الرئيسية / صوت العالم / جدل حول العُدوان الأمريكيّ الصهيونيّ على إيران (الجزء الأول)
جدل حول العُدوان الأمريكيّ الصهيونيّ  على إيران (الجزء الأول)

جدل حول العُدوان الأمريكيّ الصهيونيّ على إيران (الجزء الأول)

بقلم حمّه الهمّامي

أثار العدوان الأمريكي الصهيونيّ، المتواصل منذ 28 فيفري الماضي، على إيران ردود فعل عدّة في البلاد العربيّة والإسلاميّة. ويهمّنا في هذا المقال التعرّض بشكل خاصّ إلى المواقف الرسميّة منها وغير الرسمية التي تحاول التغلّف بوطنيّة أو قوميّة أو تقدّميّة زائفة لتبرير عدم إدانتها ذلك العدوان وتعمّدها التشهير بإيران والتحريض عليها وحتى تقديمها في صورة المعتدي في الوقت الذي يلازم فيه أصحاب تلك المواقف من حكومات وأحزاب وإعلاميين ومثقّفين و”صنّاع رأي” الصمت على جرائم المعتدي الحقيقي هذا إن لم يجاهر بعضهم بتأييده من موقع طائفيّ تكفيريّ أو عنصريّ مقيت

“لا نقف مع إيران لأنّ نظامها رجعي واستبدادي”

