بقلم : جيلاني الهمامي
تحل بيننا يوم الثاني من شهر ماي الجاري الذكرى السابعة عشر لوفاة الشاعر والأديب والمناضل السياسي والنقابي،الرفيق الطاهر الهمامي. فذات ربيع من سنة 2010 فارقنا الطاهر بعد أن تعكّرت حالته الصحية بصورة مفاجئة في العاصمة الإسبانية مدريد. قبل ذلك بأيام قليلة كان الطاهر قد خضع لجملة من الفحوصات الطبية ولم يكن هنالك ما يدعو للخوف سوى بعض الاضطرابات الخفيفة في مستوى القلب. وكان الطاهر قد دأب وقتها على السفر لزيارة إحدى بنتيه هناك في إسبانيا التي أعجب بها أيّما إعجاب.
التعريف به لمن لا يعرفه
برحيله فقدت تونس واحدا من أبرز شعرائها وأديبا كبيرا وجامعيا مرموقا ومنظرا بارزا في قضايا الأدب والفن. فهو مثقف واسع الاطلاع متعدد المهارات غزير الإنتاج. صدر له عديد الدواوين الشعرية منها على سبيل الذكر لا الحصر “الحصار” و“الشمس طلعت كالخبزة” و“تأبط نارا” و“صائفة الجمر” و“أرى النخل يمشي” الخ… وكتب في النقد الأدبي ومن أبرز ما صدر له في ذلك “كيف نعتبر الشابي مجددا” و“حركة الطليعة الأدبية في تونس” و“مع الواقعية في الأدب والفن” و“الكتاب مهندسو الأرواح” وكتب في الحقل النقابي وصدر له فيه “دفاعا عن الديمقراطية النقابية“. ولهم مساهمات كثيرة في العديد من الجرائد والمجلات التونسية والعربية المتخصصة في الأدب والفن مثل “حوليات الجامعة التونسية” ومجلة “الفكر” و”أطروحات” و”الحياة الثقافية” و”الموقف الأدبي” في سوريا و”علامات” في المغرب و”القصيدة” في الجزائر و”أخبار الأدب” في مصر وغيرها كثير.
أحرز دكتوراه الدولة في اللغة والآداب العربية عن أطروحة بعنوان “بحث في الشعرية العربية من منظور شعر الشعراء على شعرهم الى القرن 5 هجري / 11 ميلادي”. ودرّس في كلية الآداب بمنوبة.
ترجمت أعماله إلى عديد اللغات منها الفرنسية والإسبانية والانجليزية والإيطالية. واتسعت شهرته لعديد المهرجانات العربية وغير العربية والجامعات في العالم.
وقد اعتنى بتجربته الشعرية العديد من الباحثين والنقاد والجامعيين وصدرت في ذلك الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية العربية وغير العربية.
تجربته الشعرية
الطاهر الهمامي شاعر صاحب صنعة شعرية متميزة تستند إلى رؤية خاصة لوظيفة الأدب عموما والشعر في الحياة. فالشعر بالنسبة إليه كما الدب والفن مجال للصراع بين المحافظ والمنغلق والرجعي من جهة والثوري المستنير والتقدمي من الجهة الأخرى. ذلك أن الطاهر ليس فقط شاعرا فهو أيضا ناشط سياسي يساري متشبع بالأفكار الاشتراكية. وقد اكتشف العموم يوم تأبينه في مقبرة بوعرادة، مسقط رأسه، أنه ساهم في نقاشات “حلقة الشيوعي” طيلة سنة 1985 والتي أدت إلى تأسيس حزب العمال الشيوعي التونسي وخط بيده بعض مواد مؤتمره التأسيسي وصحح البعض الآخر وتقلد مواقع قيادية فيه كعضو في اللجنة المركزية وفي وقت من الأوقات صلب اللجنة التنفيذية والقيادة العملية. ودأب لسنوات طويلة على كتابة افتتاحيات جريدة صوت الشعب. وهو أيضا النقابي المعروف في قطاع التعليم الثانوي منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي وقد أثمرت تجربته النقابية كتابه “دفاعا عن الديمقراطية النقابية” الذي أرّخ للصراعات التي شهدتها الساحة النقابية في الثمانيات.
لكن يبقى الطاهر الشاعر صاحب التجربة الشعرية الفريدة والمتميزة. وقد اخترت ان أركز فيما يلي على هذا الجانب دون سواه لأهميته وطرافته. فالطاهر هو أبرز وجوه “حركة الطليعة الأدبية” وجناحها الشعري “في غير العمودي والحرّ” التي خلقت رجة في الساحة الشعرية في تونس في بداية السبعينات. عن هذه التجربة أصدر الطاهر سنة 2004 كتابه “تجربتي الشعرية” الذي جمع فيه جملة البيانات والتقييمات التي ظهرت على امتداد التجربة من سنة 1969 حتى تاريخ صدور هذا الكتاب.
