الرئيسية / صوت الوطن / مطمور روما… والجوع للكروما!
مطمور روما… والجوع للكروما!

مطمور روما… والجوع للكروما!

بقلم رشيد سوايح

تعاني تونس عجزاً هيكلياً، ومزمناً، ومتنامياً. خمس كلمات تختزل مأساة بلد أطعم ذات يوم إمبراطورية بأكملها، ليجد نفسه اليوم يرهن سيادته الغذائية ولقمة عيش مواطنيه وراء البحار. إنها المفارقة الصارخة والتناقض الموجع الذي صاغه الأجداد في مَثل شعبّي يقطر مرارة: “مطمور روما، والجوع للكروما!”؛ صرخة جيل يرى الأرض التي فاضت بالقمح والغلال، تضيق اليوم بأهلها وتخنق رقابهم الأزمات الطاحنة وطوابير الخبز اليومية، في ظل تبعية غذائية كشفت العولمة المتوحشة والحروب الإقليمية عوراتها.

لقمة التونسي الأسيرة.. أرقام تفضح التبعية

تُشكل الحبوب العمود الفقري الحقيقي لـ”الأمن الحيوي” للتونسيين، فهي ليست مجرد سلعة غذائية، بل هي أساس السلم الأهلّي. فالإحصائيات تكشف أن الحبوب تمثّل 4% من مجمل نفقات العائلات التونسية، لكنها في المقابل تؤمّن 49% من السعرات الحرارية و51% من البروتينات التي يستهلكها التونسي يومياً. لقد بلغ استهلاك الفرد الواحد من الحبوب ومشتقاتها 174.3 كغ سنويا – وهو ما يعادل ضعف المعدل العالمي البالغ 70 كغ –  يلتهم منها التونسي  73 كغ من الخبز المصنوع في المخابز.

هذا النمط الاستهلاكي المفرط ليس سلوكاً عفوياً، بل هو نتاج عقود من السياسات الحكومية التي وجهت النمط الغذائي نحو العجين لتغطية ضعف القدرة الشرائية؛ ما جعل تونس في خانة البلدان “النامية” التي تشير الدراسات إلى أنها الأكثر استهلاكاً للحبوب، وفي الوقت نفسه، الأقل إنتاجاً لها. هذا الخلل البنيوي يجعل الميزان التجاري الغذائي ينزف باستمرار؛ حيث تمثل واردات الحبوب (من قمح صلب، وقمح ليّن، وشعير، وذرة) 50.8% من جملة الواردات الغذائية للبلاد، بكلفة باهظة بلغت 4552.3 مليون دينار (من إجمالي 8954 مليون دينار كفاتورة غذائية إجمالية). إن الحبوب وحدها تبتلع نصف ميزانية الغذاء وتستنزف مخزون البلاد من العملة الصعبة، مما يجعل العجز التجاري عجزاً هيكلياً مهدداً للاستقرار المالي للدولة.

تقلبات المناخ والقمح اللين.. التنازل عن السيادة

إن الإنتاج الزراعي التونسي بات رهينا لتقلبات مناخية حادة تجعله من أكثر الأنشطة الفلاحية كابوسية وتذبذباً؛ إذ تتأرجح المحاصيل صعوداً وهبوطاً بحسب التهاطلات، بفوارق واسعة بين سنوات الوفرة وسنوات الجفاف. وتكفي مقارنة عقد كامل (2015-2025) لفهم هذا التخبط، حيث شهدت المواسم أقسى فتراتها في موسم 2022–2023 الذي صُنّف كالأسوأ على الإطلاق؛ إذ ضرب الجفاف الحاد البلاد لينهار الإنتاج الإجمالي إلى 5.3 مليون قنطار فقط مقارنة بـ 17.9 مليون قنطار في الموسم السابق. وفي مفارقة موجعة، تزامنت هذه الكارثة المناخية مع الحرب الروسية الأوكرانية التي أشعلت الأسعار العالمية، ليرتفع السعر المرجعي للقمح الصلب محلياً من 80.5 دينار إلى 118.7 ثم إلى 136.9 دينار للقنطار عام 2023؛ فكانت الأسعار في قمتها تاريخياً بينما كانت الحقول خاوية على عروشها!

وإذا كانت المواسم اللاحقة قد شهدت انفراجا طفيفاً بفضل تحسن الأمطار، حيث سجل موسم 2024-2025 إنتاجاً بلغ 19.8 مليون قنطار، وحافظ موسم 2026 على استقرار نسبي للإنتاج بزيادة 20% عن معدل السنوات الخمس الماضية بفضل غيث ديسمبر 2025)، وثبّت ديوان الحبوب تجميع حوالي 11 مليون قنطار (منها 8.1 مليون قنطار قمح صلب)؛ فإن هذا الانتعاش يبقى مسكناً مؤقتاً لا يخفي العجز الحقيقي.

هذا العجز يتجلى بوضوح في “القمح اللين” (المستعمل في صناعة الخبز)، والذي يمر بأزمة هيكلية أعمق بكثير من مجرد جفاف عابر. لقد تخلت تونس عبر العقود الماضية عن إنتاجها الوطني من القمح اللين، وانهارت مساحاته المزروعة من 119 ألف هكتار في موسم 2000-2001 إلى 31 ألف هكتار فقط، لتترك البلاد مكشوفة تماماً ورهينة للاستيراد من روسيا وأوكرانيا. وحتى عندما تجود الأرض بمردود استثنائي كما حدث في 2024-2025 (25.26 قنطار/هكتار)، فإن المساحات المتبقية تظل قاصرة عن تلبية الطلب المتزايد، مما يضطر الدولة لخوض مناقصات دولية مستمرة للاستيراد لإطعام شعبها، وآخرها المناقصة الحالية – الموعد النهائي لتقديم عروض الأسعار 27 أوت المنصرم –  لشراء 100 ألف طن من القمح.

