الرئيسية / صوت العالم / إسبانيا إلى أين؟
إسبانيا إلى أين؟

إسبانيا إلى أين؟

بقلم جيلاني برهومي

أزمة اجتماعية تتسع… ويمين يتقدم

تعيش الرأسمالية العالمية منذ سنوات أزمة عميقة ومتعددة الأبعاد، لم تعد مظاهرها تقتصر على دورات الركود الاقتصادي، بل أصبحت تطال أسس النموذج الاجتماعي نفسه. فأمام تراكم الثروة في أيدي أقلية، واتساع الفوارق الطبقية، وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد البطالة والهشاشة، تتحمل الطبقات الشعبية كلفة أزمات لم تكن هي صانعتها. وفي الوقت الذي تتجه فيه الرساميل نحو المضاربة والبحث عن أعلى الأرباح، تتحول الحقوق الأساسية، من السكن إلى الصحة والتعليم، إلى سلع تخضع لمنطق السوق والربح. ومع عجز السياسات التقليدية عن تقديم حلول جذرية لهذه التناقضات، يتسع الغضب الاجتماعي وتدخل المجتمعات في أزمات سياسية متتالية.

وإسبانيا ليست بمنأى عن هذه التناقضات، بل تقدم اليوم نموذجًا واضحا لكيف يمكن لأزمة اقتصادية واجتماعية أن تتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة.

إسبانيا… حين لا يعكس النمو واقع الطبقات الشعبية

قد تبدو الصورة الاقتصادية لإسبانيا، عند النظر إليها من خلال المؤشرات الكلية، أقل قتامة مما توحي به الاحتجاجات المتصاعدة. فالاقتصاد الإسباني يواصل النمو، لكن هذا النمو لا يصل بالضرورة إلى المجتمع بصورة متكافئة، ولا يحول دون ارتفاع تكاليف الحياة وتفاقم صعوبة الحصول على مسكن.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية: أن ينمو الاقتصاد لا يعني بالضرورة أن تتحسن حياة العمال والشباب والفئات الشعبية.

فالمشكلة لا تكمن فقط في حجم الثروة التي ينتجها المجتمع، وإنما في كيفية توزيعها، وفي طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تحدد من يستفيد من النمو ومن يتحمل كلفته.

وتبرز أزمة السكن باعتبارها التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا التناقض.

السكن… من حق اجتماعي إلى مجال للمضاربة

تحولت أزمة السكن في إسبانيا إلى واحدة من أكثر القضايا تفجيرًا للغضب الاجتماعي.

فأسعار المساكن تواصل الارتفاع، بينما أصبحت الإيجارات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع تلتهم جزءًا متزايدًا من الدخل. وفي الوقت نفسه، يظل مخزون السكن الاجتماعي في إسبانيا ضعيفًا مقارنة بالحاجة الاجتماعية.

ولا يمكن اختزال الأزمة في عبارة «لا توجد مساكن كافية» فقط.

وفي هذه الأزمة يتحول السكن من حاجة اجتماعية ملحه إلى مضاربة ريعية.

فبالنسبة إلى العامل والأسرة والشاب، السكن ضرورة أساسية للحياة. أما بالنسبة إلى المستثمر، فهو يمكن أن يكون أصلًا ماليًا ومصدرًا للريع والمضاربة.

وهنا يظهر التناقض: كلما ارتفعت قيمة العقار، ارتفعت ثروة مالكه، لكن في المقابل ترتفع الكلفة التي يتحملها المستأجر أو الشاب الذي يحاول شراء مسكن.

إنها عملية تعيد توزيع جزء من الدخل والثروة باتجاه الملكية العقارية، وتضع من لا يملك العقار في موقع أضعف باستمرار.

الشباب يدفعون الثمن

يظهر هذا التناقض بصورة خاصة لدى الشباب الإسباني.

فارتفاع الإيجارات وأسعار المساكن يجعل الاستقلال عن الأسرة أكثر صعوبة، ويؤجل الزواج وتكوين الأسرة، ويجعل العمل غير كافٍ وحده لضمان حياة مستقلة.

وهكذا يصبح الشاب أمام معادلة قاسية: يحصل على عمل، لكنه لا يستطيع تحمل كلفة السكن؛ يحصل على دخل، لكن جزءًا كبيرًا منه يذهب إلى الإيجار؛ ويعيش في اقتصاد متقدم، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن تحقيق أحد أبسط شروط الاستقلال الاجتماعي.

وهذا لا يمثل مجرد مشكلة «جيلية»، بل يكشف خللًا في توزيع الثروة بين من يملكون الأصول ومن يعتمدون أساسًا على أجورهم.

من أزمة السكن إلى انفجار الشارع

لم تبق هذه الأزمة داخل البيوت.

ففي الثالث من أكتوبر خرج عشرات الآلاف إلى شوارع مدريد ومدن إسبانية أخرى احتجاجًا على ارتفاع أسعار السكن والإيجارات، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج المرتبطة بالسكن خلال السنوات الأخيرة.

