بقلم ألفة بعزاوي
يشهد العالم في السّنوات الأخيرة تحوّلات متسارعة في موازين القوى الدوليّة رافقها تنامي النّزعة العسكرياتيّة الذي يمثّل السّمة الأبرز في هذه المرحلة من تطوّر الرأسماليّة العالميّة، ممّا انعكس في ارتفاع غير مسبوق للإنفاق العسكري العالمي الذي بلغ بحسب معهد ستوكهولم الدّولي لأبحاث السّلام (SIPRI) 2.9 تريليون دولار مع نهاية سنة 2025.
إنّ كل من يتابع بدقّة هذه التحوّلات لا يمكن أن يمرّ دون أن يركّز عدسته على ألمانيا على اعتبار أنّها في مقدّمة الدّول التي شهدت تحوّلا جذريّا في سياستها العسكريّة لتجد لنفسها في مجال التّسلّح مكانا بين كبريات القوى الامبرياليّة القديم والصّاعد منها على حدّ السّواء إذ احتلّت لسنتين متتاليتين (2024 و2025) بحسب معهد ستوكهولم الدّولي لأبحاث السّلام المرتبة الرّابعة ضمن أكبر الدّول إنفاقا على التّسلّح في العالم بعد الولايات المتّحدة والصّين وروسيا. كما تطوّر الإنفاق العسكري الألماني بحسب نفس المصدر من 56.5 مليار دولار سنة 2021 (المرتبة السّابعة عالميّا) إلى 113.6 مليار دولار سنة 2025 (المرتبة الرّابعة عالميّا) أي أنّ الانفاق زاد بنسبة تقارب 101% خلال أربع سنوات.
التّحوّل الجذري في السّياسة العسكريّة الألمانيّة
بعد هزيمة ألمانيا النّازيّة سنة 1945 ساد داخل ألمانيا الغربيّة ما سمّي بـ “ثقافة التّحفّظ العسكري” التي قامت على جملة من المبادئ أساسا عدم السّعي إلى القوّة العسكريّة المستقلّة والاعتماد على المظلّة الأمنيّة الغربيّة داخل النّاتو، حصر دور الجيش الألماني الغربي في الدّفاع سواء عن أراضي ألمانيا الغربيّة أو في الدّفاع الجماعي للنّاتو وعدم خوض حروب توسّعيّة أو عمليّات هجوميّة مستقلّة إضافة إلى تنصيص الدّستور على إخضاع الجيش للسّلطة السّياسيّة ومنع تحوّله إلى قوّة مستقلّة.
بعد نهاية الحرب الباردة وتوحيد ألمانيا سنة 1990، ظهرت مرحلة جديدة تمّ خلالها تقليص عدد الجنود، تخفيض الانفاق العسكري، إغلاق قواعد ومنشآت عسكريّة وتقليص مخزونات الأسلحة والذّخائر وانصبّ تركيز ألمانيا كليّا على الصّناعة والتّجارة. وقد اعتبر المحلّلون أنّ ألمانيا ظلّت طيلة هذه الفترة “قوّة مدنيّة” ولم تعد “قوّة عسكريّة” حتّى مع مشاركتها في وقت لاحق في بعض العمليّات الخارجيّة مثل حرب كوسوفو 1999 وفي أفغانستان 2001 التي وصفها الخطاب الرّسمي آنذاك بالمساهمة في “حفظ السّلام” و”مكافحة الإرهاب”. وقد ظلّت على العموم تعتمد ما سمّي بـ “سياسة التّغيير عبر التّجارة” من خلال تعميق العلاقات الاقتصاديّة مع الدّول الأخرى خاصة روسيا والصّين.
الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة شكّلت نقطة انعطاف كبرى. فبعد ثلاثة أيّام فقط من بدء الغزو الرّوسي واسع النّطاق لأوكرانيا، أعلن المستشار الألماني “أولاف شولتس” أمام البرلمان الألماني خلال جلسة بتاريخ 22 فيفري 2022 عن تغيير جذري في السّياسة الأمنيّة والدّفاعيّة الألمانيّة واعتماد سياسة جديدة تحت مسمّى “تسايتنفنده” التي تترجم إلى “التّحوّل التّاريخي”. وتتالت عقب ذلك تصريحات المسؤولين الألمان في هذا الصّدد ولعلّ أبرزها تصريحات المستشار “فريديريتش ميرتس” الذي قال بعد تولّيه منصبه في 2025 “أنّ ألمانيا ينبغي أن تمتلك أقوى جيش تقليدي في أوروبا”. ويعدّ وزير الدّفاع “بوريس بيستوريوس” صاحب أكثر التّصريحات صراحة إذ عبّر قائلا “يجب أن نصبح جاهزين للحرب”.
