الرئيسية / صوت الوطن / خمس سنوات من حكم قيس سعيّد سقطت البغلة وانكشف الوهم
خمس سنوات من حكم قيس سعيّد سقطت البغلة وانكشف الوهم

خمس سنوات من حكم قيس سعيّد سقطت البغلة وانكشف الوهم

بقلم  زهير الزويدي

خمس سنوات كاملة مرت على 25 جويلية 2021 ذلك اليوم الذي لم يكن في نظر القوى السياسية والمدنية الوطنية تصحيحا للمسار كما أراد قيس سعيّد أن يسميه بل انقلابا على المسار الديمقراطي وتركيزا للسلطة في يد رئيس الجمهورية. غير أن فهم ما حدث لا يمكن أن يكون بقطع الصلة بين 25 جويلية وما سبقه، فقد كانت تونس قبل ذلك التاريخ تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة وكانت المنظومة الحاكمة قد فقدت جانبا كبيرا من ثقة الشعب وكان الغضب الشعبي مشروعا وكانت الحاجة إلى تغيير حقيقي أكثر من ضرورية. لكن رفض منظومة سياسية فاشلة لا يعني إلغاء الديمقراطية، والغضب من أداء المؤسسات المنتخبة لا يعني غلقها بالدبابة ومنح شيك على بياض لحاكم فرد. ومن هنا كانت المفارقة فقد جاء قيس سعيّد محمولا على موجة غضب حقيقية مقدما نفسه باعتباره الرجل القادر على إنقاذ الدولة وتطهيرها من الفساد وإعادة القرار إلى الشعب، فإذا بالانقلاب الذي بدأ باعتباره تصحيحا ينتهي إلى تركيز السلطة وتراجع دور المؤسسات. ولم يتوقف الأمر عند حل البرلمان بالدبابة وتغيير قواعد اللعبة السياسية بل امتد إلى إعادة بناء النظام السياسي برمته على نحو جعل رئاسة الجمهورية مركز الثقل الأساسي في الدولة بينما تراجعت قدرة المؤسسات والفاعلين السياسيين والاجتماعيين على ممارسة أدوارهم الطبيعية. وهنا يصبح السؤال مشروعا إذا كان الهدف هو إنقاذ الديمقراطية فلماذا كان أول الطريق إضعاف مؤسساتها وإذا كان الهدف استعادة الدولة فلماذا جرى اختزال الدولة في مركز واحد للقرار فالدولة القوية ليست الدولة التي تتضخم فيها سلطة الشخص وإنما الدولة التي تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص والقانون أقوى من الحاكم.

الشعب يدفع ثمن الفشل

السياسة لا تقاس فقط بشكل النظام السياسي بل أيضا بما تتركه السياسات في حياة المواطنين. وهنا تبدأ المفارقة الأكبر فبعد خمس سنوات من الحكم ما زالت تونس تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة ولم تنجح السلطة في تقديم نموذج اقتصادي جديد يقطع مع الاقتصاد الريعي والتبعية والتهميش الجهوي وظل المواطن يواجه ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل قدرته الشرائية بينما بقيت البطالة وخاصة بطالة الشباب وأصحاب الشهادات الجامعية من أكثر القضايا إلحاحا. وفي الجهات الداخلية التي انتظرت منذ الثورة نصيبها من التنمية ما زال التهميش وضعف الاستثمار وغياب المشاريع القادرة على خلق الثروة وفرص العمل واقعا يوميا بينما يواجه الفلاح ارتفاع كلفة الإنتاج وأزمة المياه ومشاكل التسويق. وتتواصل معاناة المؤسسات العمومية وتزداد الصعوبات التي تواجه قطاعات الصحة والتعليم والنقل، وهكذا تتصل الأزمة الاقتصادية مباشرة بالأزمة الاجتماعية فحين يعجز المواطن عن توفير أبسط احتياجاته وحين يصبح الماء والكهرباء والدواء والنقل مطالب يومية قابلة للاحتجاج فإن الحديث عن استعادة الدولة يفقد الكثير من معناه. فالدولة ليست فقط أجهزة ومؤسسات ومراسيم بل هي أيضا قدرتها على حماية مواطنيها وضمان حقوقهم الأساسية وتوفير شروط حياة كريمة لهم. وعندما يصبح المواطن مطالبا بالاحتجاج من أجل الماء والعامل من أجل الأجر والفلاح من أجل حقه في الري والشاب من أجل العمل والمريض من أجل الدواء فإن المطلوب ليس مزيدا من الخطابات بل مشروع اقتصادي واجتماعي قادر على معالجة جذور الأزمة.

