بقلم كوثر الباجي
في 23 جوان 2026، استقبلت بروكسل وفداً رسمياً من حركة طالبان لأول مرة منذ عودتها إلى السلطة في أوت 2021. كان هذا اللقاء، الذي عقد تحت مظلة المفوضية الأوروبية، ليس مجرد اجتماع تقني عابر كما لوَح له الطرف الأوروبي بل إعلاناً صريحاُ عن حقيقة الامبريالية الأوروبية العارية: أن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” و”الحرية” ليست سوى أقنعة ترتديها الطبقة الحاكمة لتبرير مصالحها، وأن هذه الأقنعة يمكن خلعها في أي لحظة عندما تتعارض مع تلك المصالح.
في ذلك اليوم، استقبلت المفوضية الأوروبية، برئاسة مشتركة مع السويد، وفداً من خمسة مسؤولين من حركة طالبان بقيادة المتحدث باسم خارجيتها عبد القهار بلخي، وشارك في الاجتماع ممثلون عن 15 دولة من أصل 27 دولة عضو. وهو أول لقاء من نوعه منذ أن تقلدت الحركة الحكم قبل خمس سنوات، وأول مرة يطأ فيها وفد رسمي من كابل تحت حكم طالبان أرض بروكسل.
وبالتالي، أصبح واضحاُ اليوم أن الاتحاد الأوروبي، الذي كان يصف نفسه بـ”قوة أخلاقية”، قد إستغنى عنها ليستبدلها بمنطق المصلحة . إلا أن هذا الانقلاب ليس سوى كشف للحقيقة المخفية : أن الامبريالية لم تكن يوماُ “قوة أخلاقية”، بل كانت دائماُ آلة لحماية مصالح رأس المال. في الواقع، ما حدث في بروكسل ليس بداية النفاق، بل نهاية إخفائه.
أولا : البرجوازية الأوروبية بين القيم والمصالح
فمنذ احتلال أفغانستان عام 2001، رفعت الإمبريالية الأوروبية-الأمريكية شعار “حقوق الإنسان” و”تحرير المرأة” كغطاء أيديولوجي لحربها العدوانية، التي كانت في جوهرها صراعاً على طرق الطاقة والهيمنة الجيوسياسية.
و لاحقا عندما استعادت طالبان كابول في أوت 2021، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه لن يعترف بحكومة طالبان ما لم تلتزم بمعايير دولية تتضمن احترام حقوق الإنسان، وتشكيل حكومة شاملة، ومنع استخدام الأراضي الأفغانية كملاذ آمن للإرهابيين حسب تعبيره.
أما اليوم، فمع فشل المشروع الاستعماري عسكرياً، وسقوط النظام العميل في افغانستان، واشتداد أزمة فائض التراكم في أوروبا، سرعان ما يُرمى هذا الغطاء الأيديولوجي جانباً.
لكن ما الذي تغير في هاته الفترة ؟ هل أصبحت طالبان فجأة ديمقراطية ؟ هل أصبحت تحترم حقوق المرأة ؟
في تقديري، لم يتغير شيء في طالبان وإنما الذي تغيّر هو الاتحاد الأوروبي.
فبينما تستمر طالبان في قمع المرأة الأفغانية وحرمان الفتيات من التعليم، وفي تعذيب المعارضين ، لماذا يتفاوض الاتحاد الأوروبي معها ؟
ذلك ،لأن “القيم “التي يتغنى بها البرجوازيون الأوروبيون كانت دائماُ مجرد أدوات للسيطرة ونهب ثروات الشعوب واستعباد قواها العاملة، وليست مبادئ حقيقية. وبناءً عليه، عندما تصبح هذه الأدوات عائقاُ أمام المصالح، يتم التخلص منها دون تردد.
أرى أن هذا التحول التدريجي من العقوبات إلى التطبيع يكشف حقيقة: أن الامبريالية لا تعرف سوى لغة واحدة، وهي لغة المصالح. وعليه، فإن المصلحة هنا واضحة كالشمس : تقليص أعداد اللاجئين الأفغان في أوروبا. بعبارة أخرى، الاتحاد الأوروبي لم يتغير، بل كشف عن وجهه الحقيقي.