معضلة الدعم والتهريب: ومما يوجع أكثر، أن هذه الحبوب المستوردة بالعملة الصعبة تذهب لتمويل صندوق دعم يلتهم ملايين الدينارات سنوياً، حيث لا يستفيد منه المواطن البسيط وحده؛ بل يتسرب جزء كبير من هذه المواد المدعمة (كالفرينة والسميد والمعجّنات) عبر مسالك غير قانونية نحو قنوات التهريب عبر الحدود أو يستغل في غير محلّه (كالنُزل والمصانع الكبرى ومحلات المرطبات)، مما يعني أن تونس تقترض بالعملة الصعبة لتثقل كاهل ميزانيتها، ثم يذهب عرق إنتاجها تهريباً خارج حدودها أو مغنما في جيوب المضاربين.

ضرب الإنتاج من الجذور.. أزمة البذور وتهرّم الريف

إن السياسات الزراعية المتبعة تضرب منظومة الإنتاج في الصميم، وتبدأ المأساة من نقطة الانطلاق: البذور الممتازة. ففي تصريحات رسمية صادرة عن ديوان الحبوب، تبين أن حاجيات البلاد من البذور تقدر بنحو 420 ألف قنطار، في حين لا يتجاوز ما يتم تجميعه 278 ألف قنطار فقط. هذا النقص الفادح يضع الفلاحين – وخاصة الصغار منهم – في مأزق حاد، ويجبرهم على زراعة قموح استهلاك غير مراقبة وغير معالجة (تُعرف محلياً بـ”الزريعة المخبأة”)، مما يتسبب في تدهور جيني للمحاصيل وتراجع مطرد في المردودية من سنة إلى أخرى، ويعمق الفشل من البداية.

وعلى الجانب الآخر، يواجه القطاع الفلاحي تهرماً مفزعاً وخطيراً لليد العاملة. إن الشباب يهرب من الأرض بسبب غياب الآفاق، ومعدل عمر الفلاح التونسي اليوم يفوق 50 سنة، في حين أن 6% فقط من الفلاحين تقل أعمارهم عن 35 سنة.

التمويل البنكي المقيد والمنبوذ: يضاف إلى ذلك عزوف المنظومة البنكية التونسية عن تمويل صغار الفلاحين؛ حيث تُصنف القروض الفلاحية كقروض “عالية المخاطر”. الفلاح البسيط يجد نفسه محاصراً بين شح التمويل لشراء الأسمدة والمعدات، وبين غياب التغطية الاجتماعية والصحية الشاملة في الأرياف، مما يحوّل مهنة الفلاحة من قطاع استراتيجي جاذب إلى حكم شاق بالفقر تتوارثه الأجيال، ويدفع بالشباب إلى قوارب الهجرة السرية أو النزوح العشوائي للمدن.

خارطة طريق لاسترداد السيادة

إن استمرار هذا النزيف هو جريمة في حق التاريخ والمستقبل، ولا يمكن الخروج من “الجوع للكرومة ” إلا بثورة هيكلية وجذرية في السياسات الزراعية في كنف برنامج الديموقراطية الشعبية.

  • تثبيت سكان الأرياف: الحدّ من نزيف الهجرة الداخلية من خلال دعم المزارعين الشبان، وتوفير خطوط تمويل استثنائية (قروض ميسرة دون شروط تعجيزية) لإعادة إحياء الأرض وتحديثها وإسناد أراضي الدولة غير المنتجة للشباب في شكل تعاونيات.
  • فك العزلة عن الوسط الريفي: تقريب الخدمات الأساسية من صحة، وتنمية، وتعليم، وبنية تحتية، ليرى الفلاح في أرضه موطناً للكرامة لا مكاناً للنفي والتهميش.
  • ضمان سوق آمنة للمنتوج: تفعيل آلية “الأسعار المجزية والمتحركة” التي تواكب بدقة غلاء المعيشة وأسعار المدخلات الزراعية (كالفسفور والأسمدة والمحروقات)، مما يوفر مداخيل محترمة ومستدامة تحمي الفلاح من الشح وتقلبات السوق.
  • تقصير سلسلة الوسطاء: ضرب شبكات السماسرة والمضاربين عبر الرقابة الصارمة وتطوير مسالك توزيع مباشرة من المنتج إلى المستهلك.
  • التحول الشامل في منظومة الدعم: العزوف التدريجي عن منظومة “الدعم عند الاستهلاك” التي تشجع على التبذير وتفتح أبواب الفساد والتهريب، واستبدالها بحوكمة صارمة تعتمد الدعم المباشر عند الإنتاج. إن توجيه ميزانيات الدعم مباشرة للفلاح عبر رصد منحة إنتاج مجزية لكل قنطار مجمّع، وتوفير البذور الممتازة والأسمدة بأسعار تفاضلية، هو الكفيل الوحيد بتحفيز الفلاحين على توسيع مساحات زراعة القمح اللين والصلب على حد سواء.

إن تونس لا تنقصها الأرض، ولا ينقصها الرجال، بل تنقصها الإرادة السياسية والسيادة الوطنية الحقيقية. لن نتحرر من التبعية ومهانة البحث عن القروض لشراء الخبز، إلا إذا استعدنا وعينا بأن الأمن الغذائي هو الوجه الآخر للأمن القومي، ليعود “مطمور روما” ليطعم أهله أولاً، ويدفن شبح الجوع الذي بات يهدد رقاب الجميع.

إلى الأعلى
×