يحيي الشعب الفلسطيني وأنصاره من حرائر العالم وأحراره الذكرى 50 لما بات يعرف في سردية النضال الوطني الفلسطيني بـ”يوم الأرض”، تخليدا لذكرى الأحداث التي جدّت في شهر مارس 1976 في قرى دير حنا، سخنين وعرابة التي استهدفها جيش الاحتلال الصهيوني لمصادرة مساحات شاسعة من أراضيها وإلحاقها. وهكذا انطلقت المصادمات مع الأهالي لتشهد ذروتها يوم 30مارس 1976 بتنفيذ الإضراب العام واكتساح الشوارع للتعبير عن الغضب في كامل فلسطين المحتلة عام 1948 من الجليل إلى النقب. ولم يشارك فلسطينيو الداخل وحدهم في هذا اليوم بل أضربت غزّة والضفّة الغربيّة والقدس، كما شملت الحركة مخيّمات اللجوء خاصة في لبنان. وبطبيعة الحال واجه الاحتلال الجماهير المحتجّة بالرصاص فاستشهد ستة منها وأصيب المئات، كما تم اعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين والنشطاء.
لقد أكّدت أحداث مارس 1976 حقائق بالغة الوضوح لازالت أُسًّا اسمنتيّا للنضال الوطني الفلسطيني، أولّها أنّ الأرض هي محور الصراع وجوهر القضية بين فلسطين وغزاتها منذ شروع الصهاينة الأوائل في التسلّل لإنشاء المستوطنات في ثمانينات القرن التاسع عشر أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بازل السويسرية سنة 1897، وما تلاه من بعث “الوكالة الصهيونية” سنة 1908 لتنظم عمليتي الهجرة إلى فلسطين وشراء/افتكاك الأراضي للتوطين وخلق المعطيات المادية لقيام “دولة” العصابات الصهيونية سنة 1948. ثاني الحقائق هي وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده أي فيما يعرف بفلسطين المحتلة سنة 1948 (المسماة “إسرائيل” في قرار التقسيم)، وفلسطين المحتلة سنة 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية)، ومخيمات اللجوء والشتات. وحدة الشعب بكافة طبقاته وفئاته الوطنية التي ناهضت الاحتلال وانخرطت في مختلف أشكال النضال ضده. ثالث الحقائق هي إصرار الشعب الفلسطيني على الدفاع عن قضيته كلفه ذلك ما كلفه تكريسا لقناعة توارثتها الأجيال مفادها أن شعبا يفرط في أرضه ليس جديرا بالحياة وأن أقصر الطرق للدفاع عن الحق الفلسطيني هي التشبث بهذا الحق ودفع ما يلزم من ضريبة النضال، وهو ما كرسه الشعب الفلسطيني منذ بدايات تصادمه مع العصابات الصهيونية التي خلقت لها الامبريالية كل الشروط للتحول من مشروع إلى “دولة” تكريسا لمصالح الاحتكارات الرأسمالية التي تريد استمرار وضع يدها على مقدرات المنطقة وثرواتها وهو ما يؤمنه اليوم كيان الاحتلال الذي انتصب شرطيا في المنطقة.
لقد شكّلت أحداث مارس 1976 أحد أهم محطات النضال الوطني الفلسطيني لا من جهة بيان طبيعة الصراع فحسب، بل أيضا من جهة توجيه صفعة لكل مشاريع التسوية والتطبيع التي كان يطبخها النظام الرسمي العربي بعد حرب 1973 التي توقفت في منتصف الطريق لتحول الانتصار العسكري إلى هزيمة كرّسها نظام السادات في مسار التسوية والتطبيع الذي بلغ اليوم درجة متقدّمة بما يؤكد ما بات قاعدة من قواعد الصراع وهو أن الأنظمة العربية حليف موضوعي لكيان الاحتلال وداعمه الامبريالي الأمريكي الغربي فما كان يمارس طيلة عقود تحت الطاولة أصبح اليوم يمارس في العلن بأقصى درجات الوقاحة والخسّة. لقد قام النظام الرسمي العربي بمناسبة حرب الإبادة الأخيرة على غزة أقذر الأدوار لوأد القضية الفلسطينية وتدمير المقاومة في لبنان ومحاصرة إيران ثم الانخراط المباشر في العدوان عليها الذي يتم اليوم من منصات القواعد العسكرية المنتشرة على طول إمارات الخليج، فضلا عن فتح خطوط التمويل لهذه الحرب العدوانيّة في حين يتعرض الشعب الفلسطيني للقتل بالدم البارد ويتعرض الشعب اللبناني للاعتداء على مدار الساعة، دون أن يحرك ذلك أي شعرة لحكام المهانة الوطنية والقومية.
إنّ النظام الرسمي بقي كعادته خارج الوعي التاريخي لعدم إحساسه المطلق بكون الخطوة الموالية ستطاله لإعادة ترتيب الحدود والأدوار من أجل إعادة تشكيل المنطقة وهو ما تعلنه مطابخ القرار الصهيو-أمريكي في وضح النهار وفي تحدٍّ صارخ لكل الأعراف. إن هذا الوضع يحتم على الشعوب العربيّة وعلى شعوب المنطقة عامة وقواها التقدمية أن يكون لديها الوعي التاريخي الغائب عن أنظمة العار والعمالة، كي تنخرط في معاركها الفعلية دون مزيد من الانتظارية. إن النازية الجديدة تغزو العالم وتهدد كل نقطة فيه، والعدوان يتضاعف على الشعوب ومقدراتها، لذلك لا خيار أمام هذه الشعوب وقواها الأكثر وعيا ويقظة إلا مضاعفة الجهود من أجل توحيد الطاقات للتصدّي للعدوان. إنّ الشعب الفلسطيني ثابت رغم حرب الإبادة وشعوب إيران صامدة ومبدعة والمقاومة اللبنانية تتحدّى وتصارع وتفنّد أوهام المعتدين… فلتنهض كل شعوب المنطقة للنضال ولتحوّل أراضيها إلى نار مشتعلة تحت أقدام الغزاة الظالمين. إنّ الأرض ليست مستهدفة في فلسطين فحسب بل في لبنان وإيران وسوريا والعراق وكامل المنطقة… ولا ينبغي لشعوبنا المغاربيّة أن تظنّ أنّها خارج الاستهداف… فلتحزم أمرها لمقاومة التطبيع مع الكيان الغاصب ولتأخذ مصيرها بأيديها.
عاشت فلسطين
عاشت المقاومة
يسقط الحلف الامبريالي الصهيوني الرجعي
صوت الشعب صوت الحقيقة
