بقلم فؤاد علي
لماذا توقّفت تونس عن الاستثمار والصيانة قبل الثورة بزمن طويل، ولماذا تعمّق السياسة الحالية الحلقة المفرغة بدل أن تكسرها؟
المصعد الذي لم يكن هناك
في أوائل ديسمبر 2020، انفتح باب المصعد أمام الجرّاح الشابّ “بدر الدين العلوي” في مستشفى جندوبة. خطا إلى الداخل، لكنّ المصعد لم يكن هناك. سقط الطبيب في الهاوية وتوفي على عين المكان [1]. وفي الأيام التالية خرج جموع من المحتجّين الغاضبين أمام مقرّ الولاية، وقرّرت نقابات الصحة إيقاف الخدمات يومًا كاملًا، وأعفى وزير الصحة وقتها عددًا من المسؤولين وفُتح تحقيق إداري وجزائي في الحادثة.
لم يمت الطبيب لأنّ جندوبة كانت بلا مستشفى، بل لأنّ ما بُني لم يُصَن. وهذا الفرق البسيط هو موضوع هذا المقال. لأن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة بناء فحسب، بل أزمة استثمار وصيانة بدأت قبل الثورة بزمن طويل، وتُدار اليوم بسياسة يُراد لها أن تعالجها، فإذا بها تعمّقها.
الرواية الشائعة والأرقام العنيدة
تقول الرواية الشائعة إنّ البلاد كانت تسير بخير قبل 2011، ثم انهار كلّ شيء. غير أن الأرقام تروي قصّة أخرى مخالفة. فنسبة الاستثمار، أي ما تخصّصه البلاد كلّ سنة من ناتجها لتجديد آلاتها وطرقاتها وسدودها ومدارسها، تجاوزت 30% في مطلع الثمانينيات، وبلغت 32,3% سنة 1981 [2]. ثم جاءت أزمة 1986، حين لم تعد احتياطيات العملة الصعبة وقتها تغطّي سوى ثلاثة أيام من التوريد، مما أدى بعدها مباشرة الى دخول البلاد برنامج الإصلاح الهيكلي مع صندوق النقد الدولي [3].
ومنذ ذلك المنعطف لم يستعد الاستثمار مستواه أبدا. فقد ركد حول 24 بالمائة من الناتج طيلة العشرية الأولى من هذا القرن، ولم يتجاوز الاستثمار الخاص المحلي نحو 15 بالمائة، حسب البنك الدولي [4]. ثم جاءت الثورة لتكشف الضعف وتُسرّع التراجع: ووصلت النسبة اليوم في حدود 16% فقط [5].
والمفارقة أنّ مخطّط التنمية 2026–2030 يضع هدفًا يُقدَّم على أنّه طموح: بلوغ 24 إلى 25%، أي العودة إلى مستوى الفترة الممتدّة بين 1990 و2010 [5]. أقصى ما نطمح إليه اليوم إذن هو العودة إلى الركود الذي سبق الثورة. لم تبدأ المشكلة سنة 2011؛ ما حدث سنة 2011 هو أنّ الفاتورة وصلت.
عشريّتان من النموّ بلا محرّك
في ديسمبر 2003، وقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تونس ليقول إنّ أوّل حقوق الإنسان هو أن يأكل المرء، وأن يُعالَج، وأن يتعلّم، وأن يكون له مسكن، مضيفًا أنّ تونس متقدّمة كثيرًا في هذا المجال [6]. أثارت الجملة جدلًا واسعًا حول الحريات، لكنّها اختصرت صورة «المعجزة التونسية» كما رآها الخارج: مدارس ومستوصفات وكهرباء وماء في كلّ مكان. أمّا ما لم تقله، فهو أنّ معظم تلك المنشآت قد بنيت بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين بعيد “الاستقلال”، وأنّ النظام وقت حلول الرئيس الفرنسي كان يستهلك رصيد تلك العقود أكثر ممّا يجدّده.
