الرئيسية / صوت العالم / رائحة الديزل الروسي تنبعث من الانتخابات النصفية الأمريكية
رائحة الديزل الروسي تنبعث من الانتخابات النصفية الأمريكية

رائحة الديزل الروسي تنبعث من الانتخابات النصفية الأمريكية

بقلم حبيب الزموري

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد 11 أكتوبر 2026 “هدنة طاقية” بين روسيا وأوكرانيا يتم بمقتضاها وقف استهداف المنشآت والمرافق الطاقية في البلدين واصدار وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا يسمح بدخول النفط الروسي إلى السوق الأمريكية وتعليق بعض القيود المفروضة عليه إلى حدود شهر أفريل 2027. ورغم الانتهاكات المتكررة من الجانبين الروسي والأوكراني لهذه الهدنة المزعومة طيلة الأيام الفارطة فإن تصريحات ترامب توحي بأنها قضية حياة أو موت بالنسبة له إذ وصل به الأمر إلى تحميل الرئيس الأوكراني زيلنسكي المسؤولية عن تفاقم الأزمة الطاقية العالمية بسبب إصراره على خرق الهدنة ومواصلة استهداف مصافي النفط الروسية والحديث عن ضرورة البحث عن وجه جديد لقيادة السلطة في أوكرانيا ووضع حد لتصرفات زيلنسكي الرعناء.

هذه التصريحات والمواقف التي أطلقها ترامب قد تبدو ظاهريا متناقضة مع الموقف الأمريكي التقليدي من الصراع الأوكراني – الروسي  بدعمها الصريح للجانب الأوكراني وعدائها التاريخي لروسيا ولكن باطنها يحتوي على صفقة اقتصادية وسياسية بين ترامب وبوتين والتقاء مصالح قادر على قلب المواقف السابقة 180 درجة شعاره الأبرز “لا صوت يعلو فوق صوت الربح ورأس المال” ومن أبرز بنود هذه الصفقة السماح لروسيا بصفة فورية بتصدير  300 ألف طن من الديزل إلى السوق العالمية والأمريكية تليها شحنة بــ 500 ألف طن في شهر نوفمبر لتقفز الكمية المصدرة خلال المرحلة الموالية إلى مليون طن أي بكمية اجمالية تقدر بــ 4.8 مليون طن ( 36 مليون برميل ) مع إمكانية ضخ 3 ملايين طن لاحقا في صورة عودة المصافي الروسية المتضررة من الحرب إلى سالف نشاطها.

يفسر تعطش ترامب للديزل الروسي واستعداده لتقديم هذه التنازلات الجوهرية في سبيل الحصول عليه بتحول الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة وخاصة ارتفاع تكاليف الطاقة بالنسبة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء إلى إحدى أهم الورقات الانتخابية في يد خصوم ترامب على أبواب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في بداية شهر نوفمبر القادم سواء من داخل الحزب الجمهوري أو من الحزب الديموقراطي  إذ عبر مشرعون من الحزبين عن “استيائهم من غياب التنسيق المسبق وإعلان الهدنة بشكل أحادي ومفاجئ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما وضع الحكومة الأوكرانية والحلفاء الأوروبيين في موقف مربك بعدما تبين أن الهدنة أُعلنت دون اتفاق مسبق حقيقي بين أطراف النزاع.” كما اعتبر الحزب الديموقراطي أنها “محاولة مكشوفة وتضحية بأوكرانيا وبالحلفاء الأوروبيين من أجل تحقيق مكاسب سياسية داخلية، حيث يسعى ترامب لخفض أسعار الوقود والديزل المرتفعة في السوق الأمريكية لإنقاذ حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي” وتمويلا مباشرا لميزانية الحرب الروسية كما اشترك مشرعون جمهوريون وديموقراطيون في الكونغرس في اعتبار أن ” السماح باستيراد الديزل الروسي يخالف صراحةً القانون الفيدرالي الصادر عام 2022 الذي يحظر واردات الطاقة الروسية. كما اعتبروا الخطوة تناقضاً صارخاً مع قانون ” ليندسي غراهام لمعاقبة روسيا وإيران لعام 2026“ الذي وقّعه ترامب بنفسه قبل أسابيع قليلة من إعلان الهدنة”.

لئن كانت هذه ” الهدنة الطاقية المزعومة” وفية للأسلوب والسلوك الذي دأب ترامب على اعتماده في سياسته الخارجية المتسم بالفردانية الفجة والغرور وهيمنة التوحش التجاري رؤيته للسياسة والعلاقات الدولية، فإنه لم يقدم على هذه الخطوة إلا بعد أن بلغ سعر الديزل مستويات قياسية بارتفاع سعر  الديزل منذ شن الولايات المتحدة الأمريكية لعدوانها على إيران بارتفاعه بنسبة 70 % ليصل إلى 6.28  دولارًا للغالون الواحد ( الغالون الأمريكي للسوائل يساوي 4.78 لتر ) يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (إيه إيه إيه) مما يهدد بزيادة التضخم لارتباطه بالأنشطة الاقتصادية المختلفة، وهو أكثر ما يخشاه الاقتصاد الأميركي حاليًا، كونه من أكبر العوامل التي تؤثر في اتجاهات الناخبين. رغم كافة المحاولات التي بذلها ترامب وإدارته للحد من التهاب سعر هذه المادة الحيوية الضغط على الحلفاء للإفراج عن احتياطيات الطوارئ، وتوسيع نطاق الوصول إلى الديزل الأحمر المعفى من الضرائب (الذي يُستعمل عادة للمعدات الزراعية) لكنها كلها محاولات باءت بالفشل.

