الرئيسية / صوت الوطن / عودة التضخّم للارتفاع وحقيقة الأسعار في تونس
عودة التضخّم للارتفاع وحقيقة الأسعار في تونس

عودة التضخّم للارتفاع وحقيقة الأسعار في تونس

بقلم جيلاني الهمامي

سجلت نسبة التضخم في تونس أواخر شهر سبتمبر ارتفاعا بحوالي نقطة (0.8%) لتصل إلى ما يقارب 6% (5.6%) وليؤكد النسق التصاعدي الذي انطلق منذ بداية هذا العام. تاريخيا بلغت نسبة التضخم أوجها سنة 2023 وفاقت حدود الـ 10% ثم استمرت في التراجع حتى بداية هذه السنة لتعود إلى الارتفاع تواليا من 4.8% في جانفي الماضي إلى 5.1% في ماي ثم 5.4% في جويلية وأخيرا 5.6% في سبتمبر حسب الأرقام الرسمية (أرقام مركز الإحصاء الوطني).

هذا النسق التصاعدي له مدلولات اقتصادية واجتماعية نحاول فيما يلي البحث فيها وتحليلها وتفسير انعكاساتها على ظروف عيش المواطن في تونس علاوة على الوضع الاقتصادي ككل.

الأسباب الحقيقية للتضخم

مما لا شك فيه أن عودة نسب التضخم للارتفاع لها أسبابها المباشرة والبعيدة ارتباطا بالأوضاع المحلية، الاقتصادية منها والمالية والاجتماعية، ولكن أيضا في علاقة بتطور الأحداث الدولية منذ اندلاع الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية خاصة.

قبل الدخول في الأرقام والتفاصيل دعنا نشير في البداية إلى أن السبب الرئيسي والحقيقي لظاهرة التضخم هو سبب هيكلي ويتمثل في ندرة الخيرات والبضائع في السوق أو بعبارة أخرى ضعف العرض نتيجة ضعف الإنتاج وليس السبب كما يدعي البعض ارتفاع الطلب الاستهلاكي مقارنة بالعرض. ومعلوم أن محدودية كميات المواد المعروضة في السوق تعود إلى محدودية الطاقة الإنتاجية لمختلف فروع الإنتاج في بلادنا (الفلاحي والصناعي والخدماتي) وسبب ذلك هو تقلص المجهود الاستثماري وغياب المشاريع الجديدة المنتجة من ناحية وارتفاع كلفة الإنتاج بالنسبة للمشاريع الموجودة. لذلك تكتسي ظاهرة التضخم طابعا هيكليا وتبدو أنها ظاهرة ملازمة لكل “الخطط التنموية” وكل الميزانيات السنوية. وطالما سيستمر الاستثمار في تراجع سيستمر الإنتاج محدودا وسيكون العرض في السوق ضعيفا وسيكون الطلب أكثر من العرض وبالتالي ستكون الأسعار في تصاعد دون توقف.

سبب آخر لا بد من الإشارة إليه وهو استيراد التضخم. ويعني ذلك ارتفاع استجلاب أسباب ارتفاع أسعار بعض المواد عن طريق توريد البعض أو توريد مدخلات صناعة بعض المواد الأخرى بحيث تكون كلفة الإنتاج عالية وهو ما يتسبب في ارتفاع الأسعار. وقد عرفت أسعار المواد الأولية والفلاحية والغذائية في الأسواق العالمية ارتفاعا جنونيا في السنوات الأخيرة تماما مثل المواد نصف المصنعة. وإلى جانب ذلك يساهم تدهور قيمة الدينار التونسي مقابل العملات الأساسية في سوق المعاملات بنسبة هامة في ارتفاع أسعار المواد المورّدة وبالتالي في كلفة الإنتاج.

هذه هي الأسباب الأساسية والحقيقية في تفاقم ظاهرة التضخم في اقتصاد غير منتج وضعيف الإمكانيات وغير قادر على تنمية البلاد باستقلالية عن مخططات الاحتكارات العالمية والقوى الهيمنية في العالم.

إلى جانب ذلك هنالك أسباب أخرى لا تقل أهمية، دائمة أو ظرفية، مثل الأسباب المناخية (الجفاف) ومشاكل التوزيع في السوق الداخلية (المضاربة والاحتكار الخ…) ومحدودية المواد الطبيعية محليا (النقص في المياه وارتفاع كلفة الري وتراجع إمكانيات إنتاج المحروقات الخ…) ومحدودية إمكانيات المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للنسيج الإنتاجي في البلاد.

كل هذه العوامل تجعل من التضخم ظاهرة مستمرة في الزمن وليس بوسع الاقتصاد التونسي التحكم فيها أو التغلب عليها ما لم تقع معالجة الأسباب التي أتينا عليها. وفي ظل ذلك ستعاني المقدرة الشرائية للمواطنين من تبعاتها إذ سيستمر مستوى الأسعار مثل ما يحصل في كل اقتصاد يتميز بالندرة والاحتياج (économie de rareté et de besoins).