وتُظهر أرقام البنك الدولي حدود ذلك النموذج. فبين 1990 و2010 لم يتجاوز نموّ الدخل الفردي الحقيقي 3,4 بالمائة سنويًّا، مقابل 3,8 بالمائة في البلدان المماثلة، واتّسعت الفجوة في العشرية الأخيرة: 3,5 بالمائة مقابل 5,2 بالمائة [4]. وتضاعفت الصادرات التونسية خلال عشرين سنة، لكنّ تركيا وماليزيا في المقابل ضاعفتا صادراتهما أربع مرّات في الفترة نفسها [7]. واتّجه ما تبقّى من الاستثمار الخاص نحو العقار، الذي كان أقلّ عرضة لافتراس العائلة الحاكمة، ونحو خدمات محميّة من المنافسة في إطار تواصل خيار الريع الاقتصادي [4].
لم يكن ذلك صدفة اقتصادية، بل ثمرة منطق سياسي. فنصف الأنشطة الاقتصادية تقريبًا كان خاضعا لترخيص مسبق [7]، و220 شركة مرتبطة بعائلة الرئيس الأسبق “زين العابدين بن علي” استحوذت سنة 2010 على 21 بالمائة من أرباح القطاع الخاص [8]. وتَصِفُ الباحثة الفرنسية بياتريس هيبو، في كتابها عن «قوّة الطاعة»، كيف صار القرض البنكي رهين العلاقات السياسية أكثر من كفاءة المشروع، وكيف ثبّطت قوانين متساهلة مع المَدِينِين الاستثمار المحلي [9]. في اقتصاد كهذا، يُصْبِح الاستثمار مخاطرة سياسية قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًّا.
أمّا الدولة، فقد اختارت أن تُرى أكثر من أن تبني. كانت الحوافز الجبائية للاستثمار تكلّف أكثر من 2% من الناتج سنويًّا، لكنّ أربعة مشاريع من خمسة كانت ستُنجز من دونها، وذهبت أكثر من ثمانية مشاريع من كلّ عشرة إلى الجهات الساحلية [7]. وفي الجهات المنسيّة، حلّ «صندوق التضامن الوطني 26-26» محلّ جزء من الاستثمار الهيكلي: تبرّعات شبه إجبارية ارتفع عدد المساهمين فيها من 180 ألفًا سنة 1994 إلى أكثر من مليونين بعد تسع سنوات، وقوافل تحمل المساكن الاجتماعية والكهرباء والماء إلى المناطق النائية [10]. في الحقيقية، أنجز الصندوق مشاريع ملموسة، لكنّه كان قبل كلّ شيء واجهة سياسية: إحسانٌ يُحتفى به في الثامن من ديسمبر من كلّ سنة، بدل تنمية استراتيجية مستدامة تُبنى بصمت.
وكانت النتيجة أنّ الوسط الغربي والجنوب الغربي ازدادا تأخّرًا عن بقية البلاد خلال العشرية 2000–2010، حسب دراسة مشتركة للمعهد الوطني للإحصاء والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي [11]. وليس صدفة أن تنطلق احتجاجات الحوض المنجمي من قفصة سنة 2008، وأن تنطلق الثورة من سيدي بوزيد في ديسمبر 2010. لقد انفجرت البلاد حيث لم يصل الاستثمار.
ما بعد 2011: الدولة تشتري الوقت
ورثت حكومات ما بعد الثورة اقتصادًا منهكا ومطالب اجتماعية مؤجّلة منذ عقود. وتعاقب على رئاسة الحكومة أكثر من عشرة رؤساء في خمس عشرة سنة، فلم يكن لأيّ منهم أفق زمني يسمح بمشروع لا يُدشَّن إلّا بعد رحيله. فكانت الاستجابة الأسهل شراء الوقت: ارتفع عدد أعوان الوظيفة العمومية بنسبة 35% منذ 2010، وارتفع متوسّط الأجر الخام السنوي بنسبة 191% بالقيمة الاسمية [12]، حتى بلغت كتلة الأجور سنة 2021 ما يعادل 17,5% من الناتج، وهي الأعلى بين الاقتصادات الناشئة [13].