لنفهم الدوافع الحقيقية وراء هذا اللقاء، علينا أن ننظر إلى الأرقام التي تتحدث بلسان المصالح الطبقية. وفقاُ لإحصائيات يوروستات Eurostat الرسمية، شكل الأفغان أكبر مجموعة من طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بتسجيلهم 78,935 طلباُ، بزيادة قدرها 28.9% مقارنة بعام 2024 من إجمالي طلبات اللجوء.
لكن الأرقام الأكثر إثارة هي معدلات الرفض والعودة. فمثلاُ، معدل العودة الفعلية للاجئين الأفغان المرفوضين لا يتجاوز 4% فقط. هذا يعني أن 96% من الأفغان المرفوضين يبقون في أوروبا بشكل غير شرعي ، يعيشون في ظلال القانون ويعملون في سوق العمل الأسود. وبالمثل، في عام 2024، أصدرت دول الاتحاد الأوروبي 452,560 أمر طرد، لكن تم تنفيذ فقط 110,240 عودة فعلية، بمعدل 24.4% .
هذه الأرقام، من جهة، تُفسر الضغط السياسي على الحكومات الأوروبية. ومن جهة أخرى، تُفسر شيئاُ أعمق: أن النظام الهجري الأوروبي، الذي يُقدَّم كـ”نظام إنساني”، هو في الواقع نظام طبقي وظيفته الأساسية “إدارة” تدفق العمالة الرخيصة، لا حماية الضحايا. وهكذا، يُدفع اللاجئ الأفغاني الفاقد لرأس المال وسلطة التفاوض، والعامل الأوروبي المفقَر، كلاهما إلى كراهية الآخر، في تكرار للأسلوب الإمبريالي القائم على “فرّق تسد”.
إن معدل الترحيل الفعلي البالغ 2% (340 شخصاً فقط من أصل 14,270) كان تعبيراً عن حالة التناقض داخل الدولة البرجوازية؛ فهي بحاجة إلى تهدئة الشوفينية الأوروبية من جهة، ولكنها تدرك أن الترحيل الجماعي إلى دولة منهارة قد يثير موجة احتجاجات إنسانية تكشف جوهرها الوحشي. لذلك، كان لا بد من التحالف مع السلطة الفعلية في كابول، أي مع القوى الرجعية ، لخلق آلية استقبال قسرية للبشر الذين تحولوا إلى “سلعة معيبة” في سوق العمل الأوروبي.
هذا التحول التدريجي من العقوبات إلى التطبيع ليس تطوراً، بل كشف للحقيقة: أن الامبريالية لا تعرف سوى لغة واحدة، وهي لغة المصالح. والمصلحة هنا واضحة كالشمس : تقليص أعداد اللاجئين الأفغان في أوروبا.
ثانيا : النفاق الأوروبي – بين الشعارات والواقع
إذا نظرنا إلى التناقض بين الشعارات والواقع، نجد أن الاتحاد الأوروبي يقول “لا اعتراف رسمي بطالبان”، بينما يستقبل وفداُ رسمياُ في بروكسل. يقول “نلتزم بحقوق الإنسان”، لكنه يتفاوض على ترحيل اللاجئين إلى نظام قمعي. يقول “ندعم المرأة الأفغانية”، في حين أنه يتعامل مع نظام يحرم النساء من التعليم والعمل. يتغنى بـ”القيم الأوروبية”، ورغم ذلك يمنح “تأشيرات ليوم واحد” لإعطاء شرعية لنظام فاشي ديني.
إن البرجوازية تستخدم الأخلاق كأداة للسيطرة، وتتخلص منها عندما تصبح عائقاُ أمام مصالحها. أي أن الأخلاق البرجوازية ليست مبادئ مطلقة،إنها تخدم المصالح الطبقية.
على سبيل المثال، حاولت بلجيكا تجميل الصورة بمنح أعضاء الوفد تأشيرات ليوم واحد فقط، صالحة لبلجيكا فقط. لكن هذه “القيود” تبدو وكأنها مسرحية هزلية: التأشيرة نفسها تعد اعترافا بشرعية الوفد، والسماح بدخول أراضي الاتحاد هو تطبيع فعلي، والاجتماع مع مسؤولي المفوضية هو شرعنة دبلوماسية بكل المقاييس. باختصار، لا يمكنك أن تستقبل وفداُ رسمياُ في عاصمتك وتدعي أنك لا تعترف به.
