الرئيسية / صوت العالم / مصر في قلب الصّراع الأمريكي الصيني
مصر في قلب الصّراع الأمريكي الصيني

مصر في قلب الصّراع الأمريكي الصيني

بقلم ألفة بعزاوي

خلال أسابيع قليلة من صيف وخريف 2026 ظهرت على الساحة المصريّة جملة من الأحداث والتطوّرات التي تكشف لكل من يتابعها ويحلّلها أن مصر أصبحت إحدى النقاط التي تتقاطع فيها المنافسة الأمريكية الصينية على اقتسام مناطق النفوذ في العالم وأن متابعة الساحة المصرية قد تتيح لنا قراءة جانب من التحوّلات التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي في القرن الحادي والعشرين.

من المناورات العسكرية إلى الذكاء الاصطناعي: مصر تكتسب أهمية متزايدة لدى الصين

البداية كانت مع النقلة العسكرية المهمة سنة 2025 حيث أجرت القوات الجوية المصرية والصينية أوّل تدريب جوّي مشترك دام من 17 أفريل إلى 4 ماي تحت اسم: “نسور الحضارة 2025″، واللاّفت أن الصين بهذه المناسبة أرسلت إلى مصر حزمة جوية تضمنّت طائرات إنذار مبكّر وطائرات تزوُّد بالوقود بالإضافة إلى مقاتلات J10-C وهي أول مرة ترسل فيها الصين حزمة من هذا النوع إلى أفريقيا للمشاركة في تدريب عسكري وهو تطوّر نوعي إذ يسمح للطرفين باختبار التوافق التكتيكي والعملياتي العسكريّين.

وفي نفس السنة أشارت وكالة رويترز إلى أنّ الفضاء أصبح جزءا من الشراكة الاستراتيجية المصرية الصينية وتشير المعطيات إلى أن التعاون الفضائي بين البلدين أصبح يشمل أقمارا للاستشعار عن بعد ومنشآت لمراقبة الأقمار الصناعية بالإضافة إلى تدريب مهندسين مصريين ونقل التقنيات بالتوازي مع التجهيزات. تأتي بعد ذلك جملة الأحداث التي شهدتها مصر منذ صائفة 2026 ففي شهر ماي تحدثت مصادر مصرية عن تكثيف اتصالات الصين حول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ المصرية. وقد قدّمت شركات ومجموعات صينية متخصصة في الموانئ واللوجستيّات عروضا تتجاوز قيمتها 2،4 مليار دولار لمشاريع في النقل البحري والصّناعة والخدمات اللوجستية وهو ما يفيد أنّ قناة السويس والموانئ المصرية هي إحدى المحاور الرئيسية في الشراكة بين البلدين.

وفي جوان 2026 وقع تجديد وتوسيع اتفاقية مبادلة العملات المحلية بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني لمدّة ثلاث سنوات وارتفعت القيمة إلى 30 مليار يوان (حوالي 4.4 مليار دولار) مقابل 18 مليار يوان في الاتفاق السابق وهو ما يفيد بناء وتوسيع قنوات مالية مباشرة بين البلدين، ما من شأنه تقليل الحاجة إلى الدولار في جزء من التعاملات التجارية والمالة الثنائية.

وفي 22 أوت 2026 تمّ إطلاق النسخة الثانية من المناورات الجوية المصرية الصينية المشتركة تحت اسم “نسور الحضارة 2026” وهي لم تكن مجرّد تدريبات شكلية حيث شاركت فيها طائرات مقاتلة متعدّدة المهام من الطرفين. وتشير عديد التقارير إلى مشاركة المقاتلات الصينية J16 وطائرات رافال المصرية الفرنسية وقد تضمنت التدريبات التخطيط للعمليات الجوية المشتركة، إدارة القتال الجوي، تنسيق العمل بين الطيران والقوات الجوية والتزوُّد بالوقود جوَّا. وبالربط مع التدريبات العسكرية المشتركة نسخة 2025 يمكن القول إن هذه التدريبات لم تعد أحداثا منفردة بل تحولت إلى مسار للتعاون العسكري العملي بين البلدين.

وفي أواخر أوت 2026 تقدمت شركة Huawei الصينية بعرض لمصر يهدف إلى إنشاء بنية لمراكز بيانات للذكاء الاصطناعي وتزويدها بأكثر من 2000 شريحة Ascend.

ثمّ جاءت زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى مصر يومي 1 و2 سبتمبر بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدين وهي الزيارة الأولى منذ 10 سنوات، وخلال هذه الزّيارة جرى توقيع ما يزيد عن 20 وثيقة تعاون واتفق البلدان على ربط استراتيجية مصر التنموية “رؤية 2030” بمبادرة “الحزام والطريق” وتوسيع المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية في قناة السويس كما صدر بيان مشترك من 21 نقطة حول تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة للبلدين واستمرار التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.

