الرئيسية / صوت المرأة / حين تصبح المرأة الناشطة خصما سياسيا: النساء في ظلّ شعبوية قيس سعيد!
حين تصبح المرأة الناشطة خصما سياسيا: النساء في ظلّ شعبوية قيس سعيد!

حين تصبح المرأة الناشطة خصما سياسيا: النساء في ظلّ شعبوية قيس سعيد!

بقلم: شيراز بن حسين

تتميز الشعبوية الرجعية الصاعدة في تونس كظاهرة سياسية قائمة على مغالطة “الإرادة الشعبية” لتكريس حكم فردي مطلق، والاستقواء بأجهزة الدولة الصلبة لضرب الحريات. إنّها شعبوية تجمع بين التيارات المحافظة المعادية للمكتسبات التقدّمية، والولاء لخيارات الرأسمالية التابعة التي تسحق الفئات الكادحة والمهمشة، مستعيضة عن عجزها الاقتصادي بخلق “أعداء وهميّين” وسحل المعارضين سياسيًا وأخلاقيًا.

وفي هذا السياق، لم يكن موقف سلطة الانقلاب من القضية النسوية مفاجئًا، فقد أفصح رأس المنظومة قيس سعيد، منذ صعوده، عن عدائه الرجعي للمكتسبات الحقوقية عبر الرفض القاطع لمبدأ المساواة في الميراث. لكنّ التحوّل الأبرز بدأ يتشكّل بوضوح عقب انقلاب 25 جويلية، وتفكيك دستور 2014، وتصفية المؤسسات التشريعية. حيث تحوّلت السلطة الشعبوية تدريجيًا إلى الخصم الطبقي والسياسي الأوّل للمرأة الناشطة في المجالين المدني والسياسي. ولم تكتفِ السلطة بمحاصرة الفضاء العام، بل مرّت إلى مرحلة التصفية المباشرة عبر الزجّ بالناشطات والمعارضات في السجون، وتجنيد أبواقها الدعائية وأجهزتها البروبغاندية لشنّ حملات سحل إلكتروني وتشهير وهتك للأعراض. ويمثّل المشهد السريالي التاريخي الذي نعت فيه رئيس سلطة الأمر الواقع قاضية تونسية بتهم أخلاقية بناءً على تقرير أمني، ذروة توظيف أجهزة الدولة الصلبة لضرب كرامة النساء المعارضات.

إنّ التدابير الاستثنائية لعام 2021 لم تكن سوى واجهة لنسف الديمقراطية البرجوازية المشوّهة وتأسيس حكم فردي مطلق. وقد شكّل هذا الانقلاب مدخلاً للتنكيل الممنهج بالخصوم السياسيين والطبقيين، وتعميق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع النساء العاملات والكادحات كلفتها الأكبر. إنّ وضع اليد على المرفق القضائي، وتحويله من سلطة مستقِلة إلى مجرد “وظيفة” تابعة لقرطاج، سَهَّل فبركة التهم الكيدية ضدّ المناضلات والمناضلين. وتكشف هذه الهجمة الشرسة المقترنة بالتشهير القائم على النوع الاجتماعي، عن طبيعة النظام الشعبوي الذي يستهدف كسر إرادة النّاشطات والنساء المناهضات للاستبداد، كجزء لا يتجزأ من معركة تصفية العمل السياسي والمدني المستقل في تونس.

دستور الانقلاب: تفكيك الحقوق وإعادة إنتاج دولة الاستبداد

لا يمكن قراءة الترسانة القانونية والدستورية لسلطة 25 جويلية بمعزل عن طبيعتها الطبقية والسياسية، فالتشريع في المحصلة هو انعكاس لموازين القوى. وفي هذا الأفق، مثّل دستور 2014 ، رغم طابعه الليبرالي البرجوازي وهناته البنيوية ، نتاج تسوية فرضتها نضالات الحركة الحقوقية والسياسية الديمقراطية والعمالية في وجه قوى الردّة والرجعية. وقد انتزع هذا الدستور مكاسب نوعية لفائدة النساء عبر فرض آلية التناصف في الانتخابات التشريعية والمحلية، ممّا أتاح اختراقًا نسبيًا للمؤسسات التمثيلية بنسبة ناهزت 31 بالمائة.