كتلة الأجور، في جوهرها، رواتب معلّمين وممرّضين وأعوان، لا ريعٌ لأقلّية. لكنّ نموّها، دون نموّ مماثل في الإنتاج والجباية، جعل الاستثمار المتغيّر الوحيد القابل للتقليص. ومع تآكل الإدارة فقدت الدولة حتى قدرتها على صرف ما يُتاح لها: ففي بداية 2022 كان قرابة 60% من محفظة القروض الممنوحة من المؤسسات المالية الدولية لم يُصرف بعد، وبلغت النسبة 90% في المشاريع الموقّعة منذ 2017 [14].
وأوضح مثال على ذلك مستشفى الملك سلمان الجامعي بالقيروان. وُقّعت اتفاقيته سنة 2017 في إطار هبة سعودية، بكلفة تقديرية تبلغ 450 مليون دينار وطاقة استيعاب تصل لـ 500 سرير [15]. وفي أوت 2022، تداولت مواقع التواصل الرقمية صور لواجهة ولافتة تحمل اسم المستشفى على أرض قاحلة لم يبدأ فيها بناء حجر واحد، فاضطرّت وزارة الصحة إلى التوضيح بأنّ أشغال التهيئة انطلقت لتوّها وأنّ البناء الفعلي لم يبدأ بعد [16]. ثم وُعد بانطلاق الأشغال سنة 2024 فلم تنطلق، قبل أن يُعلن وزير الصحة في جوان 2026 أنّ المرضى الأوائل منتظرون سنة 2029 [15]. اثنتا عشرة سنة بين التوقيع والمريض الأوّل، لمشروع لا يتحمّل التونسيون كلفة بنائه. حين تعجز الدولة عن استيعاب هبة، فالمشكلة ليست في المال.
قانون الخمسات (أو ضوارب الخمسة)
يعرف المهندسون قاعدة صاغها فولتر رينولد دي سيتر قبل نحو أربعين سنة، تُعرف بـ«قانون الخمسات»: كلّ دينار يُصرف في التصميم والإنجاز السليم يعادل خمسة دنانير في الصيانة الوقائية، وخمسة وعشرين في الإصلاح، ومائة وخمسة وعشرين في التجديد [17]. الأرقام تقريبية، لكنّ الدرس صارم: تأجيل الصيانة ليس اقتصادًا في النفقات، بل اقتراضٌ من المستقبل بفائدة فاحشة.
وهذا بالضبط ما فعلته البلاد بأصولها. فسدّ ملاق، الذي دخل الخدمة سنة 1954، صارت الرواسب تحتلّ نحو ثلاثة أرباع سعته، وكانت مذكّرة للمرصد الوطني للفلاحة تتوقّع سنة 2021 إنجاز السدّ البديل سنة 2022؛ لكنّ البديل لم يكن قد دخل الاستغلال في جوان 2026، حين تعطّلت إحدى بوّابات السدّ القديم، وهي بوّابة يبلغ وزنها 70 طنًّا وتعمل منذ 1954، فتدفّق نحو 29 مليون متر مكعّب من الماء [18]. والطرقات المرقّمة، التي يقارب طولها 20 ألف كيلومتر، لم يُرصد لصيانتها سنة 2025 سوى 200 مليون دينار، بينما يتطلّب تجديد طبقتها العلوية فقط في آجالها، حسب تقديرنا المبنيّ على كلفة الوحدة المعتمدة في استراتيجية الوزارة نفسها، ما بين 800 و1200 مليون دينار سنويًّا [19]. وتضيع بين ربع المياه ونصفها في بعض الشبكات الناقلة حسب تقديرات الخبراء [20]. أمّا سور معهد المزونة، الذي سقط على ثلاثة تلاميذ في أفريل 2025، فقد بُني في الثمانينيات وتُرك يتداعى رغم التحذيرات [21].
في معظم هذه الحالات، بنت الدولة “الوطنية” الأصل ثم تركته يتآكل. وبمنطق قانون الخمسات، فإنّ ما «وفّرناه» في الصيانة منذ عقود لم يختفِ، بل تحوّل إلى فاتورة مؤجّلة تتضخّم مع كلّ سنة تأجيل.
