الرئيسية / صوت الوطن / أيُّ صحافةٍ نريد:صحافة تُسائل السلطة أم صدى يجمّل الاستبداد
أيُّ صحافةٍ نريد:صحافة تُسائل السلطة أم صدى يجمّل الاستبداد

أيُّ صحافةٍ نريد:صحافة تُسائل السلطة أم صدى يجمّل الاستبداد

بقلم جيهان اللواتي

يعيش المشهد الإعلامي التونسي اليوم شأنه شأن مختلف الساحات الإعلامية في العالم في ظل إعادة تشكُّل منظومة الاتصال كليًا مخاضًا عسيرًا وتحدياتٍ عميقة. غير أن جذور هذه الأزمة لا تُختزل في التسارع التكنولوجي المتلاحق ولا في هيمنة الخوارزميات وتمدد منصات التواصل الاجتماعي على حساب المتابعين بل هي في أصلها أزمةٌ تمسّ جوهر الوظيفة الديمقراطية للإعلام وتطرح سؤال التأسيس من جديد أيّ صحافةٍ نريد؟ في بلدٍ يُعاني وطأة الرأسمال الريعي واستبداد السلطة المناهض لحرية الإعلام؟ وأيّ صحفيٍّ قادرٌ اليوم على حمل هذه الرسالة النبيلة رغم ما تتطلبه من تضحياتٍ وجسيم المسؤوليات؟
أمام تضافر الضغوط السياسية وسيطرة رأس المال الذي لا يرى في وسائل الإعلام سوى أداة نفوذ أو استثمار عابر يُصبح البحث عن إجابةٍ جادة لهذا السؤال ضرورةً وجودية لا ترفًا فكريًا وإن الإجابة الواعية تبدأ من تفكيك منظومة الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي أفرغت الصحافة من قيمها الأخلاقية والاجتماعية والثقافية وتحويل العديد من منابرها إلى أدوات للتوجيه والتسويغ بدل أن تكون منارات للتوعية والتحرر والرقابة ومساءلة النفوذ.
ولعلّ المدخل الأساسي لهذه المعركة يكمن في مراجعةٍ مفهومية جذريّة لمبادئ العمل الصحفي ذاته فالصحافة ليست مجرد «سلطة رابعة» تضاف إلى السلطات التقليدية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) لتجميل الواجهة الديمقراطية بل هي في جوهرها «سلطة مضادّة» تستمد شرعيتها من رقابة السلطة ومساءلتها لا من مهادنتها وهذا الفارق ليس مجرد ترفٍ لفظي بل هو اختلاف جوهري في الرؤية والوظيفة والممارسة يحدد موقع الصحفي من مراكز القرار ورسم حدود استقلاليته.
وإن كنا ندرك تنوّع أنماط الصحافة وتعدد توجهات الصحفيين فإن انطلاقنا ينبع بوضوح من التزامنا بصحافةٍ تقف في وجه الجور والاضطهاد والاستغلال وبصحفيٍّ يتخذ من الكلمة والصورة والفكر وسيلة للنضال من أجل تقدم مجتمعه ووطنه ومن هذا التعريف نؤكد أن الصحافة إما أن تكون ديمقراطية وتقدمية أو لا تكون.
فخّ الترويض والانسجام الرسمي
إن ترسيخ مقولة «السلطة الرابعة» في الذهنية المهنية والعامة يُعطي انطباعًا مضللًا يصور الصحافة جزءًا من هيكل الحكم أو ذراعًا مكملة لمؤسسات الدولة. وهذا المفهوم التقليدي يؤول بالصحافة تدريجيًا إلى الاحتواء والتدجين إذ يربط وجودها بمدى خدمتها للاستقرار الرسمي وحراستها للحدود التي ترسمها القوى السياسية والمالية.
وحين تصبح الصحافة حلقةً في سلسلة المنظومة الرسمية تفقد استقلاليتها الحقيقية وتتحول بعلمٍ أو بغير علم من كشف الحقيقة ومساءلة السلطة إلى تبرير السياسات القائمة وترويج شرعيتها وقد أدى هذا الانزلاق إلى أزماتٍ متراكمة تجلت في مظاهر عدة:
الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية: تفشي عقود العمل المؤقتة والمهتزة التي تجعل الأمان الوظيفي سيفًا مسلطًا على الأقلام الحرة فالصحفي المحروم من الاستقرار الاجتماعي والتأمين الصحي يتحول قلقه المعيشي اليومي إلى رقابةٍ ذاتية أشد فاعلية من أي رقابة رسمية مباشرة.
تدجين الخطاب وتسطيح المضمون: غلبة التوجيه والخطاب الدعائي على حساب الصحافة الاستقصائية والتحليل العميق وتراجع التقصي الجاد لصالح محتوى استهلاكي سريع يُلبي الإثارة الوقتية على حساب حق المواطن في المعرفة الشاملة والواعية.
أزمة المصداقية وفقدان الثقة: اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات الإعلامية (العمومية والخاصة) التي فقدت مصداقيتها بتحولها إلى صدى لرغبات الممولين وأصحاب النفوذ مما فسح المجال لتفشي الشائعات والمعلومات المضللة.
تفكك النسيج النقابي: اختزال الصحفي في موقع الأجير الخاضع يُضعف قدرته على التنظيم والتضامن الجماعي مما يحول الهياكل النقابية إلى كيانات شكلية تعجز عن فرض التوازن وحماية كرامة المهنة واستقلالها.