إلاّ أنّ دستور 2022 الشعبوي جاء لينفّذ ارتدادًا فظيعًا وممنهجًا، عبر إفراغ الديمقراطية التمثيلية من محتواها، وتحويل التدابير الحمائية للمرأة إلى شعارات جوفاء، حيث عُوّضت آلية الالتزام الفعلي بـ”السعي إلى التناصف”، وهو التواء لغوي وتشريعي مقصود، أدّى آليًا إلى هبوط حاد في نسق المشاركة السياسية للنساء إلى حدود 14 بالمائة في “مجلس وظيفة التشريع”. إنّ هذا الإقصاء الممنهج يعكس رغبة السلطة في إعادة صياغة الفضاء العام وفق رؤية فاشية تُقصي القوى الحية وتدفع بالنساء إلى الهامش.

لكنّ المذبحة التشريعية الكبرى لحقوق المواطنة والنساء تتبدى في جوهرها الأكثر رجعية من خلال الفصل الخامس لدستور الانقلاب، والذي نص على أنّ تونس جزء من الأمة الإسلامية، وعلى الدولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس والعرض والمال والدّين والحرية. يمثّل هذا الفصل نسفًا جذريًا للفصل الثاني من دستور 2014 الذي أقرّ أنّ تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون.

إنّ إقحام “المقاصد” في هرم المنظومة القانونية ليس مجرّد تزيدٍ فقهي، بل هو تأسيس دستوري لدولة ثيوقراطية شمولية، تستحوذ فيها السلطة التنفيذية على احتكار “تأويل الدين” لتبرير القمع الطبقي والاجتماعي.

إنّ هذا التوظيف الرجعي لـ”الدين” يسلب الشعب سيادته، ويقوّض أسس الجمهورية والمواطنة، ويفتح الباب على مصراعيه لنسف الحقوق المدنية والحريات الفردية، وفي مقدّمتها حقوق النساء، عبر إخضاع كينونتهنّ ومكتسباتهنّ التاريخية لتقديرات سلطة استبدادية تتستّر بالمقدّس لتأبيد حكمها الفردي الفاشي.

إذن، فإنّ الهجمة الشرسة التي تقودها سلطة قيس سعيد اليوم ضدّ الحقوق والحريات، وفي عمقها مكتسبات المرأة التونسية، هي في حقيقة الأمر ليست سوى المآل العملي والتجسيد الفجّ لما عجزت حركة النهضة عن تمريره سابقا. وإذا كانت أوهام النهضة ومناوراتها الرجعية قد تحطّمت سابقاً أمام جدار المقاومة للقوى التقدمية، والنسوية، والعمالية في الشارع والمؤسسات، فإنّ الشعبوية الفاشية الصاعدة تقدّم اليوم الخدمة القذرة ذاتها للرجعية، بل إنّها تتفوّق على “التمكين” بتوظيفها المباشر للأجهزة الصلبة للدولة البيروقراطية والأمنية، وإخضاعها بالكامل لمشروع الهدم والبناء الفردي الاستبدادي. إنّ هذا التدمير الممنهج لمربّع المكتسبات التاريخية لشعبنا لم يكن ليمرّ لولا استقواء سلطة قرطاج بآلات البطش والتخويف، لتنفذ الشعبوية بأسلوب الفاشية البوليسية السافرة ما عجزت عن انتزاعه قوى الإسلام السياسي عبر ديمقراطيتها المغشوشة وسياسات التوافق والمحاصصة البرلمانية.

الشّعبويّة الفاشية تضرب المكتسبات وتنكّل بالنّساء

لم يعد تاريخ 13 أوت مجرّد مناسبة للاحتفال. لقد تحوّل هذا التاريخ، بفعل الأمر الواقع، إلى محطة جديدة للنضال الشرس في الشارع والمؤسسات. تخوض النساء التونسيات، والناشطات النسويات، والقوى التقدّمية اليوم معركة حقيقية لتعرية السلطة الشعبوية الحاكمة. هذه السلطة التي لم تتوقّف عن استهداف حقوق المرأة ومكانتها التي افتكّتها عبر تضحيات أجيال كاملة منذ الاستقلال. إننا نواجه منظومة فاشية واضحة، هدفها هدم كلّ المكتسبات وبناء نظام فردي استبدادي.

