الرئيسية / صوت العالم / مفاوضات اسلام آباد على إيقاع اشتباكات مضيق هرمز
مفاوضات اسلام آباد على إيقاع اشتباكات مضيق هرمز

مفاوضات اسلام آباد على إيقاع اشتباكات مضيق هرمز

بقلم : عمار عمروسية

كانت جميع الحيثيات التي حفّت بوقف العدوان الصهيوـأمريكي الهمجي على إيران تدفع إلى الاعتقاد بأن الأمر لا يتجاوز حدود الاستراحة التكتيكية المحكومة بعديد العوامل المتداخلة بين ما هو عسكري (ذخيرة معدّات الخ…) وماهو سياسي مرتبط إما بالداخل الأمريكي (ضعف شعبية هذه الحرب، تعالي الأصوات المعادية لسياسات ترمب“..) أو بالساحة العالمية (افتضاح الطابع غير المشروع للعدوان، فشل أمريكا في حشد حلفاء حتى ضمن مجالها التقليدي…).

بالتوازي مع ذلك كانت كلّ المؤشرات التي رافقت تحريك عجلة الديبلوماسية حتى وإن كانت بلاعب جديد على هذه الأدوار توحي بأنّ طريق المفاوضات بالعاصمة الباكستانية كراتشيلن يكون سوى دربا طويلا محفوفا بمخاطر تعقيدات كثيرة وانتكاسات كبيرة مرتبطة أولا وقبل كل شيء بالتصوّر السياسي العام لمضمون التفاوض وأهدافه لدى الرئيس الأمريكي وإدارته المشبعة بقيم هتك سيادة الشعوب ونهب ثرواتها بما يضمن لها موقع الهيمنة المطلقة على النظام العالمي القائم وثانيا البقاء بهذا الشكل أو ذاك ضمن دائرة الحسابات الضيّقة والخاصة بالمجرم نتنياهو وحكومته النازية المارقة.

الديبلوماسية المخادعة

لم تقدر آلة الحرب الصهيوـأمريكي رغم ضخامتها قياسا بالقدرات الإيرانية على تحقيق الأهداف المعلنة بفضل الصمود البطولي للشعب الإيراني وقواته المسلّحة الأمر الذي فرض على قوى العدوان اللجوء من جديد إلى طرق سبل جديدة للخروج من مستنقع الاستنزاف المهلك ماليا وبشريا وسياسيا والحيلولة دون انهيار شامل بالمنطقة والإقليم.

فوقف ذاك العدوان بتلك الحصيلة الصفرية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان هو في حد ذاته بمثابة الهزيمة التي أفقدت جميع عناصر سردية انتصارهما التي تهاوت بعد حماسة ترمب للمبادرة الباكستانية التي يعتقد الكثير من الخبراء العسكريين أنها انطلقت منذ الوهلة الأولى برغبة أمريكية وبدفع قوي من الدول العميلة بالخليج العربي التي تعاظمت خسائرها المالية والسياسية على حد السواء.

فجولة التفاوض الأولى والثانية بالعاصمة كراتشي دون النظر إلى نتائجهما يعدّان بمثابة تعزيز كبير لنظام الجمهورية الإسلامية الذي كان القضاء على وجوده على رأس أجندة قوى العدوان.

فالمتأمل في سير تلك المفاوضات وما رشح من كواليسها وما أعقبها من ردود رسمية من جميع أطراف تلك الطاولة لن يسعه أن يقف بسهولة على الأساسيات التالية :

أظهرت أغلب تصريحات الثلاثي بومبيو كوشنير ويتكوف النزوع الأمريكي للاستقواء والابتزاز الذي يجسد تأمين مكتسبات ما عجزت عنه آلة الحرب وهي ذات المعاني والدلالات التي تظهر بصفة صريحة ضمن إسهال تعليقات ترمبالمنطوقة المكتوبة. فالأخير لا يرى من التفاوض سوى الإخضاع ورفع الرايات البيضاء والاستسلام ويصل به الصلف حدود المجاهرة بسرقة نفط إيران وتقسيم جغرافيته إلى كانتونات منهكة اقتصاديا ومتناحرة اجتماعيا.

لجوء الوفد الأمريكي بعد كل لقاء تفاوضي أو تبادل رسائل عبر الوسيط الباكستاني إلى تغيير المطالب وتبديل الأولويات بما ينسجم مع مقتضيات شراء الوقت وتضييق الخناق على الوفد الإيراني.

تكثيف الحملات الإعلامية والسياسية والرفع من التهديدات العسكرية لضرب الروح المعنوية للشعب الإيراني وقياداته ومحاولة خلق شرخ بينهما بالإمكان استغلاله لتحريك مجموعات الارتزاق والعمالة بالداخل الخارج.

تكثيف جهود تحريض دول المنطقة وعلى الأخص مجلس التعاون الخليجيودفع البعض منهم للانخراط في أنشطة مختلفة عدائية ضد إيران“.