النزيف الأخير: الإنسان
غير أنّ أخطر الأصول المهترئة ليس من حجر. فالتقرير الذي نقل خبر وفاة طبيب جندوبة لاحظ أنّ نقص الأطباء الأخصّائيين في المستشفيات العمومية يعود في جانب كبير منه إلى هجرتهم [1]. وفي أفريل 2026 قدّرت عمادة المهندسين أنّ 46 ألف مهندس غادروا البلاد خلال عشر سنوات، أي قرابة 44% من المسجّلين [22]، بمعدّل يقارب عشرين مهندسًا في اليوم، في حين تُنفق المجموعة الوطنية نحو 650 مليون دينار سنويًّا على تكوين المهندسين [23].
هنا تنغلق الحلقة على نفسها. مستشفى يتداعى وأجرٌ لا يكفي يدفعان الطبيب إلى الرحيل. والإدارة التي تفقد مهندسيها تعجز عن إعداد المشاريع ومتابعتها، فتتعطّل القروض وتتأخّر الهبات، فتتداعى المنشآت أكثر، فيرحل مزيد من الكفاءات. نحن لا نخسر البنية التحتية فحسب، بل نخسر من يعرف كيف يصونها.
الحلقة المفرغة
يمكن الآن رسم الحلقة كاملة. يبدأ كلّ شيء بضعف الاستثمار: آلات قديمة وطرقات متآكلة وسدود مُطماة، فتضعف الإنتاجية ويضعف النموّ. ويضعف معه الدخل الجبائي، في اقتصاد يتجاوز فيه النشاط الموازي 40% من الناتج [12]. وتحت ضغط الميزانية، تبحث كلّ حكومة عن البند الذي يمكن تقليصه بأقلّ كلفة سياسية، فتجده دائمًا: الاستثمار والصيانة. لا نقابة تدافع عن جسر، ولا احتجاج يُنظَّم من أجل سدّ مُطمى، والكلفة لا تظهر إلّا بعد سنوات، في عهدة حكومة أخرى.
ثم يتسارع التآكل فتتضخّم الكلفة، وتقترض الدولة أكثر فأكثر لتسديد نفقاتها الجارية وديونها السابقة، فترتفع خدمة الدين ويضيق الهامش أكثر. وحين تقترض من البنوك المحلية، ترتفع حصّتها من مجموع القروض، من 17% سنة 2020 إلى 33,4% سنة 2025 [12]، فلا يبقى للمستثمر الخاص إلّا الفتات. وتعود الحلقة إلى نقطة البداية، أضعف ممّا كانت.
للحلقة إذن ثلاثة محرّكات متشابكة: محرّك مالي يجعل الاستثمار أوّل ما يُضحّى به، ومحرّك سياسي يفضّل الإنفاق المرئي الذي يشتري السلم الاجتماعي اليوم على استثمار لا يُدشَّن إلّا بعد سنوات، ومحرّك بشري يستنزف الكفاءات القادرة على التنفيذ. وقد اشتغلت المحرّكات الثلاثة قبل الثورة وبعدها، وإن اختلفت الأقنعة: الواجهة والولاء في عهد “بن علي”، ثم السلم الاجتماعي وقِصر عمر الحكومات من بعده.
تقشّفٌ على حساب المستقبل
في 6 أفريل 2023، أعلن رئيس الجمهورية من المنستير رفضه «الإملاءات المفروضة من الخارج» المرتبطة بقرض من صندوق النقد الدولي قيمته 1,9 مليار دولار على أربع سنوات، داعيًا إلى الاعتماد على الإمكانيات الذاتية [24]. ومنذ ذلك الحين استقرّت سياسة واضحة المعالم: تسديد الدين الخارجي في آجاله، وتمويل عجز الميزانية من الداخل، بما في ذلك عبر البنك المركزي، الذي رُخّص له في تمويل الخزينة مباشرة بـ7 مليارات دينار سنة 2024، ثم بـ7 مليارات أخرى في قانون المالية لسنة 2025، و11 مليارًا في مشروع ميزانية 2026 [25].