ظهرت “حركة الطليعة الأدبية” ونمط “في غير العمودي والحر” في سياق التحولات الكبرى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي هبت نسائمها على الشبيبة المثقفة في تونس وأوحت بالحاجة، في مجال الأدب والشعر تحديدا، إلى تجاوز القوالب الموسيقية والتعبيرية التقليدية في الشعر العربي لأن هذه القوالب أدت دورها واستنفذت طاقتها وحان حين مجاوزتها.
واجهت الحركة التجديدية عراقيل كثيرة فأوصدت في وجهها الأبواب محليا مما حدا بشعراء “حركة الطليعة” إلى مقاطعة النشر في مجلة “الفكر“. ولاقت أعمالهم مصاعب في الخروج للناس مما جعل الطاهر يهدد بكتابة قصائده بالفحم على الجدران ويقول في كتابه “تجربتي الشعرية” “29 – هبْ أن دور النشر رفضت، لسبب غير أدبي، نشر مجموعتك أو تلكأت في ذلك. جوابك سيكون بسيطا: نكتبها بالفحم على الجدران، جدران AFRICA مثلا“(2).
وقد عانت الحركة في بداياتها من حصار “اتحاد الكتاب التونسيين” في الداخل وفي الساحة العربية. من ذلك أن تدخل لدى هيئة تحرير مجلة “الآداب” اللبنانية الشهيرة لمنعها من نشر أعمال شعراء “حركة الطليعة الأدبية“(3).
ومع ذلك سرعان ما اشتد عود “الحركة” وفرضت لونها في ساحة الإبداع في تونس. فقد خاضت الحركة معركة ضارية ضد نزعة المحافظة. ومما ساعدها على الصمود ثم الانتشار وافتكاك موقعها الخاص في الساحة هو التنوع في الإنتاج (الشعر والقصة والنقد الأدبي الخ…) إلى جانب قوة الحجة في الجدل الذي رافق الصراع الدائر بين الحركة وخصومها. يقول الطاهر الهمامي دفاعا عن “غير العمودي والحر“: “ثورتنا لا تستهدف القديم لأنه قديم، بل هي ضد شعر وأدب وثقافة من يعيش بيننا بالقديم وللقديم وفي القديم وعليه فأمرؤ القيس وعنترة وأضرابهما من أبناء عصرهما – على سبيل المثال – شعراء مبدعون، لأن أشكال شعرهم ولغته طابقت مضامينه. ثم بمرور الزمن استفحل التفاوت بين الحياة – المتجددة دوما – وبين الشعر الذي ظلت أشكاله جامدة لا تتطور إلا لماما، ودون أن تخرج عن البنية الأولى“(4).
ولم تكفّ “حركة الطليعة“، التي تحولت تدريجيا على يد الطاهر الهمامي إلى “المنحى الواقعي في الأدب والفن“، عن الدفاع عن ذات المنطلقات الفكرية والابداعية في وجه النزعات المحافظة والشكلانية والحيادية من قبيل أصحاب نظرية “الفن والفن“. وهو ما نجد صداه في بيان “المنحى الواقعي” الصادر عن الطاهر الهمامي ومحمد معالي وسميرة الكسراوي بمناسبة الملتقى الأول للشعر التونسي الجديد المنعقد بمدينة الحمامات في جويلية 1981. وقد شدد أصحاب البيان على مقومات الخط الفكري والابداعي لهذا التيار، وريث حركة الطليعة حيث يقول:
“- النضال على واجهة الفن إلى جانب قوى الحياة والتقدم في المجتمع وذلك انطلاقا من أن الفن ملتزم بطبعه منحاز في الصراع الاجتماعي إلى جانب هذا الطرف أو ذاك إن بصفة واضحة أو مقنعة.
– اعتبار الجمالية في الشعر والفن عامة قيمة غير مطلقة ومن ثمة ارتباطها الأشد بنوعية المضمون الذي يحمله القصيد أو الأثر الفني، ومن هنا هي تمارس فعلها في الواقع“(5).
(يتبع)
هوامش:
1 – على معنى عنوان كتابه الذي يحمل دراسة حول عبد الله ابن المقفع “رجل في رأسه عقل” الصادر بتونس سنة 1992.
2 – الطاهر الهمامي، تجربتي الشعرية بيانات وتقييمات (1969 – 2004) – كلمة بيانية رابعة، ص 19 ويعني هنا مجموعته الشعرية الأولى (الحصار) التي لاقت قبل صدورها حصارا حقيقيا.
3 – نفس المصدر، ص 27
4 – نفس المصدر، ص 21
5 – نفس المصدر، ص 31
صوت الشعب صوت الحقيقة
