الرئيسية / عربي / سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش الرأسمال العالمي
سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش الرأسمال العالمي

سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش الرأسمال العالمي

بقلم : الناصر بن رمضان

لم يعد سوق السيارات العالمي مجرد قطاع صناعي تقليدي ينتج وسائل النقل، بل تحوّل مثله مثل قطاعات الطاقة والصناعات العسكرية و التكنولوجيا الرقمية و عالم المال إلى ساحة صراع استراتيجي بين الاحتكارات الرأسمالية الكبرى، حيث تدور حرب ضروس بين كبريات الدول الإمبريالية، في معركة عالمية ضارية للسيطرة على المستقبل الصناعي والتكنولوجي لهذا القطاع الذي أضحى مركزًا لتراكم رأس المال، ومجالًا لتصريف الفائض المالي، وميدانًا للصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين.

وقد بلغ حجم سوق السيارات العالمي سنة 2025 حوالي 96.4 مليون سيارة مباعة عالميًا، فيما تجاوزت قيمة القطاع آلاف المليارات من الدولارات بين تصنيع وقطع غيار وخدمات تمويل وتأمين وشحن. لكن خلف هذا اللمعان التكنولوجي تختفي حقيقة أكثر قسوة: احتكار متصاعد واستغلال مكثف للعمال وتحويل السوق إلى ساحة افتراس رأسمالي لا يرحم.

تمركز رأس المال واحتكار السوق العالمي

يكشف تطور سوق السيارات خلال العقد الأخير عن نزعة واضحة نحو التمركز الأقصى لرأس المال وابتلاع الشركات الكبرى لما تبقى من المنافسين الأصغر، ذلك أن خمس مجموعات من الشركات الإحتكارية العالمية الأقوى فقط، باتت تتحكم في جزء هائل من السوق العالمية شركة Toyota اليابانية، شركة Volkswagen الألمانية، شركة Hyundai الكورية، شركة Stellantis ( متعددة الجنسيات : إيطالية فرنسية أمريكية )، وBYD الصينية، إذ باعت مجموعة Toyota سنة 2025 حوالي 11.3 مليون سيارة، محتكرة لوحدها أكثر من 12% من السوق العالمية، بينما باعت Volkswagen Group حوالي 9 ملايين سيارة. أما مجموعة BYD الصينية فقد قفزت إلى المرتبة الخامسة عالميًا بأكثر من 4.6 مليون سيارة، في مؤشر على التحول العميق في موازين القوى داخل الرأسمالية العالمية.

هذا التمركز ليس صدفة، بل كان نتيجة قانون النظام الرأسمالي الإمبريالي نفسه. فالمنافسة الحرة التي بشّرت بها الليبرالية تنتهي دائمًا إلى الاحتكار الذي تبتلع فيه الشركات العملاقة الشركات الأضعف، وتتحكم في سلاسل التوريد، وتفرض الأسعار، وتحتكر التكنولوجيا وبراءات الاختراع وهو ما يؤكد راهنية الخصائص اللينينية الخمسة حول الإمبريالية القاضية بتركز الإنتاج الرأسمالي إلى درجة عالية جدا تنشأ معه الإحتكارات التي تصبح لها الكلمة الفصل في الحياة الإقتصادية – إندماج الرأسمال البنكي بالرأسمال الصناعي ونشوء الطغمة المالية – تصدير رأس المال المالي – تشكل إتحادات رأسماليين احتكارية عالمية تقتسم العالم – تقاسم العالم من قبل كبريات الدول الإمبريالية، وهذا ينطبق تماما على قطاع سوق السيارات كما ينطبق على قطاعات استراتيجية تظل مسرحا لصراع الكواسر الإمبريالية حيث أفضى الاقتتال بينها إلى موجات متتالية من غلق المصانع وتسريح العمال واستشراء البطالة. ففي أوروبا والولايات المتحدة، دفعت عملية الانتقال نحو السيارات الكهربائية آلاف العمال إلى البطالة بسبب تقليص الحاجة إلى اليد العاملة مقارنة بمحركات الاحتراق التقليدية.

إن الرأسمالية هنا لا تطور التكنولوجيا لتحسين حياة البشر، بل لرفع معدلات الربح وتقليص كلفة العمل البشري.

الحرب الصينية الغربية على السيارة الكهربائية

تُمثل السيارة الكهربائية اليوم قلب الصراع العالمي الجديد. فالمسألة لم تعد بيئية كما تروّج الدعاية الغربية، بل تحولت إلى معركة هيمنة اقتصادية وصناعية. فالإمبريالية الصينية، التي كانت قبل عقدين مجرد مصنع منخفض الكلفة للشركات الغربية، أصبحت اليوم قوة صناعية عملاقة تنافس المراكز الرأسمالية التاريخية في هذا القطاع مثل غيره من القطاعات الأخرى. ففي سنة 2025 استحوذت الصين وحدها على 35.6% من سوق السيارات العالمي، ببيع أكثر من 34 مليون سيارة. كما أصبحت الشركات الصينية تهيمن تدريجيًا على سوق السيارات الكهربائية والبطاريات. وشركة BYD الصينية بدورها تجاوزت شركة Tesla الأمريكية لصاحبها كبير رجال الأعمال Elon Musk لتصبح أكبر بائع عالمي للسيارات الكهربائية، بعدما باعت حوالي 2.26 مليون سيارة كهربائية سنة 2025، مقابل حوالي 1.64 مليون فقط لـTesla. وفي أوروبا، تمكنت Volkswagen من تجاوز Tesla في مبيعات السيارات الكهربائية سنة 2025 بعد ارتفاع مبيعاتها بنسبة 56%، مقابل تراجع مبيعات تسلا بـ27%.