الاحتجاج في مواجهة القمع

ومن الطبيعي أن تتحول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلى أزمة سياسية عندما تغلق السلطة أبواب التعبير أمام الاحتجاجات والمطالب فحين تضيق آفاق العمل والحياة يصبح الاحتجاج ضرورة وحين يصبح الاحتجاج موضع تضييق تتحول المطالب الاجتماعية إلى مواجهة مع السلطة. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج المرحلة فبدلا من معالجة جذور الاحتقان يجري التعامل مع كثير من أشكال الاعتراض بمنطق أمني وسياسي. لكن الصحفي الذي ينتقد ليس خائنا والنقابي الذي يدافع عن حقوق العمال ليس متآمرا والمواطن الذي يحتج من أجل الماء أو العمل ليس عدوا للدولة والمعارض الذي يقول لا للرئيس لا يصبح بذلك عدوا للوطن فتونس التي دفعت ثمنا باهظا من أجل حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج لا يمكن أن تقبل بأن تتحول هذه الحقوق إلى امتياز تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت وهنا تحديدا تصبح الحرية معيارا للحكم فالحرية الحقيقية تختبر عندما يعارضك الآخر لا عندما يهتف لك.

سؤال الحرية

من هذا المنطلق يصبح من المشروع أيضا طرح سؤال الخلفية السياسية لقيس سعيّد قبل وصوله إلى السلطة فأين كان الرجل من معركة الحرية؟ في عهد بن علي لم يكن من رموز النضال المعروفين ضد الدكتاتورية ولم يكن من الذين اشتهروا بدفع ثمن سياسي أو سجني في مواجهة النظام الاستبدادي بل إنه كان قريبا من النظام القديم ومن المستفيدين من منظومته لكن السؤال السياسي لا يسقط أين كان الدفاع عن الحرية في مساره قبل الثورة فالحرية ليست شعارا انتخابيا والديمقراطية ليست شهادة تمنح لمن يصل إلى قصر قرطاج. إن المعيار الحقيقي للديمقراطي هو موقفه عندما تكون الحرية مكلفة وعندما يكون النقد موجها إليه شخصيا وعندما يخرج المواطن ضده وعندما يرفض الصحفي الصمت وعندما يطالب النقابي بحقه في التنظيم والاحتجاج، لذلك فإن من لم يجعل الحرية قضية نضال عندما كانت الدكتاتورية قائمة يصعب أن يقدم لمجرد وصوله إلى السلطة باعتباره الضامن الطبيعي لها. والأهم أن السنوات الخمس وضعت هذه المسألة أمام اختبار عملي فالسلطة التي وعدت باستعادة إرادة الشعب أصبحت مطالبة اليوم بالإجابة عن سؤال بسيط من يراقب السلطة عندما تتركز السلطات في يد واحدة.

السيادة تبدأ من الداخل

ولا يمكن فصل هذه الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن طريقة إدارة علاقات تونس الخارجية. فالسياسة الخارجية ليست مجرد خطابات ومواقف وإنما هي أيضا قدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية وفتح الأسواق واستقطاب الاستثمار ودعم موقع تونس المغاربي والإفريقي والمتوسطي والحفاظ على استقلال القرار الوطني. والسيادة الحقيقية لا تقاس فقط بما يقوله الرئيس أمام الكاميرات وإنما بقدرة الدولة على إنتاج غذائها وتأمين طاقتها وحماية ثرواتها وتوفير الشغل وضمان الدواء والتحكم في قرارها الاقتصادي فالدولة التي لا تملك استقلالا اقتصاديا واسعا تبقى سيادتها السياسية محدودة مهما ارتفع صوت الخطاب الوطني.

