تونس بين وهم الإنقاذ ومعركة السيادة
بقلم رشيد السويّح
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تكون الخيارات الاقتصادية مجرّد تقنيات محايدة، بل تتحوّل إلى قرارات سياسية بامتياز، ترسم ملامح السيادة وحدود الاستقلال، وتحدّد من يدفع كلفة الانهيار ومن يُنقَذ. وفي تونس، كلما اشتدّ الخناق المالي واقترب شبح الإفلاس، عاد إلى الواجهة خطاب “الحلول الواقعية” و”البدائل الممكنة”، وعلى رأسها برنامج تحويل الدين العمومي إلى استثمارات، الذي يُقدَّم للرأي العام باعتباره مخرجًا ذكيًا من الأزمة.
غير أنّ هذا الخطاب، رغم لغته التقنية المطمئنة، يخفي خيارًا أيديولوجيًا واضحًا: إدارة الأزمة لصالح الدائنين لا لصالح المجتمع، وتكريس منطق التبعية بدل كسرها. فالمسألة لا تتعلّق بتخفيف دين أو جذب استثمار، بل بإعادة ترتيب موازين القوة داخل الاقتصاد الوطني، ومنح الخارج موقع الشريك المقرِّر، لا لا المموِّل فقط.
من إدارة الدين إلى إعادة تشكيل الاقتصاد
تحويل الدين إلى استثمارات يعني، عمليًا، نقل الدائن من موقع المطالبة بالسداد إلى موقع الفاعل داخل الاقتصاد. وهذا التحوّل ليس بريئًا ولا تقنيًا. فالدائن لا يستثمر بدافع التضامن أو التنمية، بل بدافع التحكّم والربحية وضمان النفوذ. وحين يحدث ذلك في اقتصاد هشّ، تكون النتيجة اختلالًا أعمق في ميزان القرار.
في السياق التونسي، حيث تعاني الدولة من ضعف قدرتها التفاوضية، وتعيش تحت ضغط الاستحقاقات المالية العاجلة، يصبح هذا البرنامج شكلًا من أشكال الوصاية الاقتصادية المقنّعة إذ تُفرض الأولويات من الخارج، وتُحدَّد القطاعات “القابلة للاستثمار” وفق منطق السوق العالمية، لا وفق حاجات التنمية الوطنية أو العدالة الاجتماعية.
هكذا، لا يعود السؤال: كيف نخفف الدين؟ بل يصبح: من يقرّر مسار الاقتصاد؟ ولصالح من؟
الأزمة أعمق من الأرقام
إن تصوير الأزمة التونسية على أنها مجرّد مشكلة دين عمومي هو تبسيط مخلّ، يخدم منطق الهروب إلى الأمام. فالمشكلة الحقيقية تكمن في نموذج اقتصادي تابع، لم ينجح منذ عقود في بناء قاعدة إنتاجية صلبة، ولا في تحقيق سيادة غذائية أو صناعية أو طاقية، ولا في توزيع عادل للثروة
تحويل الدين إلى استثمارات لا يمسّ هذه الجذور، بل يتجاوزها. لا يخلق ثروة وطنية، ولا يعيد هيكلة الاقتصاد، ولا يعالج الفوارق الجهوية، ولا يوفّر للدولة موارد فورية تمكّنها من أداء وظائفها الاجتماعية. إنه حلّ شكلي يسمح للسلطة السياسية بتأجيل المواجهة مع الأسئلة الصعبة، مقابل تقديم تنازلات استراتيجية طويلة المدى.
التجربة اليونانية: درس في حدود “الإنقاذ”
تقدّم التجربة اليونانية مثالًا صارخًا على ما يحدث حين تُدار الأزمات بمنطق إرضاء الدائنين. فبعد أزمة 2008، خضعت اليونان لبرامج “إنقاذ” فرضتها الترويكا الأوروبية، جرى خلالها تحويل جزء من الدين إلى آليات استثمار وخصخصة، مقابل قروض مشروطة وإصلاحات قاسية.
