الرئيسية / صوت الوطن / هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟
هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟

هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟

بقلم : علي الجلولي

لعلّه من البديهي في عالمنا اليوم الإقرار بالدور الحيوي والنشيط الذي أصبحت تلعبه الوسائط الالكترونية في تمتين التواصل بين مختلف الفئات الاجتماعية على المستوى المحلي كما على المستوى العالمي. صحيح أن الثورة التكنولوجية هي صنيعة الرأسمالية في إطار سعيها المتواصل لتطوير منظومة الإنتاج ووسائله بما يعزز آليات النفوذ والسيطرة الاقتصادية / الاجتماعية منها، وكذلك الفكرية / الأيديولوجية على مجمل المجتمع. لكن في ثنايا ذلك وعلى تُخومه استفاد المجتمع بما فيه طبقاته وفئاته المفقرة والمضطهدة في هذه الطفرة العلمية الهامة، مثل استفادتها من مجمل الطفرات والتحولات التي شهدها العالم في عصرنا الحديث وخاصة المعاصر. لقد استطاعت الجماهير الكادحة بما اكتسبته بفضل التمدرس حتى في حدوده الدنيا، الاستفادة من بعض فوائد التقدم العلمي في مختلف المجالات بما فيها إمكانية توظيف وسائل التواصل الالكتروني لتطوير وعيها وأيضا تجويد ممارستها النضالية والاحتجاجية على كل الأصعدة النقابية والسياسية والجمعوية. ومقابل الكم الكبير من التوظيف البرجوازي للوسائل الالكترونية لتدمير الوعي والتحكم فيه وضرب الروح المعنوية والاحتجاجية والثورية لدى الجماهير الكادحة والشعبية، استطاعت هذه الجماهير وقواها التقدمية في أكثر من مرة توظيف هذا السلاح ضد مصاصي الدماء مثلما يجري اليوم ضد كيان الاحتلال الصهيوني حيث لعبت شبكات التواصل الالكتروني دورا عظيما في فضح ما يجد من جرائم في غزة والضفة ولبنان، وهو ما لعب دورا جوهريا في إيصال الحقيقة الى الرأي العالم العالمي الذي يعرف اليوم تحولا مهما يتجلى في اتساع حركة التضامن والمساندة لفلسطين قضية وشعبا. وتلعب وسائل التواصل الالكتروني وظيفة تعبوية نشيطة ضد الاستبداد والدكتاتورية عوضت تقريبا ما كانت تقوم به طيلة عقود طويلة الوسائل الورقية من جرائد ومناشير والتي عوضت في الزمن الحديث وسائل التواصل والدعاية الشفوية التي استمرت لقرون لدى حركات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والثقافي.

وتحوز وسائل التواصل الاجتماعي اليوم حضورا لافتا في تفاصيل حياتنا بما فيها تلك التي تهم متابعة الشأن العام ومواجهة الاستبداد والظلم لا من جهة الفضح والتشهير فحسب، بل أيضا من جهة التعبئة للتحرك، وهي ظاهرة تهز كل العالم بما فيها البلدان التي آثرت الخروج عن منطق العصربوضع الموانع والتقييدات القانونية والفعلية أمام الجمهور الواسع الذي يلج العالم الالكتروني مثلما هو الحال في بلادنا التي تتصاعد في اجهزتها الالكترونية المحاصرة حركة احتجاج تضاهي ما بات يُسمّى عند بعض السوسيولوجيين وعلماء السياسة بـ الانتفاضة الالكترونيةالتي تتحدى سياسة التخويف الممنهج التي تعتمدها سلطة الاستبداد خاصة من انقلاب 25 جويلية.

