بقلم ياسين هنيد
صنف اليونسكو قابس كمدينة ذات قيمة عالمية استثنائية، باعتبارها الواحة البحرية الوحيدة في العالم. وهذا ما يحن إليه الناشطون البيئيون والأهالي المخضرمين في المنطقة. فخلف هذا الجمال والتنوع البيئي المذهل، باتت قابس منذ سبعينيات القرن الماضي في مواجهة تلوث خطر يفتك بالصحة ويهدد التوازن البيئي. ولفهم الوضع البيئي في قابس لا يمكننا وصفه كمجرد “مشكلة تلوث” او خلل تقني بل يجب تحليله ضمن علاقات الإنتاج الرأسمالي التي تعيد تشكيل الطبيعة والمجتمع وفق منطق التراكم. فاليوم تمثل قابس مثالا حيا لما يسمى بالاستغلال المزدوج اي استغلال العمل الإنساني واستنزاف الطبيعة في آن واحد في سياق اقتصاد ريعي استخراجي موجه للتصدير.
قابس والاندماج التابع في الاقتصاد الرأسمالي
منذ إنشاء المجمع الكيميائي سنة 1972تم إدماج قابس في نظام اقتصادي عالمي غير متكافئ يضعها في موقع إنتاج المواد الأولية ومعالجة النفايات مقابل تمركز الأرباح في مراكز النظام العالمي وتحويل قابس إلى حلقة وظيفية داخل منظومة إنتاج موجهة نحو التصدير، حيث يُستخرج الفوسفات من الحوض المنجمي ويُحوَّل محليًا ثم يُرسل إلى الخارج، في حين تبقى الأضرار البيئية والصحية متجذرة في المجال المحلي و هذا الشكل يعكس تقسيما دوليا للعمل يجعل الجنوب منتجا للمواد الخام و الملوثات مقابل تمركز القيمة في الشمال العالمي. وبذلك لا تكون قابس مجرد ضحية عرضية، بل موقعًا هيكليًا داخل منظومة تبعية.
الإبادة الصامتة
يواصل المجمع الكيميائي تصريف نفاياته الصناعية في البحر دون إخضاعها للمعالجة، بمعدل يناهز 14 ألف طن يوميًا من مادة الفوسفوجيبس، كما تضاعف الإنتاج 4 مرات في مارس 2025 وهذه الكميات الهائلة ساهمت في تدهور المنظومة البحرية وإلحاق أضرار جسيمة بالثروة السمكية التي كانت ولاية قابس تُعرف بغناها لعقود طويلة.
كما ينتج المجمع سماد DAP 18-46 المرتبط بعمليات تصنيع تُثير مخاوف بيئية وصحية كبيرة ورغم توقف فرنسا عن إنتاج هذا السماد على أراضيها، فقد واصلت استيراده من تونس، متجاهلة الدعوات الداخلية التي طالبت بوقف استيراده بسبب انعكاساته السلبية على البيئة والصحة العامة.
وتنعكس هذه الأنشطة الصناعية بشكل مباشر على جودة الهواء في ولاية قابس. فوفقًا للبيانات المنشورة على منصة «أكيو ويذر» لرصد جودة الهواء بتاريخ 16 أكتوبر 2025، سُجلت مستويات مرتفعة وخطيرة من غاز ثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، وهي ملوثات قادرة على التغلغل عميقًا في الرئتين، و من هنا نتبين أثر التلوث الصناعي في قابس الذي لم يقتصر على تدهور البيئة البحرية والهوائية، بل امتد إلى صحة السكان الذين يواجهون منذ عقود ما يشبه حالة من الموت البطيء. فقد ارتبطت الانبعاثات الصناعية بانتشار أمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية وضيق التنفس، إضافة إلى تزايد المخاوف من ارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان وأمراض القلب والشرايين. كما يعاني العديد من الأهالي من أمراض جلدية وحالات اختناق متكررة نتيجة التعرض المستمر للغازات والملوثات الكيميائية، ما جعل قضية التلوث في قابس تتجاوز البعد البيئي لتصبح أزمة صحية واجتماعية تهدد جودة الحياة وحق السكان في العيش في بيئة سليمة
الحراك البيئي كوعي طبقي جديد
ضمن هذا المسار، يمكن فهم الحراك البيئي في قابس باعتباره تعبيرًا عن تشكّل وعي جماعي جديد يتجاوز الفصل التقليدي بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. فالمطالب التي يرفعها السكان اليوم لم تعد تقتصر على التشغيل أو تحسين الخدمات العمومية، بل أصبحت تتمحور حول الحق في الحياة والصحة والعيش في بيئة سليمة وآمنة. وقد ساهمت عقود من التلوث وتدهور الموارد الطبيعية في بلورة هذا الوعي، حيث أدرك الأهالي أن تآكل الثروة السمكية، وتراجع النشاط الفلاحي، وانتشار الأمراض، ليست ظواهر منعزلة، بل حلقات مترابطة ضمن نموذج تنموي جعل من الجهة فضاءً لتحمل الأعباء البيئية مقابل فوائد اقتصادية تعود بالأساس إلى فاعلين خارج المجال المحلي.