بوصلة «السلطة المضادة»: رقابةٌ واعية لا مرآة مجمِّلة
إن العودة إلى مفهوم «السلطة المضادة» بوصفه المرجع التأسيسي يعني أن الوظيفة الطبيعية للصحافة هي المراقبة والمساءلة وتعديل المسار كلما انحرفت السلطة بشتى أشكالها السياسية والمالية والاجتماعية عن خدمة المصلحة العامة. فالصحافة وجدت لتكون أداة نقدٍ وتنبيه لا مرآةً تُجمّل الواقع أو صدى يتردد خلف القرارات الرسمية.
إن الرؤية النقابية الجادة ترفض اختزال أزمة القطاع في جوانبها التقنية أو الشكلية وتضع الاستقلالية التحريرية في صدارة الأولويات مقترنةً بالضرورة بحماية الحقوق المادية والمعنوية للصحفيين فالارتباط بين الحرية التحريرية والأمان الاجتماعي ارتباطٌ وثيق إذ لا يمكن لصحفيٍّ يعاني التهميش والتهديد المعيشي تحت مقصلة الخوف أن يمارس دور الرقابة والمساءلة بالكفاءة والجرأة المطلوبة.
ومن هنا تتشكل المقولة الجوهرية التي ينبغي أن تكون ميثاقًا لكل صحفي حر.
لا حرية للصحافة ولا دور حقيقيًا للسلطة المضادة دون صحفيين أحرار ومتمسكين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
فالحرية الصحفية ليست مجرد نصوص دُستورية أو شعارات نظرية بل هي بناء متكامل يتطلب توفير الشروط المادية والمؤسسية التي تمكّن الصحفي من أداء رسالته دون خوفٍ من التجويع أو الفصل التعسفي أو الملاحقة القضائية.
الثوابت التأسيسية للصحافة التي نريد
بناءً على هذا التعريف يمكن تحديد المبادئ الأساسية التي يجب أن ترتكز عليها الصحافة الحرة:
التحرر من الهيمنة المالية والوصاية الرسمية: تفكيك الاحتكار الإعلامي ووضع قواعد شفافة لتمويل المؤسسات تضمن التعددية وتُبعد الوصاية الرسمية والابتزاز المالي مع سن تشريعات صارمة للكشف عن مصادر الدعم وإحداث صناديق دعم عمومية مستقلة تُدار بالشراكة مع أهل القطاع والمجتمع المدني.
الأمان المهني والاجتماعي: تحويل مناهضة التشغيل الهش إلى التزام تشريعي يضمن أجورًا عادلة بتطبيق الاتفاقية المشتركة ويمنع الطرد التعسفي ويوفر التغطية الصحية والحماية الشاملة للصحفيين فالاستقرار الوظيفي هو الضمانة الأولى لاستقلالية الخط التحريري.
الالتزام بأخلاقيات المهنة: مواجهة التسطيح والإثارة بالاعتماد على الصحافة الاستقصائية الرصينة والتدقيق الصارم في المصادر والمعلومات والانحياز الكامل لحق المجتمع في المعرفة فالمهنية العالية هي سر المصداقية.
البناء النقابي والتضامن الميداني: توحيد الجسم الصحفي حول قضاياه المشتركة عبر عملٍ نقابي مستقل وقوي قادر على الدفاع عن الحقوق ومواجهة الانتهاكات والضغط للوصول إلى تشريعات تحمي المهنة وأبنائها.
التحرر من الاستبداد والتمسك بالمناخ الديمقراطي: إن ممارسة صحافة جادة وناقدة تظل رهينة توفر بيئة سياسية ديمقراطية تُحترم فيها الحريات فالاستبداد هو العدو الأول للإعلام الحر إذ يُكبل الصحفيين بين السجن أو الهجرة أو الخوف أو البطالة ومن هنا فإن نضال الصحفيين للتحرر والنهوض بمهنتهم هو جزء لا يتجزأ من نضال المجتمع التونسي بأسره من أجل الحرية والكرامة.
ويتطلب هذا المسار النقابي والمهني المستقل العمل اليومي على كبرى الملفات:
– إطلاق سراح الصحفيين المعتقلين وإيقاف الملاحقات ضدهم
– توفير ظروف عمل وعيش لائق للصحفيين
– احترام استقلالية الخط التحريري وتفعيل الهياكل التعديلية المستقلة (مثل “الهايكا”)
– إلغاء كافة النصوص والقوانين المقيدة لحرية التعبير والإعلام وفي مقدمتها المرسوم 54
خيار الوعي أو الاندثار
إن المعركة اليوم ليست مجرد صراعٍ بقاء لمؤسسات إعلامية تقليدية أو حنينٍ للصحافة الورقية في عصر الرقمنة بل هي معركة استعادة المعنى التأسيسي والنبيل لرسالة الصحافة بوصفها سلطة مضادة ووظيفة مجتمعية وثقافية قبل أن تكون نشاطًا تجاريًا.
فإما صحافةٌ حرة استقصائية جريئة منحازة لقضايا الشعب وحقوقه ومحمية ببنَى نقابية وحقوقية صلبة تقيها الابتزاز والضغوط… وإما بوقٌ إعلامي يفرغ المهنة من قيمتها الأخلاقية والتاريخية.
إن القرار بأيدي الصحفيين والصحفيات إما الحرية والكرامة المهنية وإما الاندثار.

إلى الأعلى
×