دخول الأخيرة جولة مفاوضات باكستانباستيعاب عميق لدروس الماضي وهو ما تم التعبير عنه في أكثر من مناسبة عن طريق العناصر الأساسية للنظام ومختلف أجهزته السياسية والعسكرية.

فرئيس الجمهورية بزكشيانمنذ اليوم الأول لمسار التفاوض قال لا ثقة لنا في أمريكا وتجاربنا معها مريرةأمّا قاليبافرئيس البرلمان والوفد المفاوض فقد أعلن قبل دخوله قاعة الجلسات في كراتشيقائلا سندافع كما في الميدان عن مصالح شعبنا.. ولن نعطي لأعدائنا ما فشلوا في تحقيقه بالحرب طوال 39 يوما“.

نجح الوفد الإيراني في إحباط مساعي رقع السقف والتلاعب بالمطالب والأولويات وفرض حتى يومنا هذا رؤيته في هذا المسار التفاوضي وتمسك بخارطة طريق تلائم مستلزمات صون السيادة الإيرانية على القرار والأرض والمقدرات ضمن هيكلة قائمة على التدّرج في تحديد الأولويات التي يمكن حوصلتها كما يلي:

وقف الحرب النهائي مع تقديم ضمانات.

رفع الحصار الأمريكي على مضيق هرمز وخاصة الموانئ الإيرانية.

المباشرة برفع العقوبات الاقتصادية وتسريح الأموال المجمدة.

فتح مضيق هرمز مع القبول بالسيادة الإيرانيةالعمانية وما يلزمها من رسوم مالية.

التعويض عن خسائر الحرب الجائرة.

نقاش الملف النووي ضمن ضوابط الحق الإيراني في امتلاك مشروعها والتخصيب.

وفق هذه الهيكلية المحدّدة بذكاء كبير يليق بأمّة اكتشاف لعبة الشطرنج أدارت ولاتزال إيرانحرب الديبلوماسية وأحبطت جميع محاولات التلاعب والإخضاع فاليد مثلما قال قائد الحرس الثوري على الزنادوهي تحكم قبضتها على مضيق هرمز.. وليس بمقدور أحد في هذا العالم ردّنا عن مواصلة بسط سيطرتنا…”.

مضيق هرمز سلاح إيران الفتّاك

يعتبر هذا المضيق واحدا من أهم الممرات البحرية بالعالم فموقعه الجغرافي شديد الحساسية باعتباره صلة الوصل بين الغرب والشرق فهو يؤمن خمس النفط العالمي بمعدل 21 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته وهو الشريان الحيوي الذي يزود السوق العالمية سنويا بحوالي 80 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال زيادة عن تأمين نصيب مهم من غذاء العالم وبعض مستلزمات الإنتاج الفلاحي.

والحقيقة أن الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق كانت معلومة منذ عهود لدى الجميع بما في ذلك النظام الإيراني الذي كثيرا ما لوّح باستعماله خصوصا أثناء فترات التوتر مع الامبريالية الأمريكية والغربية، غير أن تلك التهديدات بقيت ضمن مجال الردع ولم تدخل حيّز التنفيذ إلاّ في ذروة تصعيد قوى العدوان.

فإيران التي أفلحت في توظيف جبالها وصحاريها لمعركة الميدان العسكري نقلت ورقة المضيق إلى طاولة المفاوضات والميدان معا مجيدة في الساحتين استعماله كورقة ردع استراتيجية ضيّقت الخناق على الوحش الهائج ترمبالذي سارع إلى جملة خطوات عسكرية فيها تنفيذ حصار على المضيق وتحديدا الموانئ الإيرانية وفيها خطط عسكرية تحت مسميات مشروع الحريةوالحرية +) بهدف ضرب السيطرة الإيرانية على المضيق.

تواصل إيران تفعيل ورقتها بحنكة كبيرة فهي تفرض أمرا واقعا على الجميع وتربح من خلال خطوتها الأخيرة فهي تسمح بعبور سفن من تريد وتمنع من تريد وفق تفاهمات مسبقة ومشاورات.

تخسر أمريكا من وراء نسبة ارتفاع التضخم لديها شأنها في ذلك شأن دول كثيرة ويخسر ترمبمن تزايد تراجع شعبيته التي قد تجد طريقها إلى صناديق الاقتراع في الخريف القادم.

تجيد إيرانتوظيف كافة أوراقها على طاولة المفاوضات وتتقدّم في تثبيت وجود نظامها من خلال نشاط ديبلوماسي مكثف يعزّز من روابط صداقاتها التقليدية ويرمم بعض التصدعات التي نشأت في المدة الماضية.

بالتوازي مع ذلك تتدحرج الولايات المتحدة الأمريكية نحو دائرة المراوحة بين العجز في حسم المعركة بالقوّة واللجوء من جديد إلى خيار الحرب التي أصبحت أكثر من أيّ وقت مضى أشدّ تكاليف وأكثر عبثية حتى في منظور بعض القيادات العسكرية والأمنية بأمريكا.

إلى الأعلى
×