إذا وضعنا كل هذه الأحداث والتطورات في خط واحد فيمكن القول إننا أمام توسيع نوعي لمجال العلاقات المصرية الصينية فبالنسبة للصين فإن مصر تعتبر منصة لوجيستية باتجاه ثلاث قارات حيث أنها من أكبر مستخدمي الطريق البحري بين آسيا وأوروبا مرورا بقناة السويس لذلك من مصلحتها ضمان استمرار تدفق بضائعها كما أن الصين تستطيع إقامة مصانع في مصر ثمّ التصدير إلى أفريقيا أوروبا والشرق الأوسط وهو ما يفسر أهمية المنطقة الصناعية المصرية الصينية.

واشنطن لا يمكنها تجاهل ذلك

لا شكّ أن واشنطن هي أشدّ المراقبين لهذه التطوّرات وهو ما سيتجسد في جملة الإجراءات التي ستتخذها كردّ فعل على عدد من الملفات. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تُعتبر مصر جزءا من البنية الأمنية للشرق الأوسط ولها علاقة مباشرة بملفات إسرائيل وغزة والبحر الأحمر وغيرها كما تُعتبر مصر بوّابة للقارة الأفريقية ومدخلا لبؤر الصراع هناك كالسودان وليبيا وغيرها وهو ما يفسر امتداد التعاون العسكري الأمريكي المصري لعقود والمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر بما يفوق 1.3 مليار دولار سنويا، لهذا لم تستطع واشنطن تجاهل التوسّع الصيني في مصر وسارعت إدارة ترامب في أكتوبر 2026 إلى إعفاء 320 مليون دولار من التمويل العسكري لمصر من شروط حقوق الإنسان المرتبطة به محاولة التسويق لهذه الخطوة باعتبارات الأمن القومي والدور الإقليمي لمصر.

ومن أكثر التطورات دلالة في هذه المسألة هي قضية مركز البيانات والذكاء الاصطناعي إذ حالما صدرت تقارير عن العرض الذي قدمته شركة Huawei  للمشاركة في بناء البنية التحتية المصرية للذكاء الاصطناعي سارعت الولايات المتحدة إلى تقديم عرض منافس بالاعتماد على شركات Nvidia وAMD وMicrosoft وقد أعلنت مصر في 8 سبتمبر عن مشروع مركز الذكاء الاصطناعي السيادي الذي سيبدأ بطاقة 20 ميجا وات وباستثمار أولي يقدر ب200 مليون دولار مع خطة للتوسع إلى 200 ميجا وات باستثمار يفوق مليار دولار عند اكتمال المشروع وذلك بالاعتماد على تقنيات Nvidia وليس Huawei . ويمكن فهم ردّ الفعل الأمريكي السريع في هذه المسألة تحديدا من زاويتين مختلفتين: الأولى هي أن الاختيار التقني في الحاضر سيتحوّل إلى اعتماد استراتيجي في المستقبل، ذلك أن الرقاقات المستخدمة مرتبطة بالخوادم (les serveurs) والشبكات وأنظمة التشغيل والبرمجيات وقواعد البيانات وغيرها، وكلما ارتبطت دولة بمنظومة تكنولوجية معينة كلما صار الانتقال إلى منظومة منافسة أكثر تكلفة وتعقيدا. أما الثانية وهي النقطة الأكثر حساسيّة، فتتمثّل في كون البنية التّحتيّة للذّكاء الاصطناعي هي جزء من القدرة الاستخباراتيّة للدّولة. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى البيانات، والاستخبارات الحديثة تحتاج إلى البيانات، وامتلاك أو تشغيل أجزاء من البنية التّحتيّة الرّقميّة هو مدخل للولوج مكان تخزين البيانات وتحليل صور الأقمار الصّناعيّة وحركة الاتّصالات والخرائط والسّجلاّت وأنماط الحركة والسّلوك…

مصر في قلب الصّراع ولكن أيّ صراع؟

تبدو مصر أكثر فأكثر في قلب الصراع الأمريكي الصيني وقد يشكّك البعض في هذا التّحليل بالقول أنّنا بصدد منافسة اقتصاديّة وتجاريّة وأنّ السّلوك الأمريكي هو أقرب إلى الاحتواء منه إلى المواجهة المباشرة وفي الردّ على ذلك نؤكّد أن التنافس الأمريكي الصيني لا يعني أن واشنطن وبيكين تخوضان حربا مباشرة على المنطقة بل إنّ الصراع بين القوى الإمبرياليّة يتّخذ في أحيان كثيرة أشكالا أشدّ تعقيدا:

 استثمار مقابل استثمار، شراكة مقابل شراكة، ميناء مقابل ميناء، نفوذ دبلوماسي مقابل نفوذ دبلوماسي، تكنولوجيا مقابل تكنولوجيا وسلاح مقابل سلاح. ويتقاطع ذلك مع الحروب والصّراعات الإقليميّة فيصبح من الصّعب الفصل بين “التّنافس” في السّاحة المصريّة والصّراعات والحروب في بقيّة المنطقة. كما يمكن في بعض الحالات أن تكون للقوى المتنافسة مصلحة مشتركة في بعض الملفّات على غرار قناة السّويس وباب المندب والبحر الأحمر، وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر مدى حساسيّة هذه المنطقة إذ أدّى اضطراب الملاحة إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشّحن. وعليه فإنّ الولايات المتّحدة تريد حرّيّة الملاحة والصّين تريد حرّيّة الملاحة لكنّ كلّ قوّة تنظر إلى أمن هذه الممرّات من زاوية مصالحها الخاصّة وهو ما يسند لمصر أهمّيّة كبرى لدى الطّرفين ويرجّح تنامي الصّراع حولها بين يبكين وواشنطن مستقبلا.