هذا الصراع كشف زيف خطاب “العولمة الحرة”. فحين بدأت الصين تنافس الغرب فعليًا، سارعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى فرض الرسوم الجمركية والعقوبات التجارية على السيارات الصينية، تحت ذريعة “حماية الصناعة الوطنية أي أن الرأسمالية تؤمن بحرية السوق فقط حين تكون الهيمنة بيدها، لكنها تتحول إلى الحمائية والقومية الاقتصادية حين يهدد منافس جديد مصالحها.

المستهلك والطبقة العاملة يدفعان الثمن

رغم التقدم التكنولوجي الهائل، فإن المستفيد الحقيقي من هذه الثورة في عالم السيارات ليس العامل ولا المستهلك، بل الاحتكارات الكبرى والمساهمون الماليون أي الأوليقارشيا المالية إذ شهدت الأسعار العالمية للسيارات ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة بسبب التضخم، وارتفاع كلفة المواد الأولية، والاحتكار، والمضاربة المالية. وفي بلدان الجنوب، ومنها تونس، تحولت السيارة إلى سلعة شبه فاخرة بالنسبة للطبقات الشعبية. فالعامل أو الموظف التونسي يجد نفسه اليوم أمام أسعار خيالية، سواء للسيارات الأوروبية أو اليابانية أو حتى الصينية. وفي المقابل، تواصل الشركات العالمية تسجيل الأرباح الخيالية، بينما تزداد تبعية الدول الضعيفة للتكنولوجيا الأجنبية ولشركات التمويل والبنوك. وحتى التحول نحو السيارات الكهربائية لا يجري وفق منطق بيئي حقيقي، بل وفق منطق السوق والربح. فالبطاريات تحتاج إلى الليثيوم والكوبالت والمعادن النادرة التي تُستخرج غالبًا من إفريقيا وأمريكا اللاتينية في ظروف استغلال مضاعف بشعة للأطفال والعمال، بينما تتحكم الشركات الكبرى في سلاسل التوريد العالمية. وبالتالي فإن “السيارة النظيفة” في النظام الرأسمالي تخفي وراءها دماء العمال في المناجم، ونهب ثروات الشعوب الفقيرة، وتكريس التبعية التكنولوجية والمالية.

سوق السيارات في تونس مسرح لصراع الكواسر

إن البلدان التابعة لا تشذ عن القاعدة. وتونس هي منطقة من مناطق النفوذ التي تحوّلت شوارعها في السنوات الأخيرة إلى معرض مفتوح يعكس صراعاً خفياً، لكنه شرس، بين عمالقة صناعة السيارات وماركاتها الجديدة. فبعد عقود من الهيمنة المطلقة للماركات الغربية العريقة، وتحديداً الفرنسية منها التي ارتبطت بوجدان العائلة التونسية، يشهد عام 2026 انعطافاً تاريخياً في موازين القوى؛ حيث تراجعت الهيبةالتقليدية أمام زحف آسيوي تقوده التكنولوجيا الصينية الطموحة والنجاعة الكورية الجنوبية. وأضحت الصورة في وكالات بيع السيارات مغايرة تماماً لما كانت عليه قبل سنوات؛ فالمستهلك التونسي الذي كان يضع الاعتمادية” ( fiabilité) وتوفر قطع الغيار كأولوية قصوى، بات اليوم ينجذب لبريق الشاشات الرقمية، وأنظمة القيادة الذكية، والأسعار التي تداعب قدرته الشرائية المنهكة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع تكلفة استيراد السيارات الأوروبية المسعرة باليورو مثل فولكس فاقن” (Volkswagen أو فيات” (Fiat)، مما جعل امتلاك سيارة غربيةحُلماً مكلفاً يتجاوز إمكانيات الطبقة الوسطى“.