هذا الهجوم على الحقوق لم يبق مجرّد كلام، بل تحوّل إلى سياسة قمع وتنكيل يومي ضدّ النساء. وتمثّل حملة الاعتقالات والملاحقات القضائية في قضية “التآمر” المفبركة دليلاً قمعيا جديدا. فالشعبوية تستهدف اليوم الناشطات السياسيات، والصحافيات، وحتّى زوجات المعارضين بهدف الترهيب وكسر إرادة المقاومة لديهن.

ولم تقف الممارسات الأمنية عند هذا الحد، بل استغلت السلطة ملفّ المهاجرين من جنوب الصحراء لتشنّ حملة تحريض فاشية وعنصرية. وطال هذا القمع والتنكيل الناشطات في المجتمع المدني الحقوقي، اللواتي رفضن الخضوع لسياسات الدولة الأمنية والتشهير بالبشر.

وفي نفس الوقت، يلعب “قضاء الوظيفة” التابع للسلطة دورا أساسيا في هذه التصفية السياسية. حيث تُساق النساء والناشطات إلى السجون بموجب ترسانة قوانين قمعية، وعلى رأسها المرسوم 54 سيّء الذكر، الذي صُنع خصيصا لتكميم الأفواه ومصادرة حرية التعبير. وما حدث مع المحامية والإعلامية سنية الدهماني، التي سُجنت لمجرد تصريح إعلامي انتقدت فيه الأوضاع، هو تجسيد فجّ لكيفية تحوّل هذا المرسوم الاستبدادي إلى مقصلة مسلّطة على رقاب كلّ الأصوات الحرة.

إنّ معركة تحرّر النساء في تونس اليوم لا تنفصل أبدا عن معركة إسقاط دكتاتورية اليمين الشعبوي وفاشيته البوليسية. وهي معركة مستمرة، يلتحم فيها العمال والنساء والقوى التقدمية ضدّ الهرسلة، والتجويع، وتدمير الحريات.

ولم يستثن المرسوم 54 أحدا، فمن يبادر بالتعبير عن رأيه أو موقفه المعارض للمنظومة الحاكمة يجد نفسه ملاحقا قضائيا، وهو حال عدد من الصحافيات اللاتي وجدن أنفسهن ملاحقات في قضايا في مناسبة أولى ثمّ السحل الافتراضي وهتك الأعراض في مناسبة ثانية. وهذا التوجّه في معاقبة النساء مرّتين (قضائيا، افتراضيا) قد انسحب أيضا على الناشطات في المجتمع المدني وهنا لا يمكن أن نغفل عمّا تتعرض له سعدية مصباحي رئيسة جمعية “منامتي” والمهددة بالسجن 08 سنوات، من حملات عنصرية مقرفة وتحريض وهتك للأعراض فاق كلّ التوقعات.

إنّ المناخ العام المأزوم الذي فرضته سلطة اليمين الشعبوي قد جعلت التونسيات يدفعن ضريبة باهظة من أمنهنّ وحريّاتهن لمجرّد ممارستهن لحقّهن الطبيعي والمبدئي في الفعل السياسي والمدني. فبمجرّد انخراطهن في معارك الشارع، أو مشاركتهن في الوقفات الاحتجاجية، أو حتى التعبير عن آرائهن عبر تدوينة تنتقد إدارة الشأن العام، يواجهن بآلة تشهير إلكتروني مسعورة على منصّات التواصل الاجتماعي، وبتهديدات مباشرة في الفضاءات العامة. وتتحمّل الناشطات الحقوقيات والسياسيات العبء الأكبر من هذا البطش، عبر تعرّضهنّ لعنف معمّم يتّخذ أشكالاً لفظية ومادية ومعنوية بالغة الخطورة. وفي هذا السياق الاستبدادي، لا تُستهدف النساء بسبب مواقفهن المبدئية فحسب، بل يتمّ توظيف “النوع الاجتماعي” كعنصر مضاعف للتنكيل والهرسلة، حيث يتجاوز الخطاب الفاشي الموجّه ضدّهن حدود الصراع السياسي والفكري، ليتّجه عمدا نحو استهداف الحياة الخاصة، والطعن في السمعة والكرامة، بهدف الاغتيال المعنوي وكسر إرادة المقاومة لديهنّ.