  • العالم الالكتروني يستقطب التونسيين

مثل بقية الشعوب والمجتمعات أصبحت الفضاءات الالكترونية في تونس تستقطب أعدادا كبيرة لا من اليافعين والمتعلمين فحسب، بل من كل الفئات بما فيها الأقل تعلما في الأرياف كما في المدن. وتشير الأرقام الرسمية الى أهمية هذا الاستقطاب، فحسب معهد الإحصاء فقد بلغ عدد مستعملي الانترنيت 77°/° من التونسيين سنة 2024، وتصل هذه النسب في المدن الى 81.4°/° مقابل 61°/° في الأرياف، وتبلغ هذه النسبة ذروتها في أوساط اليافعين (من 10 الى 18 سنة) اذ تصل الى 80°/°. وللعلم فان عدد مستعملي الشبكة العنكبوتية على المستوى العالمي لم يتجاوز سنة 2024 ال 62.3°/° أما سنة 2025 فبلغ 70 °/°. هذا ويقضي التونسي/ة 7ساعات ونصف يوميا أمام شاشة الانترنيت (مقابل 6 ساعات و40 دقيقة كمعدل عالمي). وحسب دراسة أعدتها مؤسسة أمرود كونسيلتنغسنة 2024 فان التونسي/ة يقضي شهريا 67 ساعة في تصفح صفحات الفيسبوك، و60 ساعة في التيك توك، و56 ساعة في الانستغرام، و42 ساعة في اليوتوب، أي ما مجموعه 225 ساعة شهريا (مقابل 3ساعات و20 دقيقة فقط للقراءة). هذا يعني أن انخراط التونسيين في العالم الالكتروني أصبح كبيرا ومتصاعدا، وبطبيعة الحال فان هذا الانخراط يسهل لديهم متابعة ما يجد في الشأن العام بما فيه الشأن السياسي خاصة مع التراجع الكبير للبرامج السياسية في وسائل الاعلام العمومية والخاصة بمقتضى الاستهداف الرسمي لكل المنابر السياسية سواء الإعلامية أو غيرها في إطار التصفية الممنهجة لمكسب الحريات الذي تحقق بعد الثورة. إن الانخراط الواسع في مختلف الوسائط الالكترونية أتاح الفرصة للعديد منهم لا للمتابعة فقط، بل أيضا للمشاركة في الحملات السياسية المختلفة التي أصبحت تتشكل وتتبلور ويتم تنشيطها في الفضاء الالكتروني قبل وصولها الى الأرض.

  • وسائل التواصل الاجتماعي: الدعاية والتحريض

لقد تحولت وسائل التواصل الى الية نشيطة في مجالي الدعاية والتحريض، فالتونسيون الذين لا يتجاوز عددهم 12 مليون، يمتلكون في ماي 2024 أكثر من 16 مليون شريحة هاتف جوال، منها قرابة 10ملايين خط تستعمل الانترنيت، وهو ما حول جزء غالبا من الشعب التونسي الى تلقي المعلومات والأخبار من الشبكة العنكبوتية عوضا عن التلفزة والإذاعة والصحف. وبقطع النظر عن نوعية الأخبار وكيفية صناعتها وأهداف المواقع الالكترونية المعلنة والخفية، فان تحولا مهما حدث ولا زال يتعمق وهو سهولة الحصول على المعلومة في مختلف المجالات بما فيها المجال السياسي الذي أرادت السلطة مصادرته مثلما صادرته على الأرض باعتماد المرسوم 54 الفاشي الصادر في 13 سبتمبر 2022 الذي وضع كل القيود باسم التصدي للجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال. هذا المرسوم الذي أحيل على خلفيته عدد كبير من النشطاء ومن المواطنين وصدرت ضدهم أحكام قهرية بسلب الحرية، ورغم ذلك فان الاقبال والمشاركة في المتابعة وصنع الخبر والحدث والدعوة الى الاحتجاج تعرف تصاعدا مهما وتعرف توسعا في مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية. ويشبّه العديد من المتابعين علاقة التونسيين بشبكة الانترنيت اليوم مثلما كانت عليه في السنوات الأخيرة لحكم الطاغية بن علي حيث يتابع التونسيون أخبار بلادهم من خلال شبكة الانترنيت ومن خلال القنوات التلفزية الأجنبية. وإذا كانت المواقع الاخبارية حينها مغلقة، ومراقبة ولوجها ممسوكة بالكامل لجهاز البوليس، فان هذا الأمر أصبح صعبا اليوم رغم تواصل المراقبة الأمنية والقضائية. ويساهم الانفجار الضخم في تعدد الوسائط في إتاحة فرص أكبر للمتابعة التي لم تمكن فقط من الإلمام بآخر الأخبار والمعلومات، بل مكنت أيضا وأساسا جزء متعاظما من الرأي العام من الانخراط في الترويج والدعاية لهذا الموقف أو غيره. ونظرا للحجم الكبير لما يتم تداوله نشرا وتعليقا فان حاجز الخوف الذي تريد السلطة فرضه من خلال المرسوم 54 ومن خلال ترسانة القوانين القمعية أصبح يتراجع ويتفكك، وأصبح العديد يتحدث عن انتفاضة الكترونيةوجهت ضربة موجعة للخوف والتخويف الذي تعمل السلطة من أجل فرضه.