لم يعد شعار المحتجين مجرد المطالبة بخفض الإيجار، بل باتت القضية مرتبطة بالحق في المدينة والحق في العيش الكريم ورفض تحويل السكن إلى سلعة للمضاربة.

كما برزت قضية امرأة مسنة تبلغ 87 عامًا واجهت الإخلاء من مسكنها في مدريد باعتبارها رمزًا لحالة اجتماعية أوسع: ماذا يعني أن يصبح الإنسان مهددًا بفقدان البيت الذي عاش فيه لعقود لأن قوانين السوق والملكية أقوى من حقه في السكن؟

ومع اتساع الاحتجاجات، بدأت قضية السكن تتقاطع بصورة مباشرة مع الحركة العمالية.

وفي 7 أكتوبر أعلنت نقابتا UGT وCCOO الدعوة إلى إضراب عام في 11 نوفمبر احتجاجًا على أزمة السكن، في تحرك نقابي واسع يأتي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المبكرة.

وهنا تنتقل القضية من أزمة مستأجرين إلى قضية اجتماعية وطبقية أوسع.

أزمة اجتماعية تتحول إلى أزمة سياسية

في ظل هذا الغليان الاجتماعي، واجهت حكومة بيدرو سانشيز أزمة سياسية متزايدة.

فالحكومة لا تملك أغلبية برلمانية مستقرة، كما رفض البرلمان في الثاني من أكتوبر مراسيم مرتبطة بسياسة السكن.

وبعد هذا التعثر، أعلن سانشيز حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة يوم 29 نوفمبر 2026.

وهنا يجب التمييز بين الاستقالة وحل البرلمان: سانشيز لم يستقل، وإنما اختار الذهاب إلى انتخابات مبكرة بعد الأزمة البرلمانية والسياسية.

لكن الانتخابات لا تأتي في فراغ.

فهي تجري في ظل احتجاجات اجتماعية واسعة، وأزمة سكن حادة، وتراجع ثقة قطاعات من المجتمع في قدرة المؤسسات على معالجة مشكلاتهم، إلى جانب ملفات سياسية أخرى زادت الضغط على الحكومة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة في السادس من أكتوبر حزمة جديدة من الإجراءات المتعلقة بالسكن، تشمل دعم الإيجار الميسور، وتمويلًا للسكن، وتنظيم بعض أشكال الإيجار، وإجراءات لمواجهة المضاربة.

لكن السؤال الذي تطرحه الحركة الاجتماعية يتجاوز الإجراءات الظرفية:

هل يمكن حل أزمة السكن دون مواجهة جذورها المرتبطة بالملكية والمضاربة والريع؟

حين لا يكفي الإصلاح

وإجابة على السؤال السابق فلا شك أن أي إجراء يخفف عبء الإيجار أو يمنع طرد أسرة من منزلها يمكن أن يخفف من معاناة الناس. لكن الأزمة أعمق من ذلك.

فإذا ظل السكن خاضعًا بصورة أساسية لقانون الربح، وإذا بقيت الملكية العقارية مركزة، وإذا كان إنتاج المساكن الجديدة موجهًا أساسًا نحو الاستثمار الخاص، فإن الدولة ستجد نفسها باستمرار أمام الأزمة نفسها بعد سنوات.

فالقول إن المشكلة هي «نقص العرض» صحيح جزئيًا، لكنه لا يقدم الإجابة كاملة.

وهذا ما يطرح مشكلا سياسيا تحكمه التناقضات.

وفي الجانب السياسي… اليمين يتقدم

رغم أن الأزمة اجتماعية بالأساس ورغم أن طبقات واسعة خرجت تحتج  إلا أن ذلك  لا يقود بالضرورة إلى مصلحة اليسار.

وهذه هي إحدى أهم الحقائق التي تكشفها التجربة الإسبانية الحالية.

ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الغضب الشعبي حول السكن وتكاليف الحياة، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم الحزب الشعبيPartido Popular ( PP) وحزب  Vox، مع إمكانية تشكيل أغلبية يمينية في البرلمان المقبل وفق بعض المتوسطات والاستطلاعات. 

وفي استطلاع 40dB  المنشور في بداية أكتوبر، حصل PP على 31.6% من نوايا التصويت، مقابل 27.4% للحزب الاشتراكي PSOE و18.4% لـVox.

أمّا متوسط استطلاعات نشرته RTVE في 5 أكتوبر، فأظهر تقدم PP وارتفاع تمثيل Vox، مع إمكانية تجاوز مجموعهما عتبة الأغلبية المطلقة وفق ذلك المتوسط.

لكن هذه الأرقام ليست نتيجة انتخابية مسبقة، ولا يمكن اعتبار الانتخابات محسومة قبل فتح صناديق الاقتراع.

إنها، في المقابل، مؤشر على اتجاه سياسي ينبغي التوقف عنده.

