بقلم عمر الهمامي
مع كل قفزة قياسية تسجلها درجات الحرارة في صيف تونس الحارق، تشتعل منصات التواصل وتتحرك وسائل الإعلام للتحذير من ضربات الشمس في الشوارع، لكن خلف الجدران الإسمنتية الصامتة للمناطق الصناعية، يدور جحيم صامت لا يراه أحد. هناك، داخل عنابر ومصانع النسيج، ومكونات السيارات، والصناعات الغذائية، يتحول آلاف العمال والعاملات إلى حطب لآلات لا تهدأ، في بيئات عمل أشبه بـ “الأفران البشرية“.
جدران الصفيح وتغييب مقومات الآدمية
إن المشهد داخل أغلب هذه الورشات يبعث على الصدمة؛ آلاف الأجساد تتكدس فوق خطوط الإنتاج تحت أسقف من الصفيح (“الزينكو“) الذي يمتص الحرارة ويضاعفها. تفتقر هذه المساحات المغلقة لأبسط أنظمة التكييف المركزي أو حتى مراوح الشفط والتهوية المناسبة. تضاف إلى حرارة الطقس الخارجية، السخونة المنبعثة من المحركات والآلات والمكابس، مما يرفع مؤشر الإجهاد الحراري إلى مستويات تصيب الجسد البشري بالإنهاك التام، والدوار، والتشنجات العضلية الحادة. المفارقة الصارخة تكمن في الجشع البنيوي؛ حيث يطالب أصحاب المصانع العمال بالالتزام بنفس “الـتارجيت” ووتيرة الإنتاج المرتفعة، دون أدنى مراعاة لحالة الإنهاك الجسدي، بل إن بعض المعامل تمنع العمال من مغادرة خطوطهم لشرب الماء إلا في أوقات استراحة محدودة ومتباعدة، وكأن شربة الماء البارد أصبحت رفاهية أو منّة يمنحها المشغّل لمن يشاء.
عجز تشريعي وتواطؤ الرقابة المهنية
أمام هذا الوضع الإنساني الكارثي، يبرز السؤال الحارق: أين هي مجلة الشغل؟ وأين هي السلطة بمختلف أجهزتها التنفيذية من حماية أبنائها؟ الحقيقة المرة هي أن الترسانة القانونية التونسية تعاني من عجز تشريعي فادح؛ فلا يوجد نص قانوني صريح ونافذ يلزم أصحاب العمل بإيقاف الإنتاج أو تقليص الساعات عند بلوغ الحرارة مستويات قياسية داخل الورشات. كل ما تملكه المنظومة هو مجرد “توصيات” و“أدلة توجيهية” فضفاضة من المعهد الوطني للشغل، لا تسمن ولا تغني من جوع أمام جشع رأس المال. أما تفقديات الشغل، فتبدو في غيبوبة شبه تامة، مكبلة بنقص الإمكانيات والكوادر، أو متغافلة عن قصد بداعي “الحفاظ على ديمومة المؤسسة والاقتصاد الوطني“. هذا التراخي الرقابي حوّل المناطق الصناعية إلى جزر معزولة، تطبق قوانينها الخاصة بعيداً عن سيادة الدولة وحقوق الإنسان.
عاملات النسيج في محرقة “الشهيلي“
ولا يستقيم هذا التحليل دون التوقف عند التداعيات الطبقية والاجتماعية لهذه الأزمة؛ إذ تتصدر العاملات قائمة الفئات الأكثر تضرراً وتأثراً، باعتبارهن يمثلن الشريحة الأضعف في المعادلة الاقتصادية والأكثر عرضة للضغوط المهنية. وتجبر تلك النسوة على تحمل بيئة عمل قاسية تحت وطأة الموجات الحارة بدافع الحفاظ على مصدر دخلهن الوحيد، وتفادياً لخطر التسريح المفاجئ، لا سيما في ظل هشاشة العقود والضمانات الوظيفية السائدة في هذا القطاع.
لغة الأرقام المفزعة: الأجساد المنهكة تدفع الفاتورة
إن الحديث عن معاناة العمال تحت وطأة الحرارة المرتفعة ليس مجرد مبالغة عاطفية، بل هو واقع مرير تترجمه لغة الأرقام الرسمية الصادمة. فوفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، سجل قطاع صناعة الملابس وحده قفزة تصاعدية مقلقة في حوادث الشغل لتصل إلى 2829 حادثاً سنوياً. ويمثل هذا الرقم المرعب وحده أكثر من 10.8% من إجمالي حوادث الشغل على المستوى الوطني.
يضاف إلى ذلك الارتفاع الصارخ في الأمراض المهنية المصرح بها داخل نفس القطاع بنسبة 25.1%، ليتجاوز مؤشر الخطورة وتواتر الحوادث كل المعدلات العامة للبلاد. وعالمياً ومحلياً، تؤكد تقارير منظمة العمل الدولية أن الإجهاد الحراري لا يتسبب فقط في ضربات الشمس المباشرة، بل يؤدي لانخفاض إنتاجية العامل بنسبة 2% إلى 3% مع كل درجة حرارة ترتفع فوق معدل 20 درجة مئوية. هذا التراجع في التركيز والإنهاك البدني هو المسؤول المباشر عن فقدان التوازن وزيادة الأخطاء البشرية، مما يرفع خطر حوادث العمل القاتلة والإصابات الجسدية الحرجة بنسبة تصل إلى 23% في أوقات ذروة القيظ والشهيلي. إنها باختصار إحصائيات مغمسة بعرق الكادحين الذين يواجهون الآلات بتركيز غائب وأجساد مستنزفة.
خاتمة: الكرامة والآدمية خط أحمر
إن الاقتصاد الذي يبنى على عرق، ودماء، وإغماءات العمال في العنابر المظلمة هو اقتصاد مشوه ولا قيمة له. على السلطة الحاكمة والجهات التنفيذية، والمنظمات الحقوقية، والاتحاد العام التونسي للشغل، التحرك فوراً عبر تفعيل المراسيم الصارمة التي تلزم الشركات بـ “حق التوقف عن العمل عند الخطر الحراري“، وإجبار المستثمرين على توفير بيئة مبردة وآمنة. إن عمال تونس ليسوا مجرد تروس في آلاتكم، بل هم بناة هذا الوطن، وكرامتهم وصحتهم يجب أن تكون خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة اقتصادية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
