نشرت الحكومة في المدة الأخيرة المخطط التنموي 2030/2026. وهو كما يدلّ اسمه مخطط لما تنوي الدولة التونسية تنفيذه طوال الخماسية المقبلة على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية. ومن المعلوم أن هذه المخططات تحوّلت مع دولة الاستعمار الجديد إلى مناسبة لنشر المغالطات من خلال النفخ في الأرقام والتلاعب بالمعطيات، لا من جهة التشخيص فحسب، بل خاصة من جهة البرمجة وضبط الأهداف التي غالبا ما تُخفي اعتبارات سياسويّة تغذّت مع الشعبوية التي استولت على الحكم منذ انقلاب 25 جويلية معتمدة خطابا يوهم بالانتصار للشعب ومطالبه، لكنّه في الواقع منخرط حدّ النخاع في تكريس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية، التابعة والفاسدة بمقتضى الارتباط العضوي بمصالح الطبقات الطفيلية التي لا هاجس لها سوى التحكم في منظومة الريع التي تدر عليها الأرباح العالية والتي لا يجني منها الشعب بمختلف طبقاته وفئاته غير الفقر والبؤس، ناهيك أنّ حكومة “العلوّ الشاهق” قد تخلّت حتّى عن الاستماع إلى رأي المركزية النقابيّة فيما قدمته من مخطّط.
وبالعودة إلى المخطط في عناوينه الكبرى يبدو واضحا طغيان التوصيف الإنشائي للواقع الاقتصادي الحالي والانتظارات المؤمّلة على مختلف الواجهات والمجالات، مع تكرار ممجوج لعبارة أن هذا المخطط سيتقدم “في القطع مع المقاربات الماضية” وأنّه يهدف إلى “تكريس العدالة الاجتماعية ودفع الاندماج الاقتصادي العادل بين الجهات والأقاليم وبناء اقتصاد مرن وقادر على الصمود أمام التحديات العالمية الراهنة”، وهو كلام لا يصدقه أحد حتى مروّجوه، بل إنّ محتوى المخطط نفسه يسفّه بقوة هذا الادعاء. لقد احتوت وثيقة المخطط ثلاثة أبواب كبرى: التوجهات العامة والأهداف التنموية، التنمية المجالية، السياسات التنموية. ولئن تكرر لفظ التنمية في العناوين الأساسية للوثيقة، إلا أن التنمية المقصودة ليست سوى تنمية لفائدة رأس المال بمقتضى المنوال الاقتصادي والاجتماعي المتّبع. أمّا التنمية الموجهة إلى الجماهير الشعبية فهذا مجرد وهم لا غير، فهذه التنمية لن تتحقق مطلقا بتواصل الاحتكام إلى نفس الخيارات القائمة على المديونية والدعم اللامشروط للرأسمال الخاص والتدمير المستمر لمنظومات الإنتاج والخدمات العامة على حساب الدور الاجتماعي للدولة المتمثل في الاستثمار العمومي وتعزيز البنية التحتية خاصة في الجهات المحرومة التي ظلت لعقود ضحية الخيارات الاقتصادية المتّبعة، وهو ما يتجلى اليوم في ارتفاع نسب الفقر والبطالة والنزوح والتسرب المدرسي وتنامي ظواهر الجريمة والحرقة والانتحار… وهي معضلات جوهرية للمنوال الاقتصادي المتّبع في بلادنا والذي لم تقدم حوله الوثيقة إلّا وعودا ضعيفة لا تلبّي الحد الأدنى من انتظارات الطبقات والفئات والجهات. بطبيعة الحال تتعلل الوثيقة بصعوبات الظرف العالمي الحالي والمنتظر فيما يهم أسعار المحروقات والطاقة وانعكاسات التحولات الجيوسياسية لتبرر عجز منوالها على تحقيق ما ينتظره الشعب. وقد أعلنت الوثيقة أنها ستحقق معدّلا للنمو السنوي في حدود 4.2% خلال الخمس سنوات المقبلة لتنتهي سنة 2030 بنسبة نمو في حدود 5.1%، كما تتعهد الوثيقة بخفض عجز الميزانية إلى 3%، وتخفيض الدين العمومي إلى مستوى 80% في نهاية المخطط. وفي الميزان التجاري اكتفت الوثيقة بترصيف كلام إنشائي حول زيادة الصادرات وتخفيض الواردات ورفع القدرة التنافسية وتنويع الأسواق، وبالطبع فالوثيقة لا تبيّن لنا كيف ستتحقق كل هذه الأهداف في ظل الاختيارات والمعطيات الراهنة وهو ما يجعل منها أهدافا على الورق لا غير… أمّا معضلة البطالة التي طالما تغنّى سعيّد بأنّ “العمل جار” لتذليلها، فإن نسبتها في نهاية المخطط أي سنة 2030 ستكون حسب الوثيقة، في حدود 15%، أي نفس النسبة الحالية (الثلاثي الأول من السنة الحالية)، كما ستعمل الدولة على”تحسين نمو متوسط الدخل الفردي بـ 6.5%”، وهي أرقام دون ما يمكن أن يحقق ولو تحسنا طفيفا في وضعية الفئات الدنيا والوسطى من الأجراء والعمال والموظفين التي تعرف أوضاعها المعيشية تدهورا غير مسبوق يقتضي الآن وهنا مضاعفة الأجر الأدنى على الأقل ومراجعة سلم التأجير في القطاعين العمومي والخاص.