رغم انخفاض العقود الآجلة للديزل في الولايات المتحدة بنحو 5%، وجرى تداوله عند 4.64 دولارًا للغالون مباشرة إثر الإعلان عن الهدنة الطاقية والانطلاق في قبول الديزل الروسي بالأسواق الأمريكية فإن أغلب الخبراء والمراقبين يعتبرونها هدنة هشة رغم تخفيفها من حدة جزء من الضغوطات الجيوسياسية المفروضة على أسواق النفط العالمية فرغم انخفاض الأسعار سريعاً في الأسواق المالية عقب الإعلان عن الهدنة، إلا أن الأسعار وتكاليف المعيشة للمستهلكين تنخفض ببطء شديد مقارنة بصعودها الصاروخي، نظراً لتعقيدات سلاسل التوريد ورغبة الشركات في تعويض خسائرها السابقة. أما على المدى المتوسط والبعيد تأثيرات شحنات الديزل الروسية على الأسعار في الولايات المتحدة ليست إلا وهم. يقول توماس ييغر من جامعة كولونيا في حديثه إلى القناة الأولى في التلفزيون الألماني العمومي (ARD) : “إن الكمية ضئيلة للغاية لدرجة أنها لن تؤثر على الأسعار على الإطلاق”. وحسب هذا الخبير في العلوم السياسية فإن الشحنات المقررة قبل الانتخابات النصفية لا تكفي حتى ليوم واحد لتغطية احتياجات الولايات المتحدة من الديزل. ويؤكد قائلاً: “وحتى ما سيُشحن بعد ذلك إن وصل أصلاً لن يكون له أي تأثير على الأسعار”. ويضيف أن ترامب يهتم فقط “بالصورة الإعلامية” وإيهام الناخبين بأنه يسعى لحل مشاكلهم.

 بالتالي فإن الثمار السياسية التي ينتظر ترامب جنيها من هذه المبادرة يمكن أن لا تأتي بتاتا وفي أفضل الأحوال تكون ثمارا مرة بإعادتها إلى السطح ملفا من أخطر وأعقد الملفات التي عرفتها الساحة الأمريكية خلال العقد الأخير ألا وهو ملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية والذي كان ترامب أكبر مستفيد منه على مستوى النتائج، ولكنه جعل منه في المقابل شخصية مشبوهة. فقد كان أول رئيس أمريكي سابق يخضع لمحاكمات جنائية ويدان في ماي 2024 من قبل محكمة ولاية نيو يورك بــ 34 تهمة جنائية تتعلق بتزوير سجلات تجارية. كما واجه لوائح وقضايا فدرالية ومحلية أخرى (مثل التدخل في الانتخابات وإساءة التعامل مع الوثائق السرية). ولا يزال ملف التأثير الروسي في الانتخابات حيا في الذاكرة السياسية الأمريكية بوصفه واحدا من أكثر الملفات خطورة وغموضا في التاريخ السياسي الأمريكي. ففي الانتخابات الرئاسية سنة 2016 اتهمت الاستخبارات الأمريكية الحكومة الروسية (بأوامر من الرئيس فلاديمير بوتين) بالتدخل لمساعدة المرشح الجمهوري دونالد ترامب والإضرار بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وشمل التدخل اختراق خوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) وتسريب رسائل بريد إلكتروني، بالإضافة إلى استخدام حسابات وهمية ومروجين عبر الإنترنت (المتصيدين) عبر وكالة أبحاث الإنترنت. وخلص تحقيق المحقق الخاص روبرت مولر (2016–2019) إلى وجود محاولات روسية مكثفة للتأثير، لكنه لم يجد دليلاً قاطعاً على حصول تواطؤ أو تنسيق مباشر بين حملة ترامب وروسيا.

وفي انتخابات 2020 حذّر مجمع الاستخبارات الأمريكي من استمرار المحاولات الروسية للتأثير على سير الانتخابات الرئاسية لاحقاً عبر استهداف البنى التحتية الرقمية والحملات السياسية، مع اتخاذ وزارة العدل الأمريكية إجراءات متكررة لمواجهة شبكات التمويل والتضليل.

وفي حين تتمسك الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مثل الـمخابرات المركزية الأمريكية (CIA)ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بوجود أدلة تؤكد وقوع حملات توجيه ونفوذ روسية منظمة، تنفي موسكو (على لسان مسؤوليها ووزارة خارجيتها) بشكل قاطع هذه الاتهامات وتصفها بـ “السخيفة” والتي لا تستند إلى أدلة حقيقية، معتبرة أنها تندرج في سياق الصراعات السياسية الداخلية الأمريكية.

لكل لهذه الاعتبارات، ولغيرها، فمن غير المستبعد أن تتحول حركة الديزل الروسي التي قام بها ترامب لتعزيز حظوظه الانتخابية ومواقعه في الكونغرس وفي مجلس الشيوخ إلى سيف ذي حدين عوض أن يمزق به ورقة التهاب أسعار الديزل والطاقة عامة وتدهور المقدرة الشرائية للأمريكيين فإنه يعمق به جراحه السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية ويحكم عليه بمزيد من العزلة وسط الطغمة الرأسمالية المتوحشة التي يمثل مصالحها رغم الأجهزة الدعائية الضخمة الموضوعة على ذمته.

إلى الأعلى
×