التّغيير لم يكن مجرّد خطابات بل سلسلة من الإجراءات الملموسة
لقد ترجمت السّلطات الألمانيّة هذا الخيار إلى إجراءات عمليّة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة تهدف إلى توسيع قدراتها العسكريّة بسرعة وبأموال طائلة. إذ أنشأت صندوقا استثنائيّا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش كما رفعت انفاقها العسكري إلى ما يزيد عن 2% من النّاتج المحلّي الإجمالي، وهو رقم من المبرمج أن يصل إلى 3.5% من النّاتج المحلّي الإجمالي بحلول سنة 2029 أي بما يقارب162 مليار يورو وهو ما يعادل ضعف الانفاق الفرنسي.
وتعتمد ألمانيا من جهة على المعدّات التي تطوّرها ذاتيّا، وفي هذا الصّدد دعا وزير الدّفاع الألماني منذ الصّائفة الفارطة شركات تصنيع الأسلحة إلى الإيفاء بوعودها وزيادة الإنتاج لمواكبة خطط الانفاق العسكري الضّخمة التي تنفّذها البلاد، كما بدأت الشركات الألمانية تهتمّ بشكل خاص بتطوير الطّائرات دون طيّار المخصّص منها للمراقبة أو كذلك القادرة على حمل رؤوس حربيّة وعلى الهجوم عند تحديد هدف ما، وكذلك بتطوير أسلحة ليزريّة للدّفاع ضدّ الطّائرات بدون طيّار. ومن جهة ثانية، تعتمد على معدّات تشتريها من الخارج لسدّ فجوة القدرات العسكريّة بسرعة. وفي هذا الإطار أقرّ البرلمان الألماني في جانفي 2026 قانونا جديدا يهدف إلى تسريع عمليّة شراء المعدّات العسكريّة من خلال التّخلّي عن بعض القواعد المعمول بها سابقا في هذا المجال. كما تعهّد وزير الدّفاع “بأنّ الجيش الألماني سيتلقّى فقط منتجات على أحدث طراز”. وقد شرعت ألمانيا فعلا في اقتناء معدّات مثل طائرة الشّبح إف-35، صاروخ توماهوك بعيد المدى، نظام الدّفاع الصّاروخي باتريوت كما تمّ اقتناء نظام الدّفاع الصّاروخي بعيد المدى arrow3 لإيقاف الصّواريخ البالستيّة.
بالإضافة إلى ذلك عزّزت ألمانيا انتاج الذّخائر عبر إبرام عقود ضخمة مع شركات كبرى وزادت في انتشار قواتها في أوروبا الشّرقيّة وقد أعادت فتح النّقاش حول توسيع الخدمة العسكريّة وحول قوات الاحتياط وبدأ الحديث عن إعادة النّظر في مسألة التّجنيد الاجباري بعد أن تمّ تعليق العمل به منذ سنة 2011، ويعود ذلك إلى أنّ هذه السّياسة العسكريّة الجديدة تهدف إلى زيادة عدد القوات بنسبة 40% مع حلول سنة 2035.
ولا ننسى المليارات التي تمّ رصدها في ميزانيّة 2026 لفائدة مشاريع تحسين البنية التّحتيّة استعدادا للحرب ومن ذلك مشروع توسعة ميناء “بريمرهافن” لتمكين نقل المعدّات العسكريّة الثّقيلة كما تمّ من جهة أخرى اتّخاذ خطوات لتسهيل توسيع التّعاون مع القطاع الخاصّ فيما يتعلّق بخدمات النّقل والتّخزين لفائدة الجيش الألماني. كما تمّ التّركيز على مشاريع تهمّ تسريع بناء محطّات استقبال الغاز الطّبيعي المسال ومشاريع تهدف إلى تنويع مصادر الطّاقة بهدف إنهاء اعتماد ألمانيا الكبير على الغاز الرّوسي.