ولهذه السياسة حصيلة لا يمكن إنكارها. فاحتياطي العملة الصعبة كان يغطّي 121 يومًا من التوريد نهاية 2024 [26]، بعيدًا عن الأيام الثلاثة التي عرفتها البلاد سنة 1986. لكنّ تفاصيلها تكشف أنّها ليست تقشّفًا بالمعنى المعتاد. فالأجور لم تُجمَّد، بل أُقرّت زيادات على ثلاث سنوات، بين 2026 و 2028 [27]. التقشّف وقع في مكان آخر.
وقع أوّلًا على التوريد. فقد لاحظ البنك الدولي في نوفمبر 2023 أنّ الواردات ظلّت مضغوطة، خصوصًا لدى المؤسسات العمومية المثقلة بالديون التي تحتكر توريد بعض المواد، وأنّ منظومة التسعير الإداري من أبرز أسباب مديونية تلك المؤسسات وما يتبعها من نقص [28]. وفي السنة نفسها عرف التونسيون طوابير الأرز والعجين في جانفي، ونقص القهوة في فيفري، والدقيق والخبز في أكتوبر ونوفمبر، والحليب والسكّر في ديسمبر [29].
ووقع ثانيًا على الاستثمار. ففي النصف الأوّل من 2026 لم يُصرف سوى 21,2% من اعتمادات التنمية، ولم تتجاوز نفقات الاستثمار 1,66 مليار دينار، في حين بلغت فوائد الدين وحدها 3,73 مليارات [27]، أي أكثر من ضعف الاستثمار. وفي جويلية 2026، وبينما أكّدت وزيرة المالية تمسّك الدولة بالاحترام المطلق لآجال الدين السيادي، قُدّم تمويل بقيمة 500 مليون دولار من البنك الإفريقي للتصدير والتوريد على أنّه سيضخّ السيولة اللازمة لإعادة تحريك مشاريع عمومية كبرى متوقّفة في أنحاء البلاد [30].
هذا ليس تقشّفًا على الحاضر، بل تقشّف على المستقبل. فهو يحمي الاستهلاك الجاري والسلم الاجتماعي وسمعة البلاد لدى الدائنين، وهي أهداف مفهومة، لكنّه يضغط تحديدًا على البنود التي صنع إهمالُها الأزمةَ البنيوية: الاستثمار والصيانة والمدخلات المستوردة اللازمة للإنتاج. ويضيف إليها عبئًا جديدًا: فتمويل الخزينة من البنك المركزي والبنوك المحلية يسحب السيولة من أمام المؤسسات، فلا تستثمر. والنموّ الذي ركد سنة 2023 ولم يتجاوز 1,4% سنة 2024 [26] لا يولّد ما يكفي من الجباية، فتعود الدولة إلى المصدر الوحيد المتاح لها: تأجيل المستقبل مرّة أخرى.
وهنا تكمن المفارقة. فالسياسة التي تريد حماية السيادة المالية تستنزف الأصول التي تقوم عليها تلك السيادة. والدولة التي تسدّد ديونها في آجالها بينما تتآكل سدودها وتهاجر كفاءاتها، تحافظ على توقيعها لدى الدائنين، لكنّها تخسر قدرتها على الإنتاج، أي قدرتها على تسديد ديون الغد.
كيف تُكسر الحلقة؟
لا يكفي أن نختار بين تقشّف الصندوق وتقشّف «التعويل على الذات»، لأنّ كليهما، إذا ترك بنية الميزانية على حالها، سيقتطع من المكان نفسه. كسر الحلقة يتطلّب قلب الأولويات داخل الميزانية، بثلاثة قرارات على الأقلّ. أوّلها حماية حدّ أدنى من نفقات الاستثمار والصيانة بقاعدة قانونية لا تُمسّ عند كلّ أزمة، لأنّ ما لا تحميه القاعدة يُقتطع أوّلًا. وثانيها إدراج الصيانة بندًا مستقلًّا يُحتسب على أساس قيمة الأصول وأعمارها، انطلاقًا من جرد وطني للمنشآت العمومية وحالتها، مع إعطاء الأولوية لإنهاء المشاريع المعطّلة وصيانة القائم على حساب المشاريع الجديدة ذات الأشرطة الحمراء. وثالثها الاحتفاظ بالكفاءات الفنية داخل الإدارة بأجور وظروف عمل تنافسية، لأنّ مشروعًا لا يجد مهندسًا يتابعه لن يُنجَز مهما توفّر تمويله.
