مسألة المهاجرين الجنوب صحراويين ينبغي أن تعالج بعقلانيّة وإنسانية وفق ما تمليه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها تونس. وهو ما يحتّم تجريم كل خطاب أو فعل عنصري كما يحتّم التعاون مع الهيئات الأممية التي تعنى بالمهاجرين ومع منظمات المجتمع التونسي التي ينبغي وضع حدّ لمحاصرتها وضربها بل ينبغي العمل معها من أجل بلورة المقاربة الإنسانية المطلوبة في مختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وإلى ذلك لا بدّ من إلغاء كل الاتفاقيات التي تحوّل بلادنا إلى حارس حدود للاتحاد الأوروبي وتنتهك سيادتها. إن الشعب التونسي الذي كان ملاذا لأبناء الشعب الجزائري أثناء النضال ضدّ المستعمر الفرنسي ولأبناء الشعب الليبي بعد التدخل الأطلسي الإجرامي هو قادر اليوم بأخلاقه وقيمه الإنسانية الحقيقية على أن يرفض ويدين الممارسات العنصريّة القذرة والإجرامية التي تمارس ضدّ الأفارقة جنوب صحراويّين ويطالب بأن يعاملوا معاملة تحفظ لهم كرامتهم الإنسانيّة في انتظار إيجاد الحلول الملائمة لهم وبأن يعاقب كلّ تحريض أو فعل عنصري مشين. إن قوى التقدم والحرية مطالبة اليوم باعلاء الصوت ضدّ النزعات العنصرية وضد الحملات الرجعية التي وصلت حدّ استهداف تونسيين على خلفية لون بشرتهم. إنّنا في حزب العمال إذ ندين بشدّة كل دعوة عنصرية فإننا نحمّل سلطة الانقلاب المسؤولية كاملة في تلويث وعي بعض التونسيين للتفصي من مسؤولية ما تعرفه بلادنا من تدمير ممنهج على مختلف الأصعدة وتحميل مسؤوليته لأعداء وهميّين. إن عدوّ شعبنا ليس مهاجرو/مهاجرات جنوب الصحراء. بل خيارات التبعية والتفقير والاستبداد التي تكرسها سلطة الانقلاب الشعبوية والتي يجب تجميع الشعب التونسي لمقاومتها وإسقاطها.
فلنحافظ على إنسانيتنا في تعاملنا مع أشقائنا الجنوب صحراويين، فهم إخوتنا في الإنسانيّة ولنبحث عن الحلول التي تضمن لهم كرامتهم وننأى بأنفسنا عن الحلول المغشوشة التي تدوسها وتسقطنا نحن في براثن الوحشية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