من بين هذه المواقف التعلّل بـ”الطابع الثيوقراطي، الرجعيّ والاستبداديّ” للنظام الإيراني لترويج أنّ هذا العدوان لا يعني القوى الثوريّة والتقدّمية والمعادية للإمبرياليّة لأنّ مساندة إيران يعني مساندة نظامها وفي أقصى الحالات فإن المطروح هو التنديد بالطرفين على حدّ سواء واعتبار الحرب القائمة “صراعا بين قوّتين رجعيّتين.” وما من شكّ في أنّ هذا الموقف لا علاقة له بالواقع وبالمبادئ الثورية والتقدّميّة. فهو يقدّم ما جرى ويجري في غربيّ آسيا بشكل مغلوط ذلك أنّه ينفي وجود معتد ومعتدى عليه. فالمعتدي في هذه الحالة هو الإمبريالية الأمريكيّة والكيان الصهيونيّ اللذان قرّرا شنّ حرب على إيران بدعاو كاذبة (منع إيران من امتلاك السلاح النووي وتجريدها من الصواريخ الباليستيّة اتقاء لشرّها تجاه دول المنطقة والعالم) وهي دعاو قديمة استعملت في السابق للاعتداء على مصر عبد الناصر وعراق صدّام حسين. هذا أوّلا وثانيا فإنّ المستهدف من العدوان ليس النظام الإيراني الذي اغتيل منذ اليوم الأوّل للعدوان أهمّ قادته فحسب، وإنّما أيضا وأساسا الشعب والأمّة الإيرانيّين. فالإمبرياليّة الأمريكيّة لا هدف لها غير إخضاع إيران والسيطرة على ثرواتها وتدمير مقدراتها وحتى تمزيق وحدتها في إطار مخطّط كامل يهدف إلى استعادة السيطرة على المنطقة وإقصاء المنافسين الامبرياليين، الصيني والروسي منها. كما يهدف إلى إزالة أي عائق أمام الكيان الصهيوني ليكون هو “الأكبر” في المنطقة ليرعى مصالحها. وما يجري في الأرض من تقتيل للمدنيّين وخاصة منهم الأطفال ومن تدمير وتخريب للخدمات العامّة وتهديم للمباني السكنيّة يبيّن بشكل واضح أنّ الشعب الإيراني هو المستهدف الأوّل من هذه الحرب مثله مثل الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني والسوري والعراقي وغيرهم. وبالإضافة إلى ذلك كلّه فإنّ المعتدي الامبريالي الصهيوني لا يستهدف النظام الإيراني لأنّه رجعي واستبدادي وإنّما لكونه نظاما غير طيّع فلو كان في خدمة المعتدي كما كان شاه إيران السفّاح رضا بهلوي لحافظ عليه ودعّمه مثلما هو يحافظ على أبشع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة الموالية له وعلى رأسها النظام السعودي القروسطي ويدعمها. وفي كلّ الحالات فقد بيّنت تجارب التاريخ أنّ الديمقراطيّة لا تأتي فوق دبابة كما لا يمكن أن تتحقّق على يد عدوّها صاحب التاريخ الملطّخ بدماء الشعوب. ومن هذا المنطلق فنحن اليوم لسنا أمام وضع عاديّ يكون فيه التناقض الرئيسي بين النظام الإيراني من جهة والشعب من جهة ثانية وإنّما نحن في وضع جديد، استثنائي يتميّز بحدوث عدوان خارجي يستهدف النظام والشعب والأمّة معا. ومن البديهي أنّه في وضع كهذا يعاد ترتيب التناقضات طبقا للمتغيّرات فيصبح التناقض الرئيسي بين الأمة الإيرانيّة عدا الأقلية الخائنة والعميلة من جهة والإمبريالية الأمريكيّة والكيان الصهيوني من جهة ثانية. إنّ النظام الإيراني وفقا لهذا الترتيب الجديد للتناقضات لا ينبغي أن ينظر إليه في اللحظة القائمة من زاوية إن كان ديمقراطيّا أم لا، بل ينبغي أن ينظر إليه من زاوية موقفه من العدوان: هل هو قابل به أم هو يقاومه؟ دون أن يعني ذلك بالطبع تخلّيا عن الموقف من طبيعته الطبقية ومن ممارساته تجاه الشعب الإيراني. إن الثوريّين الحقيقيين في إيران الذين يعارضون النظام القائم مطالبون بأن يقدّروا التناقض الرئيسي من الزاوية المذكورة وأن يكونوا إلى جانب شعبهم وأمّتهم ضد العدوان ولا يلازموا موقف المتفرّج أو “الشامت” في النظام، بل إنّهم مطالبون (وهم في الواقع يفعلون ذلك) بأن يكونوا في الصفوف الأماميّة لصدّه كما أ نّهم مطالبون باستغلال الوضع لشرح برامجهم ومواقفهم المنتصرة للشعب الإيراني بعمّاله وكادحيه وفلّاحيه ونسائه وشبابه ومثقّفيه ومبدعيه التقدّميين وأقلّياته العرقيّة والدينيّة لبناء نظام وطنيّ، ديمقراطيّ وشعبيّ، أقوى وأقدر على مواجهة أي عدوان خارجي. ومثل هذا السلوك هو الذي سيجعل تلك القوى بعد نهاية العدوان في موقع أفضل للضغط على النظام القائم سواء من أجل توفير شروط تغييره من الداخل الإيراني وفقا لإرادة الشعب لا من الخارج الامبريالي الرجعي، أو على الأقل، لفرض تنازلات عليه لصالح الشعب من شأنها أن تسمح له بتوسيع نضاله وتجذيره. وبالطبع سترتفع هنا أيضا بعض الأصوات لتقول إن النظام الإيراني لو “نجا” من هذا العدوان وظلّ قائما فإنّه سيزداد بأسا وستتوسّع أطماعه في المنطقة. ولكن هؤلاء لا يطرحون الاحتمال الآخر الجدّي، وهو ماذا لو انتصر المعتدي الامبريالي الصهيوني فهل أنّ شعوب المنطقة ستعيش في رخاء وسلام أم أنّها ستصبح فريسة أسهل لهذا المعتدي الذي لا يخفي أنّه يريد إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه بل إنّ نتنياهو لم يخف البتّة أنّه بعد القضاء على المحور الشيعي (إيران وحركات المقاومة في لبنان واليمن والعراق) سيأتي الدور على “المحور السنّي” قاصدا بذلك تركيا والسعودية ومصر وباكستان. فما يهمّه هو ألّا تبقى دولة قوية في المنطقة يمكن أن تشكّل خطرا عليه على المدى القريب أو البعيد وهو ما يسنده فيه ترامب. ومن هذا المنطلق فإنّ ما ينبغي التفكير فيه اليوم بشكل مباشر ليس ما سيفعله النظام الإيراني غدا في صورة صموده في وجه العدوان بل التصدّي للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران أوّلا لإنقاذ الشعب والوطن من الهمجيّة الأمريكية الصهيونيّة والاستعداد لاحقا لمواجهة أي تطور في المنطقة يكشف أطماعا توسّعية للنظام الإيراني. إنّ السيطرة على إيران اليوم بأيّ دعاو كانت سيفتح الباب أمام الإمبريالية الأمريكيّة والكيان النازي للتقدّم أشواطا في تنفيذ مشروعهما الهيمني في المنطقة وبالمقابل فإنّ فشلهما في تحقيق تلك السيطرة سيعرقل ذلك المشروع ويتيح فرصا لتوسيع النضال ضدّهما وتطويره للتخلّص من وجودهما.

جدل حول العُدوان الأمريكيّ الصهيونيّ على إيران (الجزء الثاني)

إلى الأعلى
×