حقيقة الأسعار في تونس

من جانب آخر لا بد من توضيح أن نسبة التضخم الرسمية التي تعلنها السلطة والدوائر الاقتصادية والإحصائية ليس هي النسبة الحقيقية التي يعيشها المستهلك التونسي. فبحسب أرقام المعهد الأعلى للإحصاء بلغت نسبة التضخم السنوي في شهر سبتمبر 5.6 % وهو أعلى مستوى تبلغه منذ أفريل 2025. ويعود هذا الارتفاع لما طرأ على مؤشر أسعار أهم مواد وأبواب الاستهلاك الأساسي كالآتي:

  • لحوم الدّواجن بـ 5%
  • الفواكه الطّازجة بـ 3%
  • لحوم الضّأن (العلوش) بـ 6%
  • اللحم البقري بـ 13%
  • الخضر الطّازجة بـ 9%
  • الأسْماك 4%
  • الملابس والأحذية 2%

علما وأن هذه الأبواب في مصاريف الأُسَرْ تُمَثّل المكونات الأساسية من مؤشر أسعار الاستهلاك، فالأغذية والمشروبات تمثل 26% من مصاريف الأسرة التونسية ويمثّل الإسكان والمرافق 91% والنقل 13% والملابس والأحذية 7%.

والسؤال المطروح هنا هو: إذا كانت هذه الأبواب الأربعة (الأغذية والسكن والنقل والملابس) تمثل 65% إنفاق الأسرة وقد ارتفعت في شهر سبتمبر بالنسب المذكورة أعلاه (نقلا عن معهد الإحصاء) ما بين 9 % و16.5% كيف نفسر نسبة الانزلاق الشهري في حدود 0.8% فقط حتى تصل النّسبة السنوية في شهر سبتمبر 5.6% فقط؟ ألا يدعو ذلك إلى السّخرية؟

ومما يبعث على الشك في صدقية هذه النسبة (5.6%) هو أن شهر سبتمبر وهو شهر العودة المدرسية والجامعية يحمل معه ضغطا موسميا معروفا ومصاريف إضافية عرفت أسعارها ارتفاعا اجماليا بـ 3.9% (دون الدخول في التفاصيل) عرف نسبة زيادة مقارنة بأسعار شهر أوت بـ 2.1% في أسعار الغذاء والمشروبات، ومع ذلك يقدّر معهد الإحصاء نسبة ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك إجمالا بـ 0.8% بين أوت وسبتمبر 2026. وهو ما يدعو مرة أخرى للاستغراب والشك.

ما ينبغي الإشارة إليه أيضا أن أسعار الغالبية العظمى من مواد الاستهلاك أسعار محررة (83%) وأن القلة القليلة من الأسعار المؤطرة أو خاضعة للتّسعير الإداري les prix administrés صارت هي الأخرى شبه محررة في ظل فقدان العديد من المواد المُسَعَّرة (السّكر والرزّ والمياه المعدنية المعلّبة الخ…). يتّضح ذلك مثلا في الفارق الكبير بين نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الحرة (9.4%) مقابل أسعار المواد المُسَعَّرة (1.2%).

وبصرف النظر عن كل هذه المعطيات والأرقام فإن المواطن التونسي يدرك جيدا أن لا علاقة لنسبة التضخم التي تعلنها الدوائر الرسمية بالتضخم المحسوس الذي يعاني من آثاره على دخله وعلى جيبه ومقدرته الشرائية. وبرغم كل المراوغات وعمليات التضليل فإن الأرقام والإحصائيات لا يمكنها أن تنكر أن الأسعار قد تضاعفت (100%) خلال العشر سنوات الماضية، ما بين 2015 و2026 وقد بلغت الزيادة في بعض الحالات 188% بالنسبة للحوم و163% بالنسبة للغلال. في المقابل من ذلك لم تشهد المداخيل تطورا كبيرا إذ لم تتجاوز الزيادات في الأجور في كل جولة من جولات المفاوضات الاجتماعية بما في ذلك زيادات الربيع الماضي 3.5%.

لذلك تبقى الفجوة بين التضخم الرسمي وما أسماه أستاذ الاقتصاد رضا شكندالي “تضخم قفة المواطن” هو الفارق الملموس بين تطور الأسعار وتطور الدخل الحقيقي.

قد يكون القادم أسوأ

خلاصة الأمر أن المقدرة الشرائية باتت في الحضيض وبلغت المعاناة أقسى درجاتها ولا يبدو في الأفق ما يدل على إمكانية خروج البلاد من هذه الدوامة. بل من المرجح أن تزداد الوضعية سوءا وتعقيدا في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية في الداخل واتجاه الأوضاع في الخارج عربيا ودوليا إلى احتدام الصراعات والتوترات أكثر فأكثر. حتى المناخ مقدم على تقلبات جمة بما قد يعرّض النشاط الفلاحي وحتى الصناعي والخدماتي (السياحة مثلا) إلى الانخرام والفوضى. وقد وردت في الأيام الأخيرة تهديدات جدية بقطع الإمدادات من الحبوب على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كل هذا المناخات تنبئ بتفاقم ظاهرة التضخم التي بات من الواضح أن الدولة التونسية لا تملك حيالها سوى محاولة التخفيف من وطأته لا أكثر. لقد تخلت الدولة تماما ونهائيا عن استراتيجية القضاء على أسباب التضخم لسبب بسيط وهو أنها مستمرة في نفس الاختيارات التي لا تنتج سوى التضخم وتعيد إنتاجه في إطار دوامة لا تتوقف.

ويبقى المواطن/المستهلك لا فقط عرضة لآثار هذه الدوامة المفزعة وإنما أيضا لفقدان ما يسد رمقه بما يؤشر على اقتراب شبح مجاعة عصرية تسعى الدولة في تونس والمنظومة الرأسمالية العالمية إلى تغليفها بكل صنوف “الماكياج”.

إلى الأعلى
×