بقلم جيلاني الهمامي
بلغ حجْمُ الكُتْلة النقدية المُتَدَاولة (لأوراق نقدية ومسكوكات) في السُّوق التّونسية 28.5 مليار دينار يوم 24 مارس الماضي مقابل 23.3 مليار دينار قبل عام واحد فقط أي بفارق إضافي أكثر من 5 مليار دينار في شكل سيولة نقدية. مع العلم أن تزايد حجم السيولة لم ينقطع على امتداد أكثر من سنة (منذ سبتمبر 2024) ما أضفى على هذه الظاهرة دلالات كثيرة. أولها تخلف السوق التونسية في مجال وسائل الدفع بصفة عامّة والدّفع الرّقْمي على وَجْهِ التّحديد. في استطلاع أجراه مركز المُسَيّرين الشّبّان و“مؤسسة كونراد أديناور” الألمانية، 62.5 % من المؤسّسات التّونسية لا تعتبر وسائل الدّفع الكتروني أولوية ناهيك عن اعتمادها في معاملاتها.
أما من النّاحية الاقتصادية فإنّ هذا التّطور الكبير والمتسارع في حجم السّيولة النّقدية في السّوق التونسية يُمَثِّل نتيجة طبيعية لِمَا ادَّعَتْهُ السّلطة من “إصلاحات” في مجال أسَاليب الدّفْعِ بِتِعِلّة مُقاومة الفساد وَنَخُصُّ بالذّكر هنا القيودَ المضْرُوبة على استعمال الشّيكات. وقد اتّضَحَ أنّ ما جاء في القانون عدد 41 لسنة 2024 لم “يُصْلِحْ” الوضع بقدر ما خَلَقَ انخرامًا أكبر في المعاملات التجارية. ومما زاد الطّين بلّةً ما جاء في الفصل 45 من قانون المالية للسنة الجارية 2026 والقاضي برفع المنع عن الخلاص نَقْدًا للمبالغ التي تفوق 5 آلاف دينار في عديد المعاملات الإدارية والتجارية (عقود العقارات، الأصول التجارية، بيع وشراء السيارات الخ…).
مثل هذه القرارات العبثية، فضلا عن أنها ساعدت على تضخّم المعاملات في القطاع الموازي خارج مسالك التحكم في حركة السيولة المالية وبالتالي ساعدت على اتساع رقعة القطاع غير المنظم فإنها، وفّرَتْ المناخَ المُلائم والشّروط المُثْلَى لانْتِشارِ الفساد والفساد المالي خاصّة، ورسّختْ مِنْ جهة أخرى ثقافة “الكاش” لدى المتعاملين الفاعلين في الاقتصاد (المؤسسات) ولدى عموم المواطنين على حدّ السّواء الأمْر الذي يُوحِي بانْتِشار مَوْقِفٍ عَفَوي شائعٍ هو انعدام الثقة في وسائل الدّفع البنكي من جهة والخوف من تقنيات الدفع الجديدة الالكترونية. ويترتب عن ذلك بطبيعة الحال خسائر ثقيلة للمالية العُمُومية إذ أنّ اتّساعِ رُقْعة الدّفع عن طريق “الكاش” cash يَحْرٍم صندوق الجباية والخزينة العامة من إيرادات كبيرة ويؤثر بالتالي سلبا في موارد الدولة.
وفَوْقَ كل ذلك فإنّ اسْتِفْحال ظاهرة تضخُّم حجم النّقد في السّوق التّونسية لَهُ دِلالات اقتصادية ومالية هامة. يبدو أن الاقتصاد التونسي قد غرق في حلقة مفرغة تتمثل في الوضعية التالية: كُلّمَا ازْدَادَ حجْم السّيولة النّقدية ازْدادتْ صعوبةُ السّيطرة على الأنْشِطة الاقْتصادية المُوَزاية وإدْماجِها في الاقتصاد المُنَظّم، وكُلّمَا توسّعَ الاقتصاد المُوازي ازْدَاد الطّلب على السّيولة النّقْديّة.
والخطير في الأمر أن ارتفاع حجم النّقد المتداول يشهد نسَقًا متصاعدا مُنذ صائفة 2024 (22 مليار دينار في اوت 2024) وخاصة في الأشهر الأخيرة (26 مليار دينار في سبتمبر 2025) وبشكل أخص منذ بداية السنة الحالية 2026.
اختيارات مُفْلَسة ومخاطر هيكلية إضافية
بعد أن توقّفْنا عند الدلالات الخطيرة لظاهرة تضخّم حجْم السّيولة النّقدية في السّوق من المُهِمّ أن نُسلّط الضّوء على تبعاتها ونتائجها.
بما أنّ ازدياد حجم كتلة النّقود المتداولة هي في نهاية التّحليل ارتفاع في عرض النّقود في السّوق فإنّ أوّل تداعيات ذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي هو أن هذه الظاهرة تؤدي عادة، وإذا لم يخلق النشاط الاقتصادي العام من الثّروة ما يقابل حجم النّقد المتداول، إلى ارتفاع الأسْعار أي ارتفاع نسبة التضخّم إلى جانب انخفاض قيمة النّقود الحقيقية في السّوق المحليّة وانخفاض سعر الصّرف مقابل العُمُلات الأجنبية. إن تضخّم حجم كتلة النقود المتداولة مقابل تناقُصِ قيمتها وتراجع فعاليتها في تغطية شراءات المستهلكين يُفْقِدُهُ ثقة المتعاملين فيها.
