بقلم منذر الخلفاوي
أجريت يوم 7 ماي 2026 الانتخابات المحلية في إنجلترا بنسبة مشاركة عامة بين 40 و50% وسجلت مشاركة 25 ألف مرشح من مختلف الأحزاب يتزاحمون من أجل الفوز بـ 5066 مقعدا ومن أبرز نتائجها هو تراجع حزبي “العمال” و”المحافظين” الذين يهيمنان ويتداولان تقليديا على الحكم منذ سنوات. لأول مرة يفوز بالأغلبية داخل المجالس البلدية المحلية حزب “إصلاح المملكة ” وهو حزب يميني شعبوي بحوالي 30% يليه “حزب العمال” الحاكم بـ 22% ثم “حزب المحافظين” بـ 19% ثم الليبراليون بـ 15% فالخضر بـ 12% إلى جانب أحزاب أخرى صغيرة والمستقلين.
تحول تاريخي في الخارطة السياسية بإنجلترا
تُبْرزُ الانتخابات البلدية الأخيرة تراجع ثقة الناخبين في الأحزاب التقليدية وخاصة “حزب العمال” الحاكم الذي وصل الى الحكم قبل أقل من عامين إذْ خسر نحو 1500 مقعد محلي بينما سيطر “حزب إصلاح بريطانيا ” اليميني على 14 مجلس محلي وعلى 1451 مقعدا ليتحول من حزب احتجاجي صغير إلى قوة محلية واسعة الانتشار. إلى جانب ذلك حصل “حزب الخضر” على 5 مجالس محلية وحقق الليبراليون الديمقراطيون مكاسب محدودة. هذه النتائج تعبّر عن عدم ثقة النّاخبين في رئيس الحكومة الحالية ” كير ستارمر” الذي يواجه حملة واسعة من داخل الحزب ومن خارجه تدفع الى استقالته. ومن أجل تشديد هذا الضغط استقال إلى حد اليوم أربعة وزراء وعديد المساعدين والبرلمانيين داعين الى تغيير قيادة الحزب بسبب النتائج الكارثية التي لم يستجب لها “كير ستارمر” الذي يصر على إنهاء المدة النيابية حتى سنة 2029 حتى يتمكن من إنهاء مشروعه الحكومي مؤكدا أن لديه مُتّسَعٌ من الوقت لتجاوز الأزمة الاقتصادية واسترجاع ثقة الناخبين في الانتخابات التشريعية القادمة.
أسباب فوز اليمين الشعبوي وتراجع أحزاب المنظومة التقليدية
يبدو أن النّاخب البريطاني صوّت ليس بدافع الولاء الحزبي التقليدي بل احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتردية وفشل الأحزاب التقليدية في تحقيق مطالبه وطموحات الشعب البريطاني بمختلف فئاته. لقد بلغت نسبة التضخم أكثر من4% (بعد أن كانت 11% ) ما أدى إلى ضغط كبير على الغذاء والطاقة والرّهن العقاري ووصل الدّيْن العام إلى 95% من الناتج المحلي وتردّت الخدمات الصحية لتصل قوائم الانتظار الصحية الى 7 ملايين شخص ويعاني المواطن كذلك من الضرائب المرتفعة ومن أسعار الفائدة التي قفزت الى مستويات عالية بعد أن كانت قريبة من الصفر كما ارتفعت أسْعار المنازل والإيجار بزيادات قياسية وتحتدّ كل سنة أزمة السكن نتيجة النمو الاقتصادي الضعيف. وإلى ذلك يبلغ الفقر النسبي الـ 20% والبطالة الـ 4% كما شهدت الهجرة – وهي الملف ذو التجاذب السياسي الحاد بين القوى الرجعية والعنصرية وبين القوى الديمقراطية – تطورا وصل إلى مستوى 10 -11 مليون شخص وهو ما يقارب 15 -19% من مجموع السكان. كل هذه الأوضاع مجتمعة استغلّها حزب اليمين الشعبوي الرّجعي لِيُقَدّمَ نفسه بديلا للمنظومة القديمة ولاحتكار الحزبين الكبيرين “حزب العمال” و”حزب المحافظين” لسنوات عديدة الحكم بينهما. وقد لعب خلال حملته الانتخابية على وتر عواطف الناخبين وخاصة على موضوع معاداة المهاجرين والمسلمين وتمكن من اختراق المناطق الصناعية ذات الكثافة العمّالية والأحياء الفقيرة ونال أصوات الناخبين كبار السّن ليصبح الحزب الأول شعبيا. وفي الجهة المقابلة سجّل حزب الخضر ذو التوجهات التقدمية والمساند للقضية الفلسطينية وبعض الأحزاب الصغيرة نتائج هامّة في المدن الجامعية والمناطق ذات الكثافة الشبابية.
اليمين الشعبوي يقدم أجوبة وحلولا وهمية لمشاكل هيكلية
يقوم خطاب “حزب الإصلاح” الشعبوي مثل كل الأحزاب والشخصيات الشعبوية على الشعارات القومية الشوفينية الرافضة للمهاجرين الذين يُحمِّلُهمْ تبعات الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويطالب بترحيلهم وغلق الباب أمامهم “لاستعادة السيادة على الحدود” حسب زعمه. و”من أجل تقليل الضغط على السكن والخدمات “. كما يعادي النخب والمثقفين. مثل هذا خطاب نجح في جلب الأنصار والمتعاطفين في فترات الحيْرة والقلق من الأوضاع الصّعبة. إن الشعبوية رغم تقديم نفسها من خارج المنظومة إلا أنها في الحقيقة تخدع الناخب فهي تلطّف الصّراع الطبقي وتنادي في دعايتها إلى خفض الضرائب على الشركات “دفعا للاستثمار والاستهلاك” وتقليص دور الدولة وخفض النفقات العمومية وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية والتفويت فيها للخواص. لكن كما نرى فإن الإجراءات المقترحة لا تفعل غير مفاقمة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على حساب الطبقات الكادحة وخدمة رأس المال.
أمّا في ملف السياسة الخارجية فإن “حزب إصلاح بريطانيا” يتبجّح بموالاته للإمبريالية الأمريكية ودعمه للصهيونية ومعاداته للمقاومة الفلسطينية وهو يدعو إلى سحب مذكرة اعتقال “ناتنياهو” للسلطة منتقدا مواقف الحكومة البريطانية التي لا تدعم بما يكفي الامبريالية الأمريكية في الحرب العدوانية على إيران.
زيادة نفوذ أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا
إن ما يجري في إنجلترا هو توجه عام في العالم وفي أوروبا خلال السنوات الأخيرة، اذ يهيمن اليمين الشعبوي القومي في أمريكا وإيطاليا وسلوفاكيا ويشارك بقوة في فنلندا وهولاندا ويشهد صعودا قويا في فرنسا وألمانيا والنمسا نتيجة ضعف أو غياب الأحزاب الثورية وتراجع حركة الطبقة العاملة أيضا. لكن السياسات العدوانية للإمبريالية بقيادة القوى الشعبوية وتفاقم الحروب والصراعات بين الامبرياليات من أجل إعادة اقتسام العالم ستعَجِّلُ بافتضاحها ولن تتأخّر مقاومة الشعوب وخاصة جيل الشباب المعادي للحرب والفاشية مثلما رأينا إثر الحرب على غزة وتبقى مسؤولية الأحزاب الثورية محددة في الانتصار.
صوت الشعب صوت الحقيقة