لكن ما سُمّي إنقاذًا تحوّل إلى تقويض ممنهج للسيادة الاقتصادية: بيع موانئ ومطارات ومؤسسات عمومية، تقليص جذري للإنفاق الاجتماعي، تراجع الأجور، ارتفاع غير مسبوق للبطالة والفقر. ورغم ذلك لم تحرّر اليونان من المديونية، بل خرجت من الأزمة أكثر هشاشة وأقل قدرة على التحكم في قرارها الاقتصادي.
الدرس واضح: حين يُختزل الحلّ في الأرقام، وتُستبعد العدالة والسيادة من المعادلة، يصبح “الإنقاذ” مسارًا لإعادة إنتاج الأزمة، لا تجاوزها ..
تونس واليونان: اختلاف السياق… وحدة المنطق
صحيح أن تونس ليست اليونان، من حيث الحجم أو الموقع داخل المنظومة الأوروبية، لكن منطق إدارة الأزمة واحد: تحميل المجتمع كلفة الاختلالات، مقابل طمأنة الدائنين والأسواق. في الحالتين، يُقدَّم الاستثمار الخارجي كحلّ سحري، وتُهمَّش البدائل السيادية، ويُختزل النقاش العام في سؤال واحد: كيف نُرضي المموّلين؟
غير أنّ الفرق الخطير هو أن تونس، بخلاف اليونان، لا تملك شبكة أمان اجتماعي قوية، ولا اقتصادًا صناعيًا متماسكًا، ما يجعل كلفة هذا المسار أكثر تدميرًا على المدى المتوسط.
الاستثمار أم الخصخصة باسم الواقعية؟
في ظل غياب الشفافية وضعف الرقابة، يتحوّل تحويل الدين إلى استثمارات إلى خصخصة صامتة للأصول العمومية. فالدولة التي تفاوض تحت الضغط قد تقبل بالتنازل عن أراضٍ، أو مؤسسات، أو موارد طبيعية، بثمن الأزمة لا بقيمتها الحقيقية، ودون نقاش وطني جامع.
وهنا يكمن البعد الأيديولوجي للمسألة: ليست القضية تقنية، بل صراع بين تصورين للاقتصاد: تصور يرى الدولة مجرّد وسيط لخدمة رأس المال، وتصور يعتبرها أداة لتحقيق المصلحة العامة وحماية الثروة الوطنية
من يدفع الثمن؟ سؤال سياسي لا مالي
في كل السيناريوهات، لا يدفع الثمن الدائن ولا المستثمر، بل المواطن. مواطن يُطالَب بالتقشف، ويُقنع بأن “لا بديل”، في حين تُفتح أبواب الاقتصاد أمام الخارج. وهكذا يُستبدل الدين المالي الواضح بـ ارتهان اقتصادي طويل الأمد، أقل شفافية وأكثر خطورة، يقيّد خيارات الأجيال القادمة ويُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه.
خاتمة: لا إنقاذ دون قطيعة
إذا كانت تونس جادّة في البحث عن مخرج من أزمتها، فإن الطريق لا يمرّ عبر مزيد من التنازلات، بل عبر قطيعة واعية مع منطق إدارة الأزمة بالتفريط. وفي هذا السياق، يبرز خيار التدقيق الشامل في الديون العمومية كخطوة سيادية لا غنى عنها، لكشف طبيعة الديون، ومصادرها، والجهات التي استفادت منها.
فليست كل الديون شرعية. بعضها راكمته أنظمة فاسدة، وبعضها استُخدم لخدمة مصالح ضيقة، وبعضها لم يدخل أصلًا في الدورة الاقتصادية. إن إسقاط الديون الفاسدة أو غير المشروعة ليس تنظيرا أو مغامرة سياسية، بل حقّ سيادي، وأداة سياسية لإعادة التوازن في العلاقة مع الدائنين.
وحده هذا المسار- القائم على المحاسبة، والشفافية، وبناء نموذج اقتصادي مستقل – يمكن أن يؤسّس لإنقاذ حقيقي، لا يُدار بمنطق الإملاءات، ولا يُموَّل بثمن السيادة، ولا يُحمَّل المواطن وحده كلفة أزمة لم يكن يومًا مسؤولًا عن صنعها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