ومن هنا تتضح الصورة كاملة فالأزمة السياسية تنتج أزمة ثقة وأزمة الثقة تعمق الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الاجتماعي يكشف هشاشة النموذج الاقتصادي وعندما تعجز السلطة عن تقديم حلول حقيقية يصبح من السهل تعليق الفشل على الماضي أو الخارج أو المؤامرات لكن بعد خمس سنوات لم يعد ممكنا أن تبقى كل مشاكل تونس معلقة على شماعة الماضي. نعم المنظومة السابقة مسؤولة عن جانب كبير من الخراب ونعم تلك المنظومة كانت معادية للشعب لكن السلطة التي حكمت خمس سنوات أصبحت مسؤولة بدورها عن حصيلتها ولا يمكن أن يبقى الماضي حاضرا في كل فشل بينما تغيب مسؤولية الحاضر عن كل إخفاق

خمس سنوات تكفي للحساب

خمس سنوات مدة كافية للحساب السياسي والحساب هنا ليس مع شخص قيس سعيّد وحده وإنما مع مشروع كامل قدم نفسه بديلا عن منظومة فاشلة ثم وجد نفسه عاجزا عن تقديم البديل الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي الذي انتظره التونسيون. لقد أراد التونسيون التخلص من الفساد والاستبداد والتهميش ولم يخرجوا من أجل أن يستبدلوا استبدادا بآخر ولم تكن الثورة ضد شخص واحد وإنما ضد منظومة كاملة ولذلك فإن البديل الحقيقي لا يمكن أن يكون العودة إلى ما قبل 25 جويلية كما لا يمكن أن يكون استمرار الحكم الفردي الذي أفرزته منظومة ما بعد 25 جويلية. فالخيار الذي تحتاجه تونس هو دولة ديمقراطية واجتماعية دولة القانون والمؤسسات دولة الحريات والعدالة الاجتماعية دولة تضع الثروة الوطنية في خدمة الأغلبية لا في خدمة أقلية نافذة فلا يكفي أن يتغير الحاكم إذا بقيت السياسات التي تنتج الفقر والتهميش والاستغلال ولا يكفي أن نرفع شعار الشعب يريد إذا ظل الشعب ممنوعا من التنظيم والاحتجاج والتعبير ولا يكفي أن نتحدث عن الكرامة بينما يضطر الشباب إلى ركوب قوارب الموت بحثا عن حياة أفضل ولا يكفي أن نتحدث عن السيادة بينما تعجز الدولة عن توفير الماء والدواء والطاقة وفرص العمل.

سقطت البغلة

وبعد خمس سنوات يمكن القول إن الاختبار السياسي قد وقع سقطت البغلة وانكشف الوهم، انكشف وهم المنقذ الفرد وانكشف وهم أن تركيز السلطة يمكن أن يكون بديلا عن المؤسسات، وانكشف وهم أن الشعارات يمكن أن تحل محل المشروع، وانكشف وهم أن الشعب يمكن أن يعيش على الوعود بينما تتراكم الأزمات فوق رأسه. لقد سقطت البغلة ولم يعد ممكنا إخفاء الحقيقة وراء الخطاب، والحقيقة أن تونس لا تحتاج إلى رئيس أقوى من المؤسسات بل إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص ولا تحتاج إلى شعب يصفق بل إلى شعب يحكم ويراقب ويحاسب ولا تحتاج إلى معارضة تخنق بل إلى معارضة حرة قادرة على تقديم البديل ولا تحتاج إلى اقتصاد يخدم الأقلية بل إلى اقتصاد يضمن العمل والخبز والكرامة للأغلبية نعم تونس لا تحتاج إلى منقذ فرد وإنما إلى مشروع إنقاذ وطني واجتماعي وديمقراطي تقوده قوى الشعب الحية. فالشغل والحرية والكرامة الوطنية ليست شعارات انتهت صلاحيتها بل هي بعد كل هذه السنوات مطالب معلقة تنتظر من يحولها من شعار إلى واقع ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي حكم ماذا فعل بحياة الناس لا ماذا قال عن نفسه.

إلى الأعلى
×