في هذا السياق، قال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، الذي عبَّر عن رفضه الشخصي لكنه وافق بتصريحه : “بلجيكا تستضيف مؤسسات الاتحاد الأوروبي،”. هذه العبارة تكشف عن العجز السيادي للدول الأعضاء أمام آلة الامبريالية الأوروبية.
ثالثا : مصير اللاجئين الأفغان
فبينما يتفاوض الاتحاد الأوروبي مع طالبان، يواجه ملايين الأفغان واقعاُ مأساوياُ. فوفقاُ للأمم المتحدة، يواجه ملايين الأفغان انعدام الأمن الغذائي. علاوة على ذلك، عاد نحو 2 مليون أفغاني من إيران وباكستان في عام 2025، مما زاد الضغط على البنية التحتية المنهكة أصلا. والأكثر إثارة للقلق أن المفوضية الأممية تتوقع ارتفاع عدد المحتاجين للمساعدة من 4.53 مليون إلى 5.72 مليون بحلول عام 2026. في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه:
أهذا هو البلد الذي يريد الاتحاد الأوروبي أن يُعيد إليه اللاجئين؟
في هذا الإطار، انتقدت “هيومن رايتس ووتش”human rights watch و”منظمة العفو الدولي” اللقاء بشدة. فقد صرحت هيومن رايتس ووتش بقولها : “أي تواصل مع طالبان يجب أن يركز على المحاسبة وحقوق الإنسان، بدلاً من تيسير الترحيل إلى بلد يزداد خطورة يوماُ بعد يوم.” لكن هذا الصوت، رغم قيمته الأخلاقية، يبدو ضعيفاُ أمام آلة المصالح الطبقية. فالأخلاق، حين تفتقر إلى القوة المادية، تتحول إلى مجرد شعارات، والإمبريالية لا تُقهر بالخطابات والشعارات، بل بالنضال الملموس والمواجهة العملية.
فكيف يتفاوض الاتحاد الأوروبي مع نظام لا يعترف به أحد تقريباُ، ويمنحه شرعية، مقابل تقليص بضعة آلاف من طلبات اللجوء؟
رابعا : البديل الثوري الذي تخشاه البرجوازية
السياسات البرجوازية تفشل لأنها تعالج الأعراض لا الأسباب. فهي تعالج “الهجرة” بدلاً من معالجة أسبابها: الحروب الإمبريالية، والفقر، والقمع. وتتعامل مع “اللاجئين” بوصفهم “مشكلة”، لا بوصفهم ضحايا للإمبريالية.
وهنا يبرز البديل الثوري الذي تخشاه البرجوازية ويتطلب:
أولاُ، وقف التدخلات العسكرية الامبريالية التي دمرت أفغانستان. ثانياُ، إلغاء ديون أفغانستان التي تُقيّد اقتصادها. ثالثاُ، دعم الحركات النسوية والنقابات العمالية داخل أفغانستان. رابعاُ، سياسة لجوء حقيقية تمنح حق اللجوء الفعلي وتوقف الترحيل القسري.
لكن البرجوازية لن تتبنى هذه البدائل، لأنها تتعارض مع مصالحها. فوقف التدخلات يعني فقدان النفوذ الجيوسياسي. وإلغاء الديون يعني خسارة أرباح رأس المال المالي. ودعم المجتمع المدني يعني تقوية الطبقة العاملة.
هنا يكمن التناقض الجوهري للرأسمالية: أنها عاجزة عن حل مشاكلها، لأن حلها يستوجب تغيير النظام نفسه. وبالتالي، فإن التغيير لا يأتي من “الإصلاح”، بل من النضال الطبقي.
لكننا، كماركسيين-لينينيين، لا نندهش. لقد عرفنا دائماً أن “القيم البرجوازية” ليست سوى أقنعة. واليوم، سقطت الأقنعة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