لن يعود المهندس لوطنه ليعيش تحت خط الفقر.
ولن يعود الطبيب الشابّ من جندوبة للأسف. لكنّ قصّته تختصر الدرس كلّه: ليس المهمّ أن نفتح الأبواب، بل أن نتأكّد من أنّ المصعد هناك.
المصادر
- Gulf News، «Tunisia: Surgeon plunges to death down elevator shaft»، ديسمبر 2020. https://gulfnews.com/world/mena/tunisia-surgeon-plunges-to-death-down-elevator-shaft-1.75696503
- CEIC Data، «Tunisia – Investment: % of Nominal GDP». https://www.dr.ceicdata.com/en/indicator/tunisia/investment–nominal-gdp
- Kapitalis، «La Tunisie réussira-t-elle à éviter la faillite comme en 1986 ?». https://kapitalis.com/tunisie/?p=3134477
- البنك الدولي، «La révolution inachevée»، 2014، الفصل الأوّل. https://www.banquemondiale.org/content/dam/Worldbank/document/MNA/tunisia_report/the_unfinished_revolution_fre_chap1.pdf
- Kapitalis، «La Tunisie veut porter le taux d’investissement de 16 à 24 % du PIB»، أوت 2025 (تصريح مسؤول بوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي). https://kapitalis.com/tunisie/?p=17361207
- com، «Chirac : les droits de l’Homme aux enchères»، 4 ديسمبر 2003. https://www.afrik.com/chirac-les-droits-de-l-homme-aux-encheres
- البنك الدولي، «La révolution inachevée»، 2014، الملخّص غير التقني. https://www.banquemondiale.org/content/dam/Worldbank/document/MNA/tunisia_report/the_unfinished_revolution_fre_non_technical.pdf
- Rijkers, C. Freund, A. Nucifora، «All in the Family: State Capture in Tunisia»، البنك الدولي، 2014. https://openknowledge.worldbank.org/bitstreams/d8fe4d98-f762-5ba2-82cb-c2945d0af4fe/download
- LSE Review of Books، عرض لكتاب Hibou «The Force of Obedience». https://eprints.lse.ac.uk/37986/1/blogs_lse_ac_uk-Book_Review_The_Force_of_Obedience_The_Political_Economy_of_Repression_in_Tunisia.pdf
- Carnegie Endowment (Sada)، مقال حول صندوق التضامن الوطني 26-26. https://carnegieendowment.org/sada/22473
- Kapitalis، «La pauvreté touche 15,5 % des Tunisiens» (دراسة المعهد الوطني للإحصاء والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي 2000–2010). https://www.kapitalis.com/archive/186-kapital/13318-la-pauvrete-touche-15-5-des-tunisiens
- La Presse، «Loi de Finances 2026 : priorité au social au détriment de l’investissement»، 8 جانفي 2026. https://www.lapresse.tn/2026/01/08/loi-de-finances-2026-priorite-au-social-au-detriment-de-linvestissement/
- البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، Transition Report 2022-23 – Tunisia. https://www.ebrd.com/publications/transition-report-202223-tunisia
- WMC، «Tunisie – Investissements : 16,6 milliards de dinars bloqués par les procédures et l’administration»، 22 فيفري 2022. https://www.webmanagercenter.com/2022/02/22/480772/tunisie-investissements-166-milliards-de-dinars-bloques-par-les-procedures-et-ladministration/
- Business News، «Hôpital Roi Salman : le gouvernement promet de raccourcir les délais des travaux»، 5 أوت 2026. https://businessnews.com.tn/2026/08/05/hopital-roi-salman-le-gouvernement-promet-de-raccourcir-les-delais-des-travaux/1413216/
- Webdo، «Façade de l’hôpital de Kairouan : le ministère de la Santé réagit»، 17 أوت 2022. https://www.webdo.tn/fr/actualite/national/facade-de-lhopital-de-kairouan-le-ministere-de-la-sante-reagit/131486/