التّسلّح الألماني لا يمكن فصله عن طبيعة النّظام الرّأسمالي في مرحلته الاحتكاريّة
تقدّم الحكومة الألمانيّة هذه الإجراءات باعتبارها استجابة طبيعيّة لتدهور البيئة الأمنيّة في أوروبا ووسيلة لتعزيز الرّدع ومنع الحروب وحماية الحلفاء مؤكّدة أن الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة كشفت هشاشة التّصوّرات التي سادت بعد نهاية الحرب العالميّة الثّانية. ويرى الكثير من المحلّلين أنّ هذا مرتبط أيضا بتراجع الثّقة الأوروبيّة في المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة خاصّة بعد أن أشار “دونالد ترامب” في أكثر من مرّة إلى أنّ “الولايات المتّحدة لن تدافع على الدّول التي لا تنفق بما يكفي على الدّفاع” وهو ما اعتبرته دول أوروبيّة تشكيكا في مبدأ الدّفاع الجماعي المنصوص عليه في المادّة الخامسة من معاهدة النّاتو ممّا جعل الحديث يزداد داخل الاتّحاد الأوروبي عن مفهوم الاستقلاليّة الاستراتيجيّة العسكريّة معتبرة إيّاه خيارا لا مفرّ منه بمعنى تقليل الاعتماد على القدرات الأمريكية مع الإبقاء على الناتو كحجر أساس للدفاع الأوروبي.
وإن كانت هذه الاعتبارات الأمنية التي تطرحها برلين رهانات حقيقيّة، فإنّ هذه الاعتبارات تتداخل في الحقيقة مع دوافع اقتصاديّة وجيوسياسيّة أوسع. فالسّياسة العسكريّة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تفهم بمعزل عن منطق التّنافس بين القوى الكبرى على إعادة تشكيل موازين القوى في النّظام الدّولي. إنّ التّسلّح لا يمكن فصله عن طبيعة النّظام الرّأسمالي في مرحلته الاحتكاريّة، حيث تتنافس الدّول الكبرى على الأسواق والموارد ومجالات النّفوذ… ومن هذه الزّاوية، لا يعدّ التّحوّل العسكري الألماني مجرّد استجابة لتهديدات أمنيّة أو استتباعا بسيطا لتغير التّعاطي الأمريكي مع الحلفاء الأوروبيّين، بل يعكس أيضا رغبة أكبر اقتصاد أوروبّي في امتلاك قوّة عسكريّة تتناسب مع ثقله الاقتصادي وتدعم ثقله السّياسي، وفي حماية مصالحه الاستراتيجيّة داخل أوروبّا وخارجها.
إنّ السّياسة العسكريّة الجديدة التي اعتمدتها ألمانيا ليست حدثا معزولا بل هي جزء من تحوّل أوسع يشهده العالم، فبعد عقود غلب فيها منطق العولمة الاقتصاديّة والتّبادل التّجاري، تتزايد مؤشّرات عودة المنافسة الجيوسياسيّة بين القوى الكبرى ويترافق ذلك مع ارتفاع الانفاق العسكري وتحديث التّرسانات وتعزيز التّحالفات العسكريّة… وهو ما يعكس احتدام التّناقضات والصّراع بين المراكز الرّأسماليّة الكبرى والذي بدأ يكتسب أبعادا عسكريّة متزايدة، ولا أدلّ على ذلك من اتّساع الصّراعات الدّوليّة وتحوّلها إلى مواجهات مباشرة أو بالوكالة في مناطق مختلفة من العالم.
إنّ وضع حدّ لهذا المنحى الهمجيّ الذي آلت إلية الأوضاع الدوليّة والذي يعرّي الوجه الحقيقي للنّظام الرّأسماليّ في مرحلته الامبرياليّة وتجاوز خطر الحروب على البشر وعلى الطّبيعة لا يمكن أن يتحقّق بمجرّد عقد الاتّفاقات وإبرام المعاهدات ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يتمّ بالتّوازي مع سباقات التّسلّح وتوازن الرّعب الذي تصبو إليه كبريات الدّول بتطوير قدراتها العسكريّة، بل إنّه يقتضي معالجة الجذور البنيويّة للصّراع والمتمثّلة في منطق الاستغلال والاحتكار والتّوسّع. إنّ بناء مجتمع اشتراكي قائم على التّكامل والتّعاون بين الشّعوب وعلى الملكيّة الجماعيّة لوسائل الإنتاج بما يضع حدّا للتّنافس على اقتسام الثّروات والأسواق يمثّل السّبيل التّاريخيّ الوحيد لتجاوز الحروب الامبرياليّة وإرساء سلام عالمي مستقرّ ودائم.
صوت الشعب صوت الحقيقة