وتظلّ الحادثة البشعة التي أقدم فيها رئيس سلطة الأمر الواقع على اتّهام قاضية في شرفها من على منابر الدولة صدمة تاريخية، وشاهدا فجّا على انحطاط الأساليب الشعبوية والبوليسية للسلطة. فهنا يتحوّل العنف السياسي إلى عنف قائم على النوع الاجتماعي وبغطاء رسمي من الدولة البيروقراطية والأمنية. وتواجه المرأة المعارضة ترسانة من الهجوم والتجريح تختلف تماما في دناءتها عن تلك التي يواجهها الرجل، وهو ما أكّدته ووثّقته العديد من المنظمات الحقوقية والتقدمية. فإنّ هذا الاستهداف الممنهج لا يستهدف تكميم أفواه النساء التونسيات فحسب، بل يرنو إلى إقصائهن بالكامل من الفضاء العام وإعادتهن إلى مربّع التبعية، وهو جزء لا يتجزأ من مشروع الهدم الشعبوي لكلّ مكاسب الحداثة والتحرّر.

ومن زاوية أخرى، فإنّ التراجع الحاد لتمثيلية النساء في المؤسسات القائمة اليوم حتّى وإن كانت مجرّد هياكل صوريّة بلا صلاحيات فعليّة لا يمثّل مجرّد انخفاض في الأرقام، بل إنّه يعكس جوهر التغيّر الرجعي في طبيعة النظام السياسي للشعبوية. إنّ تغييب حضور النساء داخل هذه المجالس الهجينة يفرغها تماما من قضايا المساواة، ويُقصي ملفات مناهضة التمييز والعنف من أولويات التشريع والرقابة. وهذا التغييب الممنهج هو ترجمة أيديولوجية واضحة لرغبة السلطة في إعادة صياغة القوانين بعقلية ذكورية محافظة ومعادية للمرأة الكادحة والمناضلة. وفي هذا المشهد، يلتقي القمع القضائي بحملات التشهير الإلكتروني وهتك الأعراض، ليشكّلوا معا استراتيجية متكاملة لترهيب المجتمع. وإنّ الهدف الحقيقي من هذه الهجمات المسعورة لا يقف عند معاقبة الناشطات والناشطين فحسب، بل يهدف إلى توجيه رسالة تهديد مبطّنة إلى بقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين مفادها أنّ النطق بالحقيقة أو الانخراط في الشأن العام سيكلفكم أثمانا شخصية، ومهنية، واجتماعية باهظة. إنها محاولة شعبوية خبيثة لدفع القوى الحية نحو ممارسة الرقابة الذاتية، وإخلاء الفضاء العام، والانسحاب إلى مربّع الصمت والخوف. ولكنّ الرد الحقيقي والوحيد على آلة الترهيب هذه لا يمكن أن يكون العزوف أو الانكفاء إلى الخلف، فإنّ اليمين الشعبوي الفاشي، الذي يقتات على نشر بذور الرعب وتفتيت المقاومة، لا يمكن مواجهته بسياسة الانتظار، بل بمزيد من رصّ الصفوف وتوحيد جهود الطيف التقدمي، والديمقراطي، والعمالي، والنسوي. فلا معنى للحديث عن ديمقراطية أو ملامح جمهورية بينما حقوق المواطنات والمواطنين مستهدفة في الصميم، ولا يمكن إسقاط الاستبداد الفردي المتخفّي وراء قناع الشعبوية دون مراكمة النضالات الميدانية الشجاعة. فإنّ معركة تحرّر النساء اليوم هي ذاتها معركة كسر قيود الفاشية البوليسية وبناء تونس الحرية والعدالة الاجتماعية.

إلى الأعلى
×