الرئيسية / صوت الوطن / تطهير مؤسّسات الدّولة من الفساد: ضرورة من أجل تغيير حقيقي
تطهير مؤسّسات الدّولة من الفساد:  ضرورة من أجل تغيير حقيقي

تطهير مؤسّسات الدّولة من الفساد: ضرورة من أجل تغيير حقيقي

تشكلت الجبهة الشعبية لقيادة النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة التي جسّمها شعار “شغل حرية كرامة وطنية”، هذا الشعار المدوّي الذي رفعه ثوار 17 ديسمبر 14 جانفي ولم يتحقق رغم مرور ست سنوات على اندلاع الشرارة الأولى للثورة. إنّ تحقيق هذه الأهداف يمرّ حتما عبر تحقيق جملة من المطالب المباشرة والملحّة وإزالة كل العراقيل التي تعيق المساربرمّته.وهي كثيرة ومتنوّعة وتتلخّص في جملة الملفّات والقضايا التي تحوم حولها شبهات التّلاعب وغياب الشّفافية وعدم احترام الدستوروضياع الحقوق.ولا يكاد يخلو منها مجال من المجالات أوقطاع من القطاعات.untitled-4

 إنّ ما حصل في ملف شهيدي الجبهة الشعبية الرفيقان شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي من إخفاء للمعلومات والمعطيات بهدف التستر على من دبّر وخطّط للاغتيال وفي قضية الشهيد لطفي نقض من تلاعب أدّى إلى الحكم بالبراءة في حق المتهم بالقتل وفي قضية الرش في سليانة وعدم استجابة وزارة الداخلية إلى مطالب التحقيق وضياع حقوق المتضررين وما يحصل من تعذيب وقمع في السجون ومراكز الإيقاف دون النظر في القضايا المرفوعة ضد منتهكي الحقوق ومرتكبي الجرائم، إضافة إلى الاعتداءات على المحتجّين سلميا في عديد الجهات دون وجه حق وفي مخالفة واضحة للدستور…كلّ هذه الانتهاكات وغيرها تطرح أكثر من تساؤل حول أسبابها الحقيقية في ظرف تتّجه فيه أنظار التونسيات والتونسيين إلى طيّ صفحة الماضي بما فيه من انتهاكات وتجاوزات والدخول في مرحلة جديدة ملؤها الالتزام بالحقوق الأساسية للمواطنين والشفافية واحترام الدستور والمواثيق الدولية.

  المؤسّسات بحاجة إلى عمليّة تطهيرuntitled-5

  إنّ كلّ مؤسسات الدولة من قضاء وديوانة وإدارة وإعلام ومؤسسة عسكرية وأمنية وغيرها بحاجة إلى التطهير من عناصر الاستبداد والفساد التي أثّثت في العهد السابق مشهد الحكم وخدمت الدكتاتورية بمختلف الأشكال على حساب الشعب والوطن مقابل بعض الفتات وداست على القوانين والمعاهدات الدولية التي أمضت عليها الحكومة التونسية.

لم يكن للقانون والحقوق والحريات أيّ معنى في ظلّ العهد الذي سبق الثورة.كلّ المؤسسات والأجهزة كانت تعمل وفق التعليمات التي تمرّر عبر عناصر بعينها شكّلت أبواق دعاية للنظام وخدمه المطيعين في مختلف القطاعات.هؤلاء غير قادرين اليوم على التخلص من الثقافة القديمة المناهضة للثورة ولا يمكن ائتمانهم على تطبيق القانون وإنصاف أصحاب الحق واحترام حقوق الإنسان والتزام نفس المسافة بين التونسيين جميعا سواء كانوا في الحكم أم في المعارضة، ومهما كانت انتماءاتهم الجهوية والطبقية.والمطروح هو التخلص منهم بأيّ شكل من الأشكال وفق خطة وطنية تحفظ الحقوق وتضمن الشفافية والحيادية والالتزام بالقوانين داخل المؤسسات المختلفة.

دون عملية التطهير هذه لا يمكن الحديث عن أمن جمهوري ولا عن قضاء مستقل ولا يمكن القضاء على الفساد داخل الأجهزة والمؤسسات، الشرط الضروري لمرور تونس إلى مرحلة جديدة،إلى دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية.وبدل الشعارات والحملات الدعائية الفضفاضة التي يطلقها الحكم فإنّ التونسيين يريدون معالجات ملموسة وواقعية.

