بقلم: سليم بوخذير
الإفراج عن العياشي الزمال ووديع الجريء البارحة هو نبأ يسعدنا، ولكني أراها مجرد مُخاتلة ومناورة من نظام المستبد الشعبوي قيس سعيد و“حربوشة” مُسكِّنة في محاولة منه لتخفيف العِبء والانتقادات على ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا على يد هذا الحاكم المنفرد الذي بلا حلول، من تدهورٍ شمل جميع المستويات وانعطافٍ خطير إلى قاع سحيق دخلته تونس في عهده من التأزم على جميع الأصعدة والعبث بكل المُقدرات وافتقادٍ لأبسط شروط العيش الكريم للتونسيات والتونسيين، في أزمة شاملة غير مسبوقة في التاريخ.
هي مجرد مُخاتلة في رأيي لن تنطلي ومحاولة لِذرّ الرماد على العيون بشأن السجل الاستبدادي الظالم لنظام سعيد وسجونه المظلمة التي لم يكن يقبع فيها إلى غاية أمس فقط الزمال والجريء في ظل قضاء غير عادل، بل هي سجون تعجّ إلى اليوم بعدد كبير من سجينات وسجناء الرأي بمن فيهم من بلغ من السن عِتِيّا ومن المرض مبلغا.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن هذا الظرف بالذات الذي تغرق فيه تونس في الظلام لساعات طويلة بسبب فشل نظام المستبد من توفير أبسط ضروريات الحياة وهو النور والماء والصحة، وقد بلغ الأمر إلى درجة أنّ تونسيات وتونسيين ماتوا للأسف جراء أزمة الحرارة وافتقاد الكهرباء حسب جمعية الأطباء الشبان، فيما تضررت عديد المؤسسات الاقتصادية نتيجة قطع الكهرباء المتكرر والمتواصل وتعطلت عديد وسائل الإنتاج لعديد المواد ومنها الخبز.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن انكشاف أكاذيب الوعود الزائفة التي وُزّعت على المعطلات والمعطلين عن العمل بالتشغيل لمحاولة تسكين جراحهم وإخماد غضبهم، وفي النهاية اصطدموا بالكذب وباللجوء للقوة لفض احتجاجاتهم.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن تدني أجور الطبقة العاملة وانهيار القدرة الشرائية إلى الدرك الأسفل لمعظم التونسيات والتونسيين في ظل سياسات رفع الأسعار المتنامي وقطع أوصال الحوار الاجتماعي مع منظمة الطبقة العاملة وهو الاتحاد العام التونسي للشغل، مع إغراق الصناديق الاجتماعية في أزمة مضاعفة نالت من الحق في العلاج.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن انقطاع حبل الكذب القصير عن المشاريع الكاذبة التي وعد بها الشعبوي قيس سعيد ولم يُنجِز منها شيئا رغم انقضاء 7 سنوات عجاف من حكمه الفردي.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن الفشل الاقتصادي لنظام الشعبوي سعيد وافتقاد المواد الأساسية وحرمان التونسيات والتونسيين منها في ظل سياساته العشوائية.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن تهاوي أكاذيب “الحلول الاقتصادية” الجوفاء ومنها مهزلة الشركات الأهلية.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن انسداد آفاق التشغيل أمام شبابنا الغارق في براثن البطالة والخصاصة واليأس.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن سياسات سعيد الخارجية التي بدأت تعزل تونس دوليا وتخفّض من دورها الإقليمي وتحوّل بلادنا إلى لاعب احتياطي ومجرد حارس حدود خلفي لحكومة إيطاليا اليمينيّة أمام الهجرة وإلى حقل لإذكاء لظى الميز العنصري من خلال خطاب الشعبوية.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن خنق نظام سعيد لكل صوت تونسي حر من خلال مرسومه 54 سيء الذكر ومصادرة نظامه لكل مؤسسات الإعلام العمومي وتحويلها إلى بوق دعاية وبروباغندا لنظامه الاستبدادي وإشاعة مناخ الترويع في الإعلام لتغلق البرامج السياسية حتى في الإعلام الخاص وتتحول القنوات التلفزية في أغلب مساحاتها إلى قنوات للدعاية لمواد الطبخ والتجميل، بدل أن تكون صوت الحقيقة وفضاء الصحافة النزيهة النبيلة.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن محاولة خنق صوت الجمعيات والمنظمات التي طالها سيف قرارات التجميد، فيما نال عديد الأحزاب اعتقال قياداتها والتنكيل بهم، وأما عن حملات التشويه والسحل الالكتروني من طرف صفحات أنصار قيس سعيد للمعارضين فحدث ولا حرج، وآخرها ما صدر من أحد أنصار سعيد الذي هدد باغتيال الرفيق حمه الهمامي في فيديو، دون أن تتحرك بشأنه النيابة العمومية قيد أنملة.