الرئيسية / عربي / ليبيا: نفط يضيء الخارج .. و البلد في الظلام !
ليبيا: نفط يضيء الخارج .. و البلد في الظلام !

ليبيا: نفط يضيء الخارج .. و البلد في الظلام !

بقلم وليد المرداسي

ليبيا جنة فوق الأرض ، تسبح  فوق بحار  من الثروات النفطية والغازية الكفيلة بإنارة قارات بأكملها، لكنها اليوم  غارقة في ظلام دامس فرضته سنوات الانقسام، وعمقته الأطماع الإمبريالية والقوى الخارجية التي تحيل ثروات البلاد إلى وقود لصراعات نفوذها الدولي. هذا التناقض الصارخ تجسد  مؤخراً في الشوارع التي تفجرت بموجات الغضب الشعبي العارم والاحتجاجات تنديداً بالانقطاع المزمن للكهرباء؛ ليتحول الشارع الليبي إلى صفيح ساخن يربط بين انطفاء الإنارة وانسداد الأفق السياسي وتغول التدخلات  الأجنبية، كاشفاً عن تحول هبات الأرض إلى نقمة تقوض السيادة الوطنية، وتضع الجماهير المحتجة أمام حتمية انتزاع الحق في العيش الكريم .

فلم تكن قفزة درجات الحرارة القياسية في صيف طرابلس الحالي سوى القشرة الخارجية التي خبأت خلفها انفجار أزمة الكهرباء، حيث أن انقطاع التيار الكهربائي لفترات تمتدّ بين 14 و20 ساعة يومياً في بلد يتربع على أضخم احتياطيات نفطية في القارة الأفريقية، ليس مجرد خلل فني تسببت فيه حرارة الطقس بل إنه التعبير  الفج عن واقع  نظام اقتصادي مشوه وتابع للخارج، حيث يُفرض على الشعب الليبي  العيش في عتمة كاملة، لكي تستمر الشركات الاحتكارية الغربية والنخب الحاكمة في جني الأرباح وامتصاص خيرات الأرض،  فالانتفاضة الشعبية العارمة التي تشعل حالياً شوارع العاصمة طرابلس ومدن الغرب الليبي (من تاجوراء وجنزور وصولاً إلى الزاوية وغريان)، والتي ولدت من رحم حراكات عفوية مثل “حراك سوق الجمعة”، قد تجاوزت سريعاً سقف المطالب الخدمية البسيطة. إن إقدام الحشود على إغلاق مقار وزارات الخارجية والنفط، ومحاصرة مصرف ليبيا المركزي، واقتحام منشآت الطاقة الحيوية، يمثّل نضجاً في الوعي الشعبي. لقد أدرك الناس بوضوح الرابط المباشر بين بؤس معيشتهم اليومية وطبيعة السلطة السياسية الفاسدة؛ فالشارع لا يتظاهر اليوم طلباً لما يسمى بـ”عدالة ساعات طرح الأحمال”، بل يمارس فعلاً ثوريا  يطالب برحيل و إسقاط النخبة الحاكمة برمتها 

  • بلد يضيء العالم بنفطه و يعيش شعبه في الظلام 

حين نعمق في  واقع الأزمة  حسب الأرقام من جهات حكومية والبيانات الرسمية، يسقط قناع الدعاية  الحكومية التي تبرر الكارثة بـ”الظروف القهرية”. ففي الوقت الذي تعترف فيه الجهات الفنية بأن الانهيار الكامل للشبكة جاء ” إثر خروج 10 وحدات توليد رئيسية عن الخدمة دفعة واحدة نتيجة عطل في خط النقل الإستراتيجي (جهد 400 كيلوفولت) “، علينا قبل كل شيء أن نتسائل فعلا : أين ذهبت المليارات؟ ، حيث أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة  تدعي إنفاق ميزانيات ضخمة تحت بند “إعادة تأهيل قطاع الطاقة” على مدار السنوات الثلاث الماضية، لكن الحقيقة على الأرض تثبت أن هذه الأموال لم تكن سوى كعكة جرى تقاسمها عبر عقود مشبوهة لشراء ولاء الميليشيات المسلحة التي تحمي كراسي الحكم.

المفارقة  هنا تبدو صارخة و موجعة في حق الشعب الليبي : ليبيا تضخ حالياً ما يقارب ”  1.5 مليون برميل من النفط الخام يومياً “، وهو معدل الإنتاج الأعلى للبلاد منذ عام 2013. لكن هذا التدفق المالي الضخم لا يرى منه الشعب شيئاً في شكل خدمات أو بنية تحتية؛ بل يجري احتجازه وتدويره لخدمة المنظومة المالية العالمية وشبكات الفساد المحلية. وبسبب هذا التبعية، يعاني المواطن من أزمة سيولة خانقة وتضخم حاد، ويضطر للوقوف في طوابير وقود  لتشغيل مولدات منزلية تبيعها الشركات أخرى  الاحتكارية بأسعار فاحشة.

وتصل المعاناة اليومية ذروتها مع شلل بقية القطاعات؛ حيث أغلقت مصانع حيوية مثل “مصنع مياه دجلة” في منطقة وادي الربيع خطوط إنتاجها تماماً بسبب نقص الوقود وتذبذب الطاقة. وفي شهادة ميدانية ، فيديو تم تداوله كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي تلخص هذا الواقع المأزوم، حيث  يقول صاحبه أنس الديب، وهو جزار محلي في طرابلس: “الكهرباء مقطوعة طوال اليوم وسط رطوبة وحرارة خانقة، واضطررت للاعتماد الكامل على المولدات الخاصة لحماية بضاعتي من التلف ومنع خراب بيتي، في وقت تضاعفت فيه أسعار مياه الشرب وفقدت من الأسواق”. فعلا  إنه  جنون  الامبريالية و توحشها  في أبشع  صورها: بلد يعوم فوق بحار من النفط، وتتجاوز فيه كلفة لتر ماء الشرب سعر لتر البنزين!