من ناحية أُخْرى فإنّ تضخّم حجم السّيولة يعني هُرُوب أكبر قَدْرِ من النّقود خارج مسالك المعاملات المالية المنظّمة أي خارج المُؤَسّسات البنكية من شأنه أن يُزَعْزع أركان المنظومة المَصْرفية وَيُحُدَّ من قُدرتها على توفير القروض ولَعِبِ دورها الاستثماري وبالتالي الإخْلال بالتّوازن المطلوب بين مختلف محركات التنمية. هذا زيادة على أنّ كَثْرة المَعْروض النّقدي في السوق يؤدي إلى تشجيع المعاملات غير المنظّمة وتوفير ظروف تبييض الأموال والتهرب الضريبي وحرمان خزينة الدولة من قسم هام من الموارد وبالتالي تعميق عجز ميزانية الدولة عن تمويل حاجات الاقتصاد في مجال الاستثمار العمومي وما ينجرّ عن هذا العجز من اختلالات مالية كبرى. كما أن هروب السّيولة خارج البنوك يُجْبِرُ هذه الأخيرة على الضغط على المركزي لمدّها بحاجياتها من السّيولة، ممّا يجعل المؤسسة المالية العُلْيا عاجزة عن التحكم في المنظومة النقدية (التضخم وأسعار الفائدة ونسبة الفائدة المديرية الخ…).
وعلى صعيد آخر من المُمْكن أن يؤدّي تضخّم حجْم السّيولة إلى ظهور نزَعَات استثمارية غير مؤطرة في قطاعات تبدو مُدِرّة لأرباح عالية وسريعة الأمر الذي يُساعد على نُشُوبِ فقّاعات قطاعية قد تؤدي إلى انهيارات في بعض القطاعات وربما حتى في مجمل الاقتصاد الوطني. حتّى الآثار الجانبية التي يُمْكن اعتبارها من إيجابيات الظاهرة فإنها سرعان ما تتحول إلى مصدر لمشاكل اقتصادية إضافية. فارتفاع الطلب الداخلي نتيجة الطّفرة النّقدية يؤدّي إلى ارْتفاع الطّلب على العديد من السّلع والمنتوجات بما في ذلك تلك المستوردة ونتيجة لذلك تزداد المدفوعات لتغطية الاستيراد الإضافي بما يعمّق اختلال الميزان التجاري وعجزه.
لا حل إلا بخيارات بديلة
يتضح من خلال السياسة النقدية المتبعة الآن أنّ الإجراءات التّرقيعية المتّخذة لم ولن تتوفّق في احتواء الأزمة. فإثقال كاهل البنك المركزي بطلبات تمويل متزايدة من قبل البنوك (بلغ أكثر 5.2 مليار دينار) ليس إلاّ حلاّ ظرفيا غير كفيل بمعالجة الوضعية وقد أصبح مؤشرا على ترسّخ حالة فقدان اليقين المالي أكثر فأكثر. أمّا إِجْرَاء الحطّ من نِسْبة الفائدة المُدِيريّة إلى 7 % أثبت قُصُورَهُ عن تصحيحِ أوْضَاع المَنظُومة النّقْديّة المُنْخرِمة.
لا مناصَ إذن من خيارات جديدة مُخْتلفة تماما عَمَّا يَجْري تَطْبيقُه الآن، ويَشْمَلُ التّغيير الاختيارات الاقتصادية الكليّة في المَقَامِ الأوّل مِنْ حيث خصائص الاقتصاد التّونسي التّنْموية والطّبقية وارتباطاته بالمنظومة الرأسمالية العالمية وارْتِهَانه لاتّفاقيات بَعْضُها مَعْلوم وبَعْضُها الآخر مازال سِرّيًا إلى الآن. ويَشْمَلَ تَبَعًا لذلك المنظومة المالية وبالأساسِ سياسة تَمْويلِ الاقتصاد وعلى وَجْهٍ أخصّ سياسة الاقْتِراض الخارجي والداخلي أيضًا. ويَشْمَلُ ثالثا السياسة النقدية لبِناءِ عُمْلَةٍ محلية مستقلة قوية ومستقرة لا تتأثر بتَقَلُّبات الأسْواق المَالية العَالمية، وفي هذا الإطار تَتِمُّ مراجعة استقلالية البنك المركزي ومسألة تعويم الدينار التونسي.
لقد أثبتت الخيارات الاقتصادية في ظل علاقة التبعية للمركز الرأسمالي العالمي فشله التام لا فقط في خدمة مصالح الشعب التونسي بل وحتى في بناء اقتصاد تابع يتمتع بحد أدني من الصلابة والاستقرار. ويزداد اليوم في ظل الازمة الحادة التي تهزّ أركان المنظومة الرأسمالية المتعفنة اليقين بضرورة نسف أسس اقتصاد الريع الذي فوّت على بلادنا كل إمكانيات النمو والازدهار من أجل إرساء نمط تنمية جديد باقتصاد منتج ومندمج ومستقل وموجَّه إلى خدمة الجماهير الشعبية وفي صالح الأجيال القادمة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