إن الكشف عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا لا تتطلب وثائق ونصوص ومخططات اعتمدتها دولة الاستعمار الجديد منذ بداية ستينات القرن المنصرم ولم تجلب للفقراء سوى مزيد من الفقر وللأثرياء مزيدا من الثراء. مخططات كرّست منوالا رأسماليا طفيليا تابعا وريعيا استنفذ منذ زمن مسوغات استمراره بمقتضى حالة العجز الهيكلي الشامل على تحقيق الأدنى من مطالب الشعب. لقد كانت انتفاضات شعبنا وثورته واحتجاجاته المستمرة دليلا قطعيا على هذا العجز وهذا الفشل. وإذا كانت حكومات الكمبرادور منذ أواسط الخمسينات إلى 25 جويلية 2021 منسجمة مع ذاتها من جهة تناسق الخطاب والممارسة، فإن الخطاب الشعبوي خلط الأوراق عند بعض فئات الشعب التي خانها وعيها الطبقي وأرهقتها انتظاراتها فاغترّت بخطاب يعلن صباحا مساء الانحياز إليها، لكنه في الواقع يدمّر ما بقي من أحلامها وتطلعاتها. ولا أدلّ على ذلك ما يعرفه ملف المعطلين عن العمل الذين طالما تم تسويق انحياز سعيّد لهم، وها هو اليوم يلتف على ما جاء في قانون المالية للعام الجاري حول انتداب من طالت بطالتهم (القانون عدد 18). هو ما دفعهم في المدة الأخيرة إلى اختيار الطريق الأضمن والأقصر وهي طريق النضال من أجل فرض الحقوق. وقد نظموا في العاصمة والجهات عديد التحركات وهم يستعدّون مجدّدا للتحرك الوطني يوم 8 جويلية لتذكير السلطة وعلى رأسها الحاكم الفردي بتعهداته المكتوبة في قوانينه، وللعلم فان سعيد الذي يدّعي بكونه “نصير الفقراء والبؤساء” كان قد ألغى سنة 2021 بعيد انقلابه القانون عدد 38 الذي ينصّ على تشغيل من طال بطالتهم. لقد كانت رسالته للمعطلين واضحة منذ اليوم الأول لاستفراده بالكرسي، لكن بعض المعطلين لم يفهموا تلك الرسالة، وها هي الأيام والوقائع العنيدة تكشف أن الأمر يتعلق بحقيقة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وهي خيارات طبقية لا وطنية ولا شعبية، ومعادية لتطلعات الشعب. وهذا الأمر واضح وجلي في مخطط التنمية للخماسية القادمة (2030/2026)، هذه التنمية التي لا معنى لها داخل النمط الاقتصادي / الاجتماعي الرأسمالي التابع العاجز كليا عن تطوير منظومة الإنتاج وخلق الثروة وتطوير الفلاحة والصناعة ومختلف فروع الإنتاج. إن بلادنا وشعبنا في حاجة إلى نمط اقتصادي/اجتماعي جديد، نمط شعبي ديمقراطي مستقل فعليا وموجه إلى خدمة الشعب لا في خدمة مصّاصي الدماء من الدول والشركات الأجنبيّة وعائلات الريع والنفوذ والتحكم في الاقتصاد الرسمي والموازي والإجرامي. لقد ناضل شعبنا منذ عقود من أجل تغيير جذري للخيارات، وما عليه اليوم إلّا استئناف نضاله ومعاركه الطبقية والوطنية ضد خيارات التبعيّة والتفقير والاستغلال.
صوت الشعب صوت الحقيقة