  • مجمع  مليتة  : جنة تحت جنح الظلام  

إن نجاح المحتجين في فرض سيطرتهم الميدانية على مجمع مليتة الصناعي للنفط والغاز (115 كيلومتراً غرب العاصمة)، وتسببهم في إغلاق حقل “الفيل” النفطي بالكامل وتجميد ضخ حقل “الوفاء” جزئياً، يمثل المحطة الأقوى والأكثر جرأة في هذا الحراك الشعبي. هذا المجمع الاستراتيجي ليس مجرد شبكة أنابيب؛ إنه الوريد المغذي لعملاق الطاقة الإيطالي “إيني” (ENI)، والمنصة الجيوسياسية التي يتدفق عبرها الغاز الليبي نحو جنوب أوروبا عبر خط أنابيب “غرين ستريم” لتأمين بدائل الطاقة للغرب. هنا تتجلى علاقة النهب الاستعماري، فالغاز الليبي المستخرج بعرق وسواعد العمال المحليين، يعبر البحر الأبيض المتوسط لينير ويدفئ المنازل والمصانع الرأسمالية في إيطاليا وأوروبا، في حين يقبع العامل الليبي في عتمة كاملة وتحت وطأة كتلة هوائية حارة تجاوزت فيها درجات الحرارة 48 درجة مئوية في مناطق العزيزية والجميل. حيث  إن التحذير الرسمي للمؤسسة الوطنية للنفط من “الدخول في حالة إظلام تام”، أعقبه تحرك عسكري فوري ومذعور من حكومة طرابلس التي دفعت بقوات رئاسة الأركان لاستعادة السيطرة على المجمع بالقوة وتأمين استمرار ضخ الغاز. هذا السلوك يثبت أن السلطة المحلية لا تلعب سوى دور “الحرس الطاقي ” لمصالح الشركات الأجنبية الناهبة ، مفضلة استقرار الأسواق الأوروبية على حياة وكرامة الليبيين .

  • لعبة الدوائر الامبريالية : إدارة الفوضى وتأمين تدفق الطاقة

 إن الانسداد السياسي المزمن في ليبيا ليس صدفة تاريخية أو عجزاً عن الحوار، بل هو وضع جرى تصميمه بعناية من القوى الدولية لإبقاء البلاد في حالة “شبه مستعمرة” مقسمة ليسهل نهبها، فالتحركات الدبلوماسية الأخيرة، وعلى رأسها جولات” مسعد بولس” ، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، والاجتماعات المكثفة في القاهرة وجامعة الدول العربية، لا تبحث عن تمكين الشعب الليبي من تقرير مصيره. فهذه المساعي هي في حقيقة الأمر  هندسة فوقية لفرض “حكومة تصريف أعمال موحدة” تعيد تدوير نفس الوجوه للوكلاء، الهدف الجوهري لهذه الوصاية الدولية هو إيجاد وكيل محلي واحد وموثوق يضمن تدفق النفط والغاز بانتظام نحو الغرب، ويحمي عقود الاحتكارات الأجنبية، ويلعب دور الجدار  الأمني لملف الهجرة غير الشرعية. أما القوى الإقليمية (مثل مصر، تركيا، والإمارات)، فهي تعمل كوكلاء فرعيين يسعون لاقتطاع حصصهم من الكعكة الليبية، عبر تعميق وجودهم العسكري الغير المباشر لحماية مصالحهم الخاصة.

  • طريق التحرر:  السيادة الوطنية وحق الشعب في ثرواته

 تؤكد “انتفاضة العتمة” المتأججة في أزقة طرابلس اليوم أن الوعي الشعبي  قد تجاوز التقسيمات الإدارية المزيفة  والجهوية و النعرات القبلية  التي زرعها السياسيون لتقسيم الشعب الليبي ومنع تشكل وحدته التاريخية والجغرافية. فالهتاف الشعبي الطاغي اليوم هو “يرحل الجميع”، وهو إعلان صريح بسقوط الشرعية الشكلانية  لكل السلطة  السياسية التي أنتجتها المحاصصات الدولية والاتفاقات الفوقية.

 إن للشعب الليبي حقاً تاريخياً غير قابل للتصرف في السيطرة الكاملة وغير المشروطة على ثرواته الوطنية واستخدامها للتنمية المستقلة، وقطع دابر التبعية الاقتصادية. هذا الحق لن يأتي عبر طاولات المحاصصات الدولية التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة، ولا عبر الخطط  الخبيثة و التي يقترحها خبراء البنك الدولي. فالحل الجذري يبدأ بطرد التدخلات الأجنبية كافة، ورفع يد الخارج  عن مظلة  القرار الوطني الليبي. إن طاقة الغضب الشاب المتفجرة وسط الدخان والنيران في شوارع طرابلس اليوم هي المشروع الحقيقي الوحيد القادر على قلب الطاولة؛ بديل ينطلق من بناء اقتصاد وطني إنتاجي، يعيد تشغيل قطاع الخدمات والطاقة ليكون في خدمة  كافة الليبيين  أولاً  وأخيرا، و أيضا كخطوة أساسية لاسترداد السيادة الوطنية   والعيش بكرامة فوق أرض  ”  عمر المختار”   الغنية بالثروات و شعب يعتز بتاريخه لا يحب الظلام.

إلى الأعلى
×