لماذا يستطيع اليمين استثمار الأزمة؟

السؤال الأكثر أهمية ليس فقط لماذا يصعد اليمين، بل كيف يستطيع أن يحول الأزمة الاجتماعية إلى قوة انتخابية؟

فحين يشعر المواطن بأن الإيجار يلتهم راتبه، وأن الخدمات العمومية تتراجع، وأن المؤسسات عاجزة عن حل مشكلاته، فإنه يبحث عن تفسير.

وهنا تدخل قوى اليمين المتطرف لتقدم تفسيرًا مبسطًا لأزمة معقدة، فتربط السكن والهجرة والأمن والبطالة في سردية واحدة، وتوجه غضب قطاعات من المجتمع نحو المهاجرين والفئات الأكثر هشاشة.

لكن أزمة السكن لا يمكن اختزالها في الهجرة.

فحتى المؤسسات الاقتصادية الدولية تشير إلى مجموعة واسعة من العوامل، من نقص المساكن إلى ارتفاع الطلب، وتفاوت التوزيع الجغرافي، وضغط السياحة، وضعف مخزون السكن الاجتماعي، وعوامل مرتبطة بالاستثمار والملكية.

وهنا تصبح المعركة أيضًا معركة على تفسير الأزمة.

فإما أن يذهب الغضب الاجتماعي نحو جذور التفاوت والمضاربة والريع، وإما أن يجري توجيهه ضد الفئات الأضعف.

اليسار أمام امتحان حقيقي

إن صعود اليمين المتطرف لا يمكن مواجهته فقط عبر التحذير منه.

فالخطاب السياسي، مهما كان قويًا، لن يحل مشكلة شاب لا يستطيع دفع إيجاره.

والعامل الذي يخصص نصف دخله تقريبًا للسكن لا يحتاج فقط إلى خطابات عن الديمقراطية، بل يحتاج إلى سياسة تمكنه من العيش بكرامة.

والأسرة التي تخشى الطرد تحتاج إلى حماية فعلية.

والعامل يحتاج إلى أجر يتناسب مع كلفة الحياة.

ومن هنا فإن مواجهة اليمين المتطرف تمر أيضًا عبر معالجة الأسباب الاجتماعية التي تغذي الغضب والإحباط وفقدان الثقة.

وهذا يعني أن قضية السكن لا يمكن فصلها عن قضية الأجور، ولا عن الخدمات العمومية، ولا عن ظروف العمل، ولا عن توزيع الثروة.

إسبانيا إلى أين؟

تقف إسبانيا اليوم أمام مرحلة سياسية مفتوحة على أكثر من احتمال.

فمن جهة، هناك شارع يتحرك، وحركات للمستأجرين تتوسع، ونقابات تستعد لإضراب عام، ومجتمع يرفع صوته ضد ارتفاع الإيجارات وتحول السكن إلى سلعة بعيدة عن متناول قطاعات واسعة.

ومن جهة أخرى، هناك يمين يتقدم في استطلاعات الرأي، وVox أصبح قوة انتخابية رئيسية، بينما يعاني اليسار من التشتت والضعف الانتخابي.

وبين الطرفين تقف حكومة سانشيز التي اختارت اللجوء إلى الانتخابات المبكرة بعد أزمتها البرلمانية، فيما أصبحت أزمة السكن إحدى أهم القضايا التي ستحدد النقاش السياسي خلال الأسابيع المقبلة.

لكن مستقبل إسبانيا لن يتحدد فقط داخل البرلمان.

فالمعادلة الحقيقية تُصنع أيضًا في الشوارع وأماكن العمل والأحياء والنقابات وحركات المستأجرين.

إن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة لبناء سياسة اجتماعية تضع السكن والخدمات والأجور في مقدمة الأولويات، أو يمكن أن تتحول إلى وقود لصعود قوى تقدم حلولًا قومية وإقصائية لمشكلات ذات جذور اقتصادية واجتماعية.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط: من سيحكم إسبانيا بعد 29 نوفمبر؟

السؤال الأعمق هو: أي سياسة ستنتصر في مواجهة الأزمة؟

سياسة تجعل الإنسان وحقه في السكن والعمل والعيش الكريم أولوية على الربح والمضاربة، أم سياسة تترك هذه الحقوق رهينة السوق وتكتفي بإدارة الغضب الاجتماعي؟

إن أزمة إسبانيا، في جوهرها، ليست فقط أزمة حكومة ولا أزمة انتخابات ولا حتى أزمة سكن.

إنها تعبير عن تناقض أعمق بين اقتصاد قادر على إنتاج الثروة، ونظام اجتماعي لا يضمن توزيعها بصورة عادلة.

ومن هنا، فإن المعركة حول السكن ليست معركة على الجدران والأسقف فقط؛ إنها معركة حول لمن تكون المدينة، ولمن تُنتج الثروة، ومن يملك القرار بشأن المستقبل.

إلى الأعلى
×