  • الانتفاضة الالكترونية كخطوة في مسار الانتفاضة على الأرض

تتعمق القناعة يوميا بكون العالم الافتراضي أصبح فضاء لانتفاضة كبرى تستهدف الخوف. يتأكد ذلك من خلال الكم الكبير للمواقع والمجموعات الالكترونية المهتمة بمختلف واجهات الشأن العام، فالمواقع المهتمة بانتهاك الحريات العامة والفردية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمجال البيئي والتربوي والصحي والفلاحي، وقضايا المرأة والطفولة وذوي الحاجيات الخصوصية والأجانب، واهتمامات الجهات الداخلية والأرياف والأحياء الشعبية والبنية الأساسية، ومطالب المعطلين وخريجي الجامعات والمتقاعدين، والأخبار النقابية والمدنية والثقافيةكلها عناوين لآلاف المواقع بقطع النظر عن مدى الجدية من عدمها أو تقدمية المحتوى من عدمه. وتعتبر الحملات الدعائية أو الحركية ضد القمع والاستبداد والاعتداء على الحقوق والحريات في مختلف الواجهات من أبرز ما أصبح يميز تعاطي التونسيين مع شبكة الانترنيت. فمثلما تم توظيف الشبكة للترويج لمساندة الانقلاب ورأسه ومساره من خلال ما بات يعرف بـالصفحات الزقفونية، ها هي اليوم الشبكة تلعب دورا نشيطا في معارضة نظام الاستبداد وتحدي آلة قمعه التي يفرض عليها يوميا مزيد الارتخاء أما إصرار شباب تونس ومناضليها على التحدي. لقد راهن قيس سعيد على الخوف أسلوبا أساسيا في الحكم، كما اعتمد الزبونية والولاء والتصفيق لترويج أكذوبة الاسناد الشعبي، لكن سنوات قليلة كانت كافية لكشف ضعف هذا الإسناد لصالح تنامي مظاهر السخط والغضب بحكم التدهور المريع والممنهج لأوضاع الشعب على مختلف الأصعدة. لقد باتت القناعة تتوسع عند لفيف واسع من التونسيين والتونسيات أن الصمت والخنوع لن يؤدي الا الى مزيد التدهور وأن أقصر الطرق لإيقاف نزيف هذا التدهور هو النضال والاحتجاج والانتفاض الذي بدأت ملامحه تتوسع في المجال الالكتروني باعتباره مجالا لقيس المشاعر والمواقف، وها هي شبكة الانترنيت الفالتة من رقابة الرقيب تدعو وتنظم وتؤطر التحركات حول الحريات وتدهور الأوضاع الاجتماعية وحول مشكل البيئة في قابس وحول معضلة خريجي الجامعة المعطلين الذين تعمق وعيهم أن السلطة تبيع لهم الوهم ولا خيار أمامهم الا التحرك كما فعلوا قبل الثورة حيث كانت تحركاتهم سمادا للانتفاضة وهو ما يعتمل اليوم في أحشاء تونس وأديم أرضها. ان الانتفاضة والثورة تتخمر في العقول والمشاعر وتتفاعل عناصرها في واقع الشعب، وشبكة الانترنيت هي شاشة تصور ما يجد في العقول وما يحتدم في الواقع.

إلى الأعلى
×