  الإرادة السّياسيّة هي مفتاح الحلّ

  إنّ تطهير المؤسسات يتطلب قناعة وإرادة سياسية لدى مؤسسات الحكم من سلطة تنفيذية وتشريعية. وبقدر توفّر هذه الإرادة يمكن الانطلاق في العملية باعتبارها ضرورية وجزء لا يتجزّأ من تحقيق أهداف الثورة.

إنّ السؤال الواجب طرحه هو مدى استعداد الائتلاف الحاكم للمضي في عملية التطهير،وهل من مصلحته القيام بذلك.ثم هل هناك ضغوط شعبية ومدنية فعلية من شأنها فرض عملية التطهير.وإلى أيّ مدى لعبت الأحزاب الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني دورها في التعريف بأهمية هذه العملية؟

إنّ أيّ متابع للشأن العام يدرك أنّ المعارضة المدنية والسياسية ماانفكت تطالب بضرورة تطهير المؤسسات وخاصة في السنوات الأولى من الثورة قبل أن يخفت صوتها فيما بعد لتركّز على مسائل أخرى فرضتها الأوضاع المستجدة.لكن في المقابل لم نشهد تفاعلا جديا مع هذا الاستحقاق من قبل الحكومات المتعاقبة بدء بحكومتي الغنوشي الأولى والثانية وانتهاء بحكومتي الائتلاف الحالي مرورا بحكومتي الترويكا والمهدي جمعة.بل ما نلاحظه بصورة عامة هو اللّجوء دائما إلى القديم ورسكلته وإعادته إلى مشهد الحكم بحثا عن “الخبرة” و”النجاعة “.

الحكومات المتعاقبة لم تعبّر عن إرادة سياسية حقيقية للانخراط في عملية تطهير المؤسسات.بل على العكس من ذلك عملت أحزاب الحكم على زرع أتباعها وأنصارها داخل هذه المؤسسات بهدف تطويعها وتسخيرها لخدمة أجنداتها سواء في عهد الترويكا التي ركزت على المؤسستين الأمنية والقضائية (الأمن الموازي-قضاء البحيري) أو في ظلّ حكومة الشاهد التي عملت وتعمل على فرض أتباع نداء تونس داخل المؤسسات وخاصة الأمنية بنفس العقلية التوظيفية الموروثة عن العهد النوفمبري.

إنّ تطهير المؤسسات هو جزء لا يتجزّأ من أهداف ثورة الحرية والكرامة. بل هو المدخل الأساسي والشرط الضروري لذلك.وهي مهمة ملقاة على عاتق القوى الثورية والديمقراطية السياسية والمدنية المنتصرة للثورة والمناضلة من أجل تحقيق أهدافها.

أما القوى الليبرالية الحاكمة فتكتفي في أفضل الأحوال ببعض الإصلاحات الجزئية وبرفع شعارات الثورة كلما اشتد الضغط عليها دون أن يقترن ذلك بأفعال على الأرض.

 أيّأفق لطرح المسألة

 إنّ تحقيق هذا المطلب باعتباره مسألة مباشرة ينبغي أن يطرح ضمن رؤية استراتيجية للمرحلة القادمة.رؤية تتضمّن مشروعا اقتصاديا واجتماعيا يقطع مع التبعية المذلّة والإملاءات الخارجية، عماده القطاعات الاستراتيجية وفي مقدمتها الصناعة والفلاحة بإدارة الدولة الجهة الأكثر قدرة على التخطيط والتنمية الجهوية والمحلية وتنظيم إنتاج الثروة والتعهد بالتشغيل وتطوير القدرة الشرائية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين. اقتصاد موجّه لخدمة الحاجات الأساسية للشعب… وعلاقات خارجية تراعي السيادة الوطنية، عمادها المصالح المشتركة والتعاون المتكافئ الذي يخدم كل الأطراف دون تمييز، بعيدا عن سياسة المحاور والأحلاف المشبوهة، رؤية تضمن أيضا الحريات والحقوق والمساواة للجميع في دولة قانون ومؤسسات ديمقراطية تعود الكلمة الفصل فيها إلى الشعب باعتباره المصدر الأساسي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية مع الحق في سحب الثقة من المسؤولين عند الضرورة.

في هذا الإطار وبهذا المعنى تصبح مسألة تطهير المؤسسات عملا ضروريا ومشروعا من شأنه الإعداد لتغيير حقيقي يضمن تحقيق أهداف الثورة المباشرة والبعيدة.

  علي البعزاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×