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن تدمير سعيد لمرفق العدالة حين كرس قضاء التعليمات وسلط سيف التنكيل بعديد القضاة وبجمعيتهم المناضلة.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد عن العيون بشأن استئثار سعيد بمقاليد الانتخابات هيئة وقانونا وتسييرا، وزجّه بعديد منافسيه في غياهب سجونه وضربه عرض الحائط بأبسط الحقوق التي نالها التونسيات والتونسيون بفضل الثورة، وهو الحق في انتخابات حرة ونزيهة تصويتا وترشحا.
وهي مجرد مخاتلة لن تنطلي ومحاولة لذر الرماد على العيون بشأن انقطاع السبل بأهالينا في قابس بعد أن حوّل التلوث القاتل جرّاء سموم وحدات المجمع الكيميائي حياتهم إلى جحيم وإلى حقل أمراض قاتلة، ورفضت سلطة سعيد الاستجابة إلى مطلبهم الشرعي في الحق في الحياة السليمة ولم ترد على صرخاتهم بغير التسويف وبالحكم القضائي غير العادل وبالإمعان في الاستهانة بقدسية الحق في الصحة.
إن قرار سعيد بالإفراج عن وديع الجريء والعياشي الزمال الذي نال من قضاء مأمورٍ أحكاما قياسية جائرة بالسجن لمجرد أنه مارس حقه الشرعي في الترشح للانتخابات الرئاسية، إنما هو في رأيي قرار تضمن إشارة جلية على رغبة النظام في محاولة النزول بسقف مطالب التونسيات والتونسيين من النظام حاليا إلى أدنى درجة ومحاولة إخماد غضبهم المتنامي من ممارسات هذا النظام الاستبدادية وسياساته الفاشلة في تأمين أبسط حقوقهم.
ولكن كلّا..
إنّ سقف مطالبنا كتونسيات وتونسيين هو أكبر من مجرد الإفراج عن الزمال والجريء.. هو أكبر من ذلك بكثير..
لقد أخذ نظام قيس سعيد من التونسيات والتونسيات العديد من الحقوق والمكاسب ونسفها بلا هواة، وعليه اليوم أن يعيدها لنا.
فالشعب التونسي اليوم يطلب حقه في الكهرباء الذي قطعه عنا نظام سعيد دون شفقة أو رحمة بمرضانا وضِعافنا ومُسِنُينا.
والشعب التونسي يطلب أيضا حقه في الماء حيث حوُل هذا النظام العطش إلى قرين يومي لعديد المواطنين.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في عديد المواد الأساسية التي قطعها عنا نظام سعيد وعديد الأدوية المنقطعة.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في الصحة التي انخرمت منظومة مستشفياتها في ظل السياسات الفاشلة والإدارة المستهينة بالمرفق العام، ويطلب بعث الحياة في الصناديق الاجتماعية المنهارة وفي منظومة الدواء.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في نقل عمومي سليم بعد أن تآكلت قدرات منظومة النقل العمومي برا وبحرا وجوا في ظل سياسات العبث.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في قدرة شرائية تتناسب مع مستوى الأسعار المشتعلة اشتعالا في ظل نظام الشعبوية الفاشل.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في تشغيل أبنائه الذين اكتووا بلظى البطالة والتهميش واليأس والضيم النفسي والاجتماعي.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في الهواء النقي والبيئة السليمة لا أن تتواصل خياراتكم الاقتصادية المتوحشة التي دهست دهسا حق أهالينا في قابس وفي غيرها من ربوعنا، في التنفس وفي الحياة السليمة.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في رفع يد السلطة التنفيذية عن المؤسسة القضائية لينال كل ذي حق حقه في العدالة وأن يقع الإفراج عن كل سجينات الرأي وسجنائه الذين اعتقلهم سعيد في ظل منظومة قضاء التعليمات التي فرضها.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في حرية التعبير والصحافة وأن يعود فضاء الإعلام إلى الانفتاح على كل الأصوات وأن تتنسم تونس الحرية من جديد.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في انتخابات حرة ونزيهة وسليمة تعود فيها الإرادة كل الإرادة إلى التونسيات والتونسيين في اختيار من ينوبهم في الحكم وفي تقرير مصيرهم لا أن تظل إرادة الشعب الأبيّ سليبة لدى حاكم فرد أخرج لنا دستورا من عندياته على مقاسه هو فقط.