في المقابل، استطاعت الماركات الآسيوية الجديدة، والقادمة أساساً من تنين الشرقالصيني مثل جيلي” (Geely) وشيري” (Chery) وإم جي” (MG)، أن تكسر حاجز الخوف لدى التونسيين. وبذلك لم تعد السيارة الصينية تُصنف كخيار من الدرجة الثانية، بل فرضت نفسها كبديل واقعي يقدم رفاهية قصوى بسعر تنافسي. وتكشف أرقام المبيعات المسجلة حتى منتصف عام 2026 عن تصدر العلامات الكورية الجنوبية مثل كيا” (Kia) وهيونداي” (Hyundai) لمنصات التتويج، مستفيدة من نجاحات موديلات السيارة الشعبيةالتي تظل الملاذ الأخير للمواطن، بينما قفزت حصة الماركات الصينية لتستحوذ على ما يقارب ربع السوق الرسمية، في سابقة تاريخية تهدد قلاع المصنعين الأوروبيين وبلغة الأرقام بلغت مبيعات الثنائي الكوري والصيني خلال 2025: 13.259 سيارة أي حوالي 20 في المائة من السوق التونسية في حين تراجعت المبيعات الأوروبية وخصوصا منها الفرنسية مسجلة انهيار صورة التفوق الأوروبي.

هذا الصراع لم يتوقف عند حدود المحركات الكلاسيكية، بل انتقل إلى جبهة المستقبل الأخضرحيث بدأت السيارات الكهربائية والهجينة تظهر بصورة خجولة في الطرقات التونسية. وهنا أيضاً، تبدو العلامات الآسيوية، وخاصة الصينية منها مثل (BYD)، أكثر مرونة وقدرة على توفير خيارات كهربائية بأسعار معقولة، مقارنة بنظيراتها الغربية الفاخرة مثل مرسيدس” (Mercedes) أو أودي” (Audi) التي تظل موجهة لفئة النخبة“.

ومع ذلك، لا تزال الماركات الغربية القديمة تراهن على الولاءوقوة سوق السيارات المستعملة ؛ إذ لا يزال التونسي يؤمن أن السيارة الأوروبية أو اليابانية العريقة مثل تويوتا” (Toyota) هي رأس ماللا يفقد قيمته بسهولة عند إعادة البيع. لكن هذا المنطق بدأ يتآكل تدريجياً أمام الضمانات الطويلة الأمد التي يقدمها الوافدون الآسيويون الجدد، والتي تصل أحياناً إلى سبع سنوات، مما منح المشتري طمأنينة كانت مفقودة سابقاً.

إن سوق السيارات في تونس اليوم هو انعكاس لمعادلة اقتصادية معقدة: مواطن يبحث عن التكنولوجيا بأقل الأثمان، ودولة تحاول عبثا مواكبة التحول الطاقي، وماركات غربية قديمة تجد نفسها مجبرة على إعادة ابتكار استراتيجياتها لتجنب الخروج من السباق أمام الطوفان الآسيوي. وفي انتظار ما ستسفر عنه جولات الصراع القادمة، يبقى المستهلك هو الحكم الوحيد في صراع البقاءهذا، حيث لم يعد الاسم العريق وحده كافياً لإقناع التونسي بفتح محفظته

خاتمة

في الوجه الآخر للميدالية، تكشف سوق السيارات في تونس بشكل صارخ عن أزمة المنوال الاقتصادي التابع وعجز السلطة الشعبوية عن تقديم حلول فعلية للطبقات الشعبية، ذلك أنه بعد سنوات من الوعود الوهمية بـ“السيارة الشعبية” ثم “السيارة العائلية” التي قيل إنها ستُنهي معاناة التونسيين مع الأسعار الملتهبة، لم يتحقق شيء يُذكر على أرض الواقع، وبقي المشروع مجرد شعار استهلاكي إعلامي سرعان ما تبخر أمام منطق السوق والاحتكار والارتباط بالمصالح المالية والجبائية. فالسيارة في تونس لم تعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت حلمًا بعيد المنال لشرائح واسعة من العمال والموظفين والشباب. وقد تجاوزت أسعار السيارات الجديدة خلال السنوات الأخيرة قدرة الطبقة الوسطى نفسها، في ظل انهيار المقدرة الشرائية، وارتفاع الأداءات الديوانية، وتراجع قيمة الدينار، وهيمنة لوبيات التوريد والوكالات الكبرى على السوق.

وفي المقابل، تواصل السلطة الترويج لخطابات فضفاضة هلامية حول “السيادة الوطنية” و“الدولة الاجتماعية”، بينما بقيت البلاد عاجزة حتى عن بناء نواة صناعة سيارات حقيقية أو فرض شروط وطنية سيادية على الشركات الأجنبية. بل إن تونس تحولت أكثر فأكثر إلى مجرد سوق استهلاكية مفتوحة أمام الاحتكارات العالمية، تستنزف العملة الصعبة وتُعمّق التبعية الصناعية والتكنولوجية.

إن فشل مشروع “السيارة العائلية” مرتبط مباشرة بطبيعة الخيارات الاقتصادية نفسها: اقتصاد ريعي تابع، يقدّس الاستيراد، ويُهمّش التصنيع الوطني، ويُخضع حاجات الناس لمنطق الربح والمضاربة. ومن هنا، فإن معركة الحق في النقل الكريم والتنمية الصناعية ليست قضية استهلاكية بسيطة، بل جزء من معركة أوسع ضد التبعية والاحتكار، ومن أجل اقتصاد وطني منتج يضع حاجات الأغلبية الشعبية فوق مصالح السماسرة واللوبيات المالية الجشعة.

إلى الأعلى
×