ومن هذا المنطلق، لم يعد التلوث يُنظر إليه باعتباره مشكلة تقنية أو بيئية فحسب، بل كقضية عدالة اجتماعية ومجالية. فالسكان الذين يتحملون يوميًا كلفة الانبعاثات السامة وتدهور المنظومات البيئية هم أنفسهم الذين يجنون أقل المنافع من النشاط الصناعي القائم. وهكذا يتقاطع الوعي البيئي مع الوعي الطبقي، حيث يصبح الدفاع عن البيئة دفاعًا عن الحق في الصحة والعمل والكرامة في الوقت ذاته. فالمسألة لا تتعلق فقط بحماية البحر أو الواحات أو الهواء، وإنما بمقاومة أشكال اللامساواة التي تجعل بعض الفئات والمناطق أكثر عرضة للمخاطر البيئية من غيرها.
وفي هذا السياق تبرز العدالة المناخية والبيئية كإطار تحليلي وسياسي قادر على استيعاب هذه التعقيدات، إذ تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن الأضرار البيئية لا تُوزَّع بشكل متساوٍ بين الجميع، بل تُلقى في الغالب على عاتق الفئات الأقل قدرة على التأثير في القرار الاقتصادي والسياسي. ومن ثمّ، فإن قضية قابس تتجاوز حدود الولاية أو حتى الإشكال البيئي المحلي، لتطرح أسئلة أعمق تتعلق بنموذج التنمية نفسه من يستفيد من الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية؟ ومن يدفع ثمن التلوث وتدهور الصحة العامة؟ ومن يملك حق تقرير مستقبل المجال الذي يعيش فيه؟
الحراك الاجتماعي في قابس بين السرديات والشيطنة
لم تقتصر مواجهة الدولة للحراك البيئي في قابس على الجوانب الأمنية أو الإدارية، بل اتخذت أيضًا شكلًا رمزيًا وخطابيًا يهدف إلى التشكيك في شرعية الفاعلين البيئيين وتقويض قدرتهم على كسب التعاطف المجتمعي. ففي العديد من السياقات، يُقدَّم الحراك البيئي، بما في ذلك حملة “Stop Pollution Gabès” بوصفها قوة احتجاجية تهدد الاستقرار الاقتصادي للجهة أو تعرقل مسار التنمية والاستثمار. ومن خلال هذه السردية، يجري تحويل المطالب المرتبطة بالحق في الصحة والبيئة السليمة إلى مطالب يُنظر إليها باعتبارها مبالغًا فيها أو غير واقعية، خاصة عندما تتقاطع مع مطالب تفكيك الوحدات الصناعية الملوثة ويظهر القمع هنا من خلال إنتاج خطاب يُقابل بين “التنمية” و”البيئة”، بحيث يُوضع السكان أمام خيار زائف: إما المحافظة على المصانع ومواطن الشغل، أو المطالبة ببيئة سليمة على حساب الاقتصاد المحلي. هذا التأطير يتجاهل حقيقة أن الحراك البيئي لا يرفض التنمية في حد ذاتها، بل ينتقد نموذجًا تنمويًا يقوم على تحميل السكان كلفة بيئية وصحية مرتفعة مقابل منافع اقتصادية محدودة او شبه منعدمة. وبهذا المعنى، تتحول المطالبة بالعدالة البيئية إلى فعل يُصور أحيانًا كتهديد للمصلحة العامة، بدل النظر إليه باعتباره دفاعًا مشروعًا عن حقوق أساسية.
كما سعت بعض الخطابات الرسمية وغير الرسمية إلى تشويه النشطاء البيئيين و ربطهم بأجندات سياسية و اتهامهم بخدمة مصالح خارجية أو بالسعي إلى تعطيل منشآت حيوية للاقتصاد الوطني. وتؤدي هذه الاستراتيجية إلى نزع المصداقية عن الفاعلين الاحتجاجيين من خلال التركيز على هوياتهم وانتماءاتهم المفترضة بدل مناقشة مضمون مطالبهم. وفي هذا السياق، تصبح حملة “Stop Pollution Gabès” أكثر من مجرد حركة بيئية؛ إذ تتحول إلى فاعل ينازع الدولة والمؤسسات الصناعية في حقها الحصري في تعريف المشكلة البيئية وتحديد الحلول الممكنة لها.
في المقابل، تعمل الحملة على بناء سردية مضادة ترتكز على مفاهيم مثل “الحق في الحياة”، و”العدالة البيئية”، و”الموت البطيء”، و”الاغتيال البيئي”. ومن خلال هذه المفاهيم تحاول إعادة صياغة النقاش العمومي حول قابس، بحيث لا يُنظر إلى التلوث بوصفه أثرًا جانبيًا للتنمية، بل باعتباره نتيجة مباشرة لخيارات سياسية واقتصادية غير عادلة. وهكذا يصبح الصراع بين الدولة والحراك البيئي صراعًا حول المعنى والشرعية بقدر ما هو صراع حول التلوث نفسه: من يملك حق رواية ما يحدث في قابس؟ ومن يحدد ما إذا كان ما تعيشه الجهة تنمية أم شكلًا من أشكال التضحية البيئية بالمجال وسكانه؟
لذلك يمكن اعتبار شيطنة الحراك البيئي جزءًا من آليات المحافظة على الوضع القائم، حيث يُستخدم الخطاب الرسمي والتعتيم الإعلامي لإعادة إنتاج القبول الاجتماعي بالتلوث، بينما تسعى الحركات البيئية إلى تفكيك هذا الخطاب وكشف ما يخفيه من علاقات قوة ولا مساواة. ومن هنا تكتسب حملة “Stop Pollution Gabès” أهميتها ليس فقط كحركة احتجاج ضد التلوث، بل كفضاء لإنتاج معرفة بديلة وسردية جديدة تضع صحة السكان وكرامتهم في قلب النقاش التنموي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