والشعب التونسي اليوم يطلب حقه في الكرامة والحرية وفي العيش الكريم واستعادة كل حقوقه المشروعة التي سلبها منه قيس سعيد في 7سنوات عجاف من حكمه أعاد فيها تونس إلى عصور ما وراء الوراء.
الشعب التونسي اليوم يطلب حقه وحقه وحقه وحقه، ولا يجب أن يصمت مجددا عن حقه..
وفيما كان في الفترة السابقة الانتفاض على سياسات نظام سعيد الاستبدادية والعابثة بتونس والتظاهر في الشارع، مقتصرا على المجتمع السياسي والمدني والطبقة المثقفة وعلى بعض المنظمات المهنية كنقابة الصحافيين وعمادة للمحامين وجمعية القضاة وجمعية الأطباء الشبان واتحاد المعطلين عن العمل.
جاءت الأيام القليلة الماضية، لتعطي الإشارات بانضمام الطرف الذي كان غائبا عن الاحتجاج في الفترة السابقة، ليخرج ويبدأ في الانتفاض ببعض المناطق على المنظومة الحاكمة الفاشلة، ونعني الشارع الاجتماعي السلمي الذي لا شك أن وزنه العددي حين يخرج ويقول كلمة لا في وجه سياسات منظومة الشعبوية التي تحكم تونس، سيكون له أوسع التأثير في تغيير معادلات موازين القوى لصالح مطالب الشعب على حساب خيارات سياسات المنظومة الشعبوية التي عبثت بحقوق التونسيين.
فمع بلوغ أزمة انقطاع الكهرباء التي فرضها نظام سعيد على التونسيين فرضا منذ أيام، إلى الحد الذي لا يطاق، بدأت احتجاجات المواطنين في عديد مناطق الوطن، بما يؤشر على بداية عودة الشارع الاجتماعي إلى الحراك وإلى الانتفاض، بعد أن تهاوت كل وعود منظومة قيس سعيد بالتنمية وبالغد المشرق وسقطت ورقة التوت عن سردياته المضللة والكاذبة، وبلغت الأزمة في تونس منتهاها وانقطع أمل التونسيات والتونسيين في الظفر من هذا النظام حتى بأبسط الحقوق وهو الحق في الماء والنور والصحة.
إنّ بداية الاحتجاجات السلمية للشارع الاجتماعي في تونس أخيرا في رأينا، مع تواصل حراك المجتمع السياسي والمدني الذي لم يصمت منذ مدة ضد سياسات الظلم والظلام لنظام المستبد الشعبوي، مع احتمالية التحاق الرافد الآخر للمجتمع وهو الشارع النقابي بقيادة اتحاد الشغل الذي يحافظ إلى حد تحرير هذه الأسطر على “مسافة أمان” ضئيلة مع منظومة الحكم تحجبه عن الحشد للنزول إلى الشارع للتظاهر.
إنما كلها إشارات بالغة الدلالة على أننا قد نكون على أبواب صيف غضب في تونس وانتفاضة على سياسات المنظومة الشعبوية الحاكمة للمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب التي سلبتها إياه هذه المنظومة ولم تُعِدها له، وأن السيل قد بلغ فعلا الزبى..
صوت الشعب صوت الحقيقة