- Engineering Management Institute، «Costs for Service Life Optimization: de Sitter’s Law of Fives». https://engineeringmanagementinstitute.org/costs-service-life-optimization-part-i-de-sitters-law-of-fives
- La Presse / AllAfrica، 24 جوان 2026 (سدّ ملاق)، ومذكّرة المرصد الوطني للفلاحة (أوت 2021) عبر Kapitalis، وTunisie Numérique (29 مليون م³). https://fr.allafrica.com/stories/202606240126.html — https://kapitalis.com/tunisie/?p=13623595 — https://www.tunisienumerique.com/incident-du-barrage-de-mellegue-ce-que-lon-sait-apres-lecoulement-de-29-millions-de-m%C2%B3/
- La Presse، «Routes tunisiennes : 20 000 km à entretenir sous forte pression budgétaire»، 4 جويلية 2025؛ وKapitalis، «Stratégie d’infrastructures routières à l’horizon 2035» (300 مليون دينار لـ500 كم سنويًّا). التقدير للكاتب: 19963 كم ÷ 10 إلى 15 سنة × 0,6 مليون دينار للكيلومتر. https://www.lapresse.tn/2025/07/04/routes-tunisiennes-20-000-km-a-entretenir-sous-forte-pression-budgetaire/ — https://kapitalis.com/tunisie/?p=8928833
- La Presse، 26 فيفري 2025 (عبد الله الرابحي)؛ وL’Économiste Maghrébin (حسين الرحيلي). https://www.lapresse.tn/?p=223123 — https://www.leconomistemaghrebin.com/?p=677990
- La Presse، «Mezzouna sous tension après la mort de trois élèves…»، 14 أفريل 2025. https://www.lapresse.tn/2025/04/14/tunisie-mezzouna-sous-tension-apres-la-mort-de-trois-eleves-dans-un-accident-scolaire/
- Business News، «7.000 ingénieurs et des milliers de médecins partis…»، 22 جوان 2026. https://businessnews.com.tn/2026/06/22/7-000-ingenieurs-et-des-milliers-de-medecins-partis-pour-riadh-jaidane-la-fuite-des-cerveaux-menace-la-securite-nationale/1407000/
- Webdo، «Sur 90 mille ingénieurs, 39 mille ont quitté le pays»، 10 مارس 2025. https://www.webdo.tn/fr/actualite/national/tunisie-sur-90-mille-ingenieurs-39-mille-ont-quitte-le-pays/220425/
- Kapitalis، «Kaïs Saïed à propos du prêt FMI : “Je refuse les diktats imposés par l’étranger”»، 6 أفريل 2023. https://kapitalis.com/tunisie/?p=7289163
- Webdo، «PLF 2026 : l’État sollicitera de nouveau un financement direct auprès de la BCT». https://www.webdo.tn/fr/actualite/national/tunisie-plf-2026-letat-sollicitera-de-nouveau-un-financement-direct-aupres-de-la-bct/385720/
- AllAfrica، «Banque centrale – 2024, stabilité monétaire et renforcement des équilibres macroéconomiques»، أوت 2025. https://fr.allafrica.com/stories/202508260162.html
- Business News، «Exécution du budget à fin juin 2026…»، 8 أكتوبر 2026. https://businessnews.com.tn/2026/10/08/execution-du-budget-a-fin-juin-2026-dun-excedent-de-19-milliard-de-dinars-a-un-deficit-de-8596-millions/1421891/
- البنك الدولي، بلاغ صحفي حول المرصد الاقتصادي لتونس، 6 نوفمبر 2023. https://www.banquemondiale.org/fr/news/press-release/2023/11/06/tunisia-s-economic-recovery-slows-down-amid-the-drought
- Business News، «Les pénuries subies par les Tunisiens durant les deux dernières années»، 23 جانفي 2025. https://businessnews.com.tn/2025/01/23/les-penuries-subies-par-les-tunisiens-durant-les-deux-dernieres-annees/1351529/
AllAfrica، «Finances publiques – Le pays solde sa plus grosse dette extérieure et sécurise 500 millions de dollars»، جويلية 2026. https://fr.allafrica.com/stories/202607210206.html
صوت الشعب صوت الحقيقة