لقد ظلّ الشّرق الأوسط لعقود أحد أهمّ مناطق النّفوذ الأمريكي خارج أوروبا وآسيا، وتستند القوّة الأمريكيّة في المنطقة إلى شبكة من التّحالفات مثل مصر والسّعوديّة والإمارات وغيرها وإلى العلاقات الأمنيّة والقواعد العسكريّة والتّعاون الاستخباراتي والعسكري، إضافة إلى الدّور المركزي للولايات المتّحدة فيما يتعلّق بأمن دولة الكيان الصّهيوني. أمّا الصّين فقد دخلت المنطقة من بوّابة مختلفة إلى حدّ كبير: التّجارة والطّاقة والاستثمار والبنية التّحتيّة والدبلوماسيّة. وبحسب دراسة حديثة لمعهد كارنيغي فإنّ الولايات المتّحدة لاتزال متفوّقة عسكريّا بصورة واضحة في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا بينما تتقدّم الصّين اقتصاديّا ودبلوماسيّا.

أيّ سيادة لمصر في ضوء هذا الصراع؟

نقطة أخيرة تتطلّب التّدقيق والتّوضيح ألا وهي ادّعاءات وسائل الإعلام وأبواق دعاية النّظام المصري بأنّ التّنافس بين الولايات المتّحدة والصّين سيوفّر فرصة لمصر للتفاوض وبناء قدراتها الإنتاجيّة والتّكنولوجيّة… وهو ما يلتقي مع ما يروّج له بعض المحلّلين والسّياسيّين، ومنهم من يحسب نفسه على القوى اليساريّة، بالقول إن للشعوب المفقّرة والتّابعة مصلحة في عالم متعدّد الأقطاب ومنافذ ومساحات للمناورة داخل صراع القوى الامبرياليّة.

لقد وصف تقرير لمركز بلفر السّياسة المصريّة بانّها تقوم على بناء شراكات متعدّدة مع واشنطن وموسكو ويبكين وأوروبا وتنويع العلاقات وأضاف نفس التّقرير بأنّها استراتيجية تستفيد من المركزيّة الجيوسياسيّة لمصر للحصول على موارد واستثمارات من أطراف متعدّدة.  لكن ينبغي التّفريق بين تنويع التّبعيّة وتجاوز التّبعيّة حيث يمكن لدولة أن تنتقل من الاعتماد على قوّة واحدة إلى التعامل مع عدّة قوى دون أن تمتلك بالضّرورة قاعدة مستقلّة للتّراكم. ويصف تحليل حديث لمركز كارنيغي النموذج الاقتصادي المصري بكونه نموذجا يعتمد بدرجة كبيرة على إدارة الأراضي والأصول العامّة والمشروعات التي تقودها الدولة والمؤسسة العسكرية، وهو نموذج مرتبط باستمرار بالحاجة إلى الاقتراض الخارجي وتدفقات رأس المال. وفي الوقت نفسه أشار صندوق النقد الدولي في سبتمبر 2026 إلى أن الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية لمصر ماتزال مرتفعة وأن احتياجات التمويل الإجمالية تقارب 40% من الناتج المحلي في المدى القريب وهذا يفيد أن استراتيجية تنويع الشركاء لم تقد مصر إلى توليد فوائض داخلية كافية لتمويل احتياجاتها دون اعتماد بدرجة كبيرة على الخارج أي أن الاقتصاد المصري لم يبرح موقع استقبال رأس المال الأجنبي وتوفير الأرض والعمل، البنية التحتية والحوافز بينما تظل التكنولوجيا والتمويل والأسواق الرئيسية وفي كلمة تراكم الثروة في الخارج. كما أن نمو الاستثمارات لم يُلغ مسألة ضعف الأجور وشروط العمل والحماية الاجتماعية… بل إن الشركات متعددة الجنسيات تستخدم المنافسة بين مواقع الإنتاج للضغط على العمّال وتواجه الطبقة العاملة المصرية رأس المال المحلي كما تواجه رأس المال العابر للحدود وسلاسل الإنتاج العالمية وهو ما يعكس تواصل الموقع المتدني لمصر في التقسيم العالمي للعمل.

من جهة أخرى فإن صراع القوى الإمبريالية لم يجعل من منطقة الشرق الأوسط أقل توترا بل على العكس من ذلك تماما فقد زادت الصراعات والحروب بالموازاة مع ازدياد عسكرة المنطقة وقد ظهر ذلك في توسع صادرات السلاح الصينية وكذلك الأمريكية إلى عدد من دول الشرق الأوسط.

